واقــع التطبيق القضائي وآفـاق المستقبل(ü)


ذ. عمر لمين

رئيس غرفة بمحكمة الاستيناف بالرباط

ملحق بوزارة العدل

مدى تفعيل مقتضيات مدونة الأسرة

بعد دخولها حيز التطبيق.

كما لا يخفى إن مدى نجاح تفعيل أي قانون جديد رهين بمدى الإعداد والتأهيل له، حتى يجد الأجواء مهيأة وحتى يجد المناخ ملائما للتطبيق السليم، ووزارة العدل كانت في مستوى الحدث، حيث كانت تترقب وبشغف هذا المولود الجديد وتعد له العدة من أجل أن يكون تطبيق هذه المدونة تطبيقا سليما، وهذا ما تحقق ولله الحمد، وقد ساعد على هذا التطبيق ما يلي :

> 1- إعداد مقرات أقسام قضاء الأسرة : طبعا المدونة جديدة، ولابد أن تكون الأقسام منسجمة ومتناغمة، لأنه وكما يقولون، المطابقة شرط، إذن هناك إعداد مقار أقسام قضاء الأسرة وهذا ما جاء في الخطاب الملكي السامي الذي أعطى فيه تعليماته للسيد وزير العدل بالإسراع بإيجاد مقرات لائقة بأقسام قضاء الأسرة، والأسرة تستحق أكثر من ذلك، حتى تجمع قضاياها في جناح أو في حيز من المحكمة، هذه المقار تم تغطية مختلف محاكم المملكة بها، وتم تجهيزها وتزويدها بكل اللوازم والمقتنيات الضرورية.

> 2- إعداد العنصر البشري : هذا العنصر البشري المتمثل في القضاة والمساعدين وكتاب الضبط والعاملين والراقنات وجميع من له صلة بقضايا الأسرة.

إذن كيف تم هذا الإعداد للسادة القضاة الذين سوف يتناغمون ويتجاوبون مع هذه المدونة الجديدة وفي هذه المقرات الجديدة؟.

لقد تمت برمجة أيام دراسية، لفائدة 320 قاضيا على المدى القصير، وعلى أربع فترات، كانوا في مراكش، وإفران وكانوا كذلك في إفران، ناقشوا مدونة الأسرة إبان دخولها حيز التطبيق فصلا فصلا، وكانوا يتوقفون عند كل مادة يكون حولها الاختلاف في المفاهيم، ويناقشون حتى يصلوا إلى الحل، وتلك المناقشة هي التي تضيء السبيل مما لاشك فيه، لأنه كما يقال :

الرأي كالليل مسود جوانبه

والليل لا يتجلى إلا بإصباح

فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى

مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح

أيضا تم إحداث شعبة تخصصية بالمعهد العالي للقضاء خاصة بالقضاء الأسري، ثم هناك كذلك تكوين مجموعة من الملحقين القضائيين الذين تم انتقاؤهم وعددهم ثلاثون قاضيا، ثم إسناد مهام رئاسة أقسام القضاء الأسري إلى قضاة أكفاء.

كما تم عقد اجتماع مع السادة المسؤولين من أجل التيسير والتبسيط والتوجيه والإرشاد ومساعدة كل المتقاضين بشكل لائق في قضايا الأسرة.

ثم كذلك تنظيم أيام دراسية لكل من له صلة بقضايا الأسرة، مع السادة المحامين، ومع السادة العدول، ومع الموثقين العصريين، ومع التراجمة، كل فيما يخصه، في تلك المواد التي لها ارتباط باختصاص كل هؤلاء.

3- إعداد آليات العمل، لأن مما يساعد على النجاح، إيجاد الآليات، التي تختص بمزايا، منها التسهيل، والتوضيح، والتقريب، وأيضا توحيد مناهج العمل، وهذا ما ساعد على انطلاقة كانت موفقة وكانت ناجحة ولله الحمد.

وتتجلى هذه الآليات في إصدار عدة قرارات سواء من طرف السيد وزير العدل وحده، أو من طرف السيد وزير العدل مع غيره من الوزراء كوزير الداخلية بالنسبة للشهادة الإدارية، كالشهادة الطبية بالنسبة لوزير الصحة، وهكذا.

كما تم  إصدار عدة نماذج من المطبوعات، والسجلات، والملفات، والأذون، وعقود الزواج، والمراسلات، والملخصات الموجهة إلى ضابط الحالة المدنية، وأيضا إعداد مطويات تساعد المتقاضين وغيرهم على فهم الإجراءات لكي يعرفوا كيف يتقاضون أمام المحكمة. أيضا من ذلك إعداد منشور توضيحي خاص بأفراد الجالية المغربية بالخارج، يُبين كيفية عقد الزواج سواء بالنسبة للقنصليات، أو بالنسبة لدولة الإقامة، وكيفية الزواج المختلط، وثبوت الزوجية، والطلاق، وتذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية.

