قضايا الـمرأة.. رؤية جديدة


ازداد الحديث في الآونة الأخـيرة عن المرأة، وكثرت المؤلفـات التي تناولتهـا وجعلتها ساحة لدراستها فتفننت في وصف المعاناة التي تواجهها المرأة اليوم.. ومع هذه الظاهرة وهذا الاهتمام ظهرت مصطلحـات جديدة  قُرنت بموضوع المرأة، منها : مشكلة المرأة، أزمة المرأة، إشكالية المرأة، قضية المرأة، كل هذا تعبـير وتعريف عن هذا العصر الذي عُرف أيضاً بعصر الجنس اللطيف.

ومع هذا فإن ” المشكلة ” وواقعها يسير معاكساً  لهذا الترويج، وكأن واقع المرأة لا يزال هو الواقع نفسه الذي تحاول هذه المؤلّفـات التغيير فيه، هذا إذا لم يكن قد ازداد تدهوراً.

فالمرأة على الرغم مما نقـرأ من نصوص الكتاب والسنة، وعلى الرغم مما منحهـا الإسلام من مكانة لا تقل عن مكانة الرجل {والمؤمنون والمؤمنـات بعضهم أولياءُ بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنـكر ويقيمون الصـلاة ويؤتون الزكـاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله  إن الله عزيز حكيم}(التوبة:71). وعلى الرغم مما أوصى بها من خير- لا تزال مهزومة من الداخل ومن الخارج، ولا تزال تشعر بالضعف والإنكسار وبعدم تحقيق الذات.

وقد يضيق صدر البعض بهذا الذي أتقـدم به، ولا بأس في ذلك فقد يرى بعض الرجال أن شريكته أو أمه أو أخته لا تعاني من هذه المشـاعر وهذه الآلام، وهي تحظى داخل الأسرة وخارجها بطائل من الاحترام والكرامة.

ويحسن هنا أن نذكر أن هنـاك عاملاً مشتركاً بين النسـاء جميعهن، يقرب بينهن ويربط بعضهن ببعض، وهو أن الله وهب المرأة من الأحاسيس والشفافية ما يؤهلها للقيام بوظيفتها كمربية وزوجة على