أيضا من الوسائل التيتساعد : الدليل العملي الذي أعدته اللجنة المختصة والذي تضمن معالجة جميع المشاكل التي أثيرت في البداية ومنها مثلا المادة 97 “في حالة تعذر إصلاح….. الشقاق” جاء هنا وقال: “وعند الحكم بالتعويض لفائدة أحد الزوجين تراعي المحكمة في تقديره مدى مسؤولية المتسبب منهما في الفراق” وسنرى ما يعضض هذا بالنسبة لبعض الأحكام الآتية. أيضا بالنسبة لوسائل العمل والمواكبة والتتبع لكيفية تصريف الأشغال لقضايا الأسرة، فوزارة العدل كانت متتبعة لجميع الأشغال التي كانت تصرف وكيفية تصريفها أمام أقسام قضايا الأسرة، سواء ما يتعلق بالموارد، وبالتجهيزات، وبأقسام قضاء الأسرة، والملاحظات، والإشكاليات، ورصد ما يمكن رصده وتفادي ما يمكن تفاديه.

أيضا مما ساعد على هذا التفعيل، هناك استشارة السادة القضاة، حيث كانوا يتصلون كذلك بالوزارة ويطلبون ويبحثون ويستفسرون عن بعض المواد والقضايا، وبعد الدراسة تتم إجابتهم. وهكذا فالانطلاقة ولله الحمد كانت موفقة وناجحة.

الإشكاليات التي أفرزها التطبيق القضائي

لمدونة الأسرة

هناك إشكاليات أثيرت، لماذا؟ لأن هذا القانون جديد، ولا يمكن مقارنة قانون جديد بآخر يصل عمره إلى 48 سنة أو أكثر، لهذا فهذا القانون الجديد يحتاج إلى الحذر وإلى التريث، يحتاج إلى توسيع مدارك الفهم وبالتالي يحتاج إلى التوعية في إطار المواكبة والتتبع لأقسام قضايا الأسرة، ثم رصد مجموعة من الإشكاليات والملاحظات التي تم بشأنها مكاتبة السادة المسؤولين القضائيين؛ والسادة رؤساء المحاكم والسادة الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف، وتم إيصالها إلى الوزارة، هذه الوزارة قامت بدراستها دراسة أولية، ثم بعد ذلك قامت بتبويبها، ثم بترتيبها ثم بعد ذلك بإعدادها في ورقة تتضمن عناوين منها :

> أ- الإشكاليات المتعلقة بالزواج والطلاق، والولادة ونتائجها، والإشكاليات المتعلقة بالنيابة الشرعية، وكذلك الوصية، والكفالة والميراث والحالة المدنية، وتذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية.

وهذه كلها إشكاليات لها أهميتها، وهذه الإشكاليات -في تقديري وبعد مناقشتها وإيجاد حلول عملية لها مع السادة القضاة في ظرف أربعة أيام بإفران- ضمنت في شكل توصيات تم طبعها وستوزع إن شاء الله عما قريب على السادة العاملين في حقل القضاء الأسري.

> ب- نماذج من الإشكاليات التي طرحها تنفيذ المدونة :

من هذه الإشكاليات مثلا، فيما يخص الزواج، لنفرض مثلا أن المعني بالأمر كان قاصرا وحصل على الإذن بالزواج، ثم بعد ذلك تزوج إما طلق في حينه أو توفيت زوجته، وأراد أن يتزوج من جديد ولم يبلغ بعد سن الأهلية للزواج، فهل يحتاج إلى إذن جديد؟ أم الإذن السابق هو كاف؟ هنا طرح الإشكال للسادة القضاة. فهذا نوع من الإشكاليات التي طرحت، كذلك ما يتعلق بالتوصل، مدونة الأسرة جاءت ببعض الإجراءات التي أضافتها إلى جوهر المنازعات واكتست صبغة النظام العام، وكانت لها أهميتها، منها أنه لابد للمرأة من أن تتوصل، فإذا توصلت ولم تحضر ولم تُدْلِ بملاحظات مكتوبة، لابد من إحضارها عن طريق النيابة العامة. الإشكال أين يطرح؟ أولا حينما تتوصل هذه المعنية بالأمر بواسطة الغير، فعملية الرفض، وعملية التوصل بواسطة الغير لم تعالجها المدونة، وطرحت كإشكالية وتم إيجاد حل لها في إطار القانون من جهة وفي إطار المصلحة التي حيثما وجدت فثم شرع الله.

وهناك نوع آخر من الإشكاليات سواء تعلق الأمر بالطلاق أو غيره.

انطباعات حول بعض الأحكام الصادرة

في قضايا الأسرة

إن تفعيل مقتضيات المدونة كان على نحو يبعث على التفاؤل ويؤشر على أن هناك تناغما وانسجاما بين السادة القضاة العاملين بأقسام قضاء الأسرة. نرى هذا من خلال ما يلي :

< دعوى الزوجية : تبين من خلال الأحكام الصادرة فيها أن التزامات المشرع في دعوى الزوجية، في الحفاظ على استقرار الأسرة وحماية الطفل كانت حاضرة، في مراعاة الأسباب التي حالت دون توثيق العقد في إبانه وباعتماد وسائل إثبات الزوجية واعتبار ما يمكن اعتباره.

أيضا فيما يخص التعدد، بعد الاطلاع على بعض الأحكام الصادرة في التعدد لوحظ من خلال التعامل معه وفق القيد المتمثل في توفر المبرر الموضوعي الاستثنائي أنه يُتعامل معه وكضرورة بقدر الحاجة، وهذا ما ترجمته الأحكام الصادرة على قلتها.

< التطليق للشقاق : وهو يعتبر جديداً، من المستجدات التي جاءت بها المدونة، علما بأنها لم تتعرض لمفهومه، فكيف تعامل القضاء معه؟ ففي حكم جاء فيه: “النزاع المستحكم بين الطرفين وتعذر الصلح والإصرار على التطليق، يعتبر مبرراً للتطليق للشقاق”، وفي نوع آخر، جاء في حكم آخر في موضوع نازلة الحال: “إن مسؤولية أحد الأبوين تنعكس على تقدير مستحقات الزوجة وهو ما راعته المحكمة في نازلة الحال أثناء تقديرها لمستحقات المدعية، طبقا للمادة 97 من مدونة الأسرة، في حين تبقى مستحقات الأبناء -طبقا للمادة 85- بعيدة عن المسؤولية بسبب الفراق، بمعنى أن المتسبب في النزاع من الزوجين يتحمل تبعات ذلك عند تقدير النفقة، لكن نفقة الأبناء لا تتأثر بذلك ولا ترتبط به لأنهم بعيدون عن النزاع وليسوا طرفا فيه.

< النسب، حيث من المعلوم أن ما أضافته مدونة الأسرة في باب النسب والبنوة ما يلي : مبدأ اعتبار البنوة شرعية بالنسبة للأب والأم إلى أن يثبت العكس والتنصيص على الخبرة الطبية كوسيلة للإثبات… إلخ.

فكيف تعامل القضاء مع النسب في ضوء هذه المستجدات؟

بالاطلاع على بعض الأحكام الصادرة في هذا الباب، لوحظ أنها تكرس هذه المستجدات، وتراعي فلسفة المشرع من سن أحكام النسب، حفاظا على الاستقرار وحماية للإنسان وحقوق الأطفال، وهذا ما تمت ملامسته من خلال نماذج من الأحكام.

ففي حكم جاء فيه: “للمحكمة أن تأمر بإجراء خبرة طبية على الحامض النووي (ADN) للزوجين والبنت فلانة لبيان ما إذا كانت البنت المذكورة من صلب المدعي الطاعن في النسب أم لا”. وفي حكم آخر جاء فيه: “وحيث التمست المدعية الحكم لها بإلحاق نسب الطفل فلان بالمدعى عليه المسمى فلان وبتسجيله في دفتر الحالة المدنية، وحيث أمرت المحكمة بإجراء خبرة، كلف بالقيام بها مختبر الشرطة بالبيضاء، وحيث أفاد تقرير الخبرة بكون جينات الطفل فلان تتطابق وجينات المدعى عليه فلان، وأن هناك علاقة أبوية بين الأب والطفل، وحيث أن طلب التسجيل… إلخ له ما يبرره”.

الآفاق المستقبلية

من خلال ما سبق يبدو أن هناك تحسنا ملحوظا في تفعيل مقتضيات مدونة الأسرة، وهذا بفضل المجهودات المبذولة، سواء من طرف الوزارة أو من طرف السادة المسؤولين القضائيين، أو من لدن السادة القضاة العاملين في حقل القضاء الأسري ومساعديهم. والآن ماذا أعد للآفاق المستقبلية؟.

يمكن القول إنه من خلال التفعيل الأمثل والأحسن، لما نتطلع إليه جميعا لهذه المدونة، هناك رغبة أكيدة وإرادة قوية من لدن الوزارة من أجل المواكبة والتتبع لأقسام قضايا الأسرة، ولكيفية تصريف الأشغال فيها، حتى يتحقق ذلك، وبالتالي فهناك آفاق مستقبلية واعدة إن شاء الله، وبارقة أمل تبعث على التفاؤل والارتياح، وهذا ما قد برمج ورسم لتحقيقه ما يلي :

– مواكبة وتتبع أقسام قضاء الأسرة لرصد ما قد يقع فيها من خصاص يتعلق بالبناء أو بالتجهيزات أو الموارد البشرية، وذلك من أجل تفاديه.

– مواكبة عمل أقسام قضاء الأسرة من خلال القيام بزيارات تفقدية لها، لتسجيل ما قد يتم الوقوف عليه من ملاحظات وما قد يثار من إشكاليات، وذلك من أجل توحيد مناهج العمل.

– الإعداد لتنظيم أيام دراسية لمعالجة ما قد يستجد من إشكاليات سواء تلك التي يتم رصدها من خلال الزيارات التفقدية أو بأقسام قضاء الأسرة.

– توسيع فضاء المواكبة لقضاء الأسرة، بحثا عن كل ما يخدمها، ويعالج قضاياها وذلك عن طريق التواصل ومد الجسور والانفتاح على كل الجهات ذات الصلة بالأسرة من أجل المشاركة في الندوات العلمية والاجتماعات التي تنظمها القطاعات الأخرى.

– تحديث العمل في التعامل مع قضايا الأسرة، وذلك عن طريق المعالجة في الحاسوب.

هذه محطات استوقفتني عندها التساؤلات المطروحة السابقة وذلك من أجل خدمة هذه الأسرة التي يرعاها صاحب الجلالة ويوليها كامل الرعاية والعناية، وإن هذه العناية الكبيرة الممدودة للأسرة لتقتضي منا جميعا -كل من موقعه- أن نكون كذلك في مستوى الحدث، وأن نتعبأ أكثر فأكثر لخدمة هذه الأسرة، وأن نضاعف الجهود وأن نستسهل كل صعب، وأن نسخر كل الطاقات لإيجاد المناخ الملائم والأجواء المناسبة لما ينسجم مع قضايا الأسرة، ذلك لأنها النواة الأولى للمجتمع الذي لا يتحقق رقيه ولا ازدهاره ولا حضارته إلا برعايتها والاعتناء بها، وكم أعجبني بهذه المناسبة ما جاء عن الإمام الأكبر محمود شلتوت في كتابه المشهور “الإسلام عقيدة وشريعة” تحت عنوان: أهمية الأسرة ما نصه : “ليس من شك في أن الأسرة لبنة من الأمة”… إلى أن قال: “وكلما كانت اللبنات قوية ذات تماسك ومناعة كانت الأمة كذلك ذات تماسك ومناعة”. وقال: “من هنا كانت العناية بتقوية الأسرة من أهم ما يجب على المصلحين رعايته وأخذ الطريق إليه”، وأضاف “ولا يكون ذلك إلا بتوخي المبادئ القوية التي يشاد عليها صرح الأسرة وبمراقبة تنفيذها”.

ولهذا وغيره فالأسرة تستحق أكثر من تعبئة وتكاثف الجهود من أجل إسعادها وتحقيق كرامتها حتى تبقى متماسكة محافظة في بحبوحتها على الدفء والسكن والمودة والرحمة، لهذا فالحديث عن الأسرة هو حديث عن المجتمع، لكونها تعتبر نواته، وهو حديث عن الإنسان عموما -ذكراً كان أو أنثى- لكونه بعضا من أفرادها، هذا الإنسان الذي اعتنى الله به أيما عناية بما لا مزيد عليها، وخلقه فسواه، وكرمه وفضله، وسخر له الكون وما فيه ومن فيه، فالكون مسخر للإنسان، والإنسان مسخر لله وجعله خليفة في الأرض وعمارة لها.

وأخيراَ فالحديث عن الأسرة هو حديث عن المرأة بالخصوص هذه المرأة المستوصى بحسن معاشرتها {وعاشروهن بالمعروف ولا تنسوا الفضل بينكم} وإكرامها >ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم< والمستوصى بها خيرا >استوصوا بالنساء خيرا < والحديث عن الأسرة هو حديث عن البراءة، حديث عن الأولاد، حديث عن زينة الحياة الدنيا كما جاء في القرآن، ورعيا لقدسيتها واعتباراً لخصوصيتها، وحفاظا على كرامتها.

——-

(ü) ألقيت هذه المداخلة في ندوة “مدونة الأسرة بعد عام من التطبيق الحصيلة والآفاق” التي عقدت بكلية الحقوق بوجدة يومي 17 و18 فبراير الماضي، وننشرها بتصرف يسير.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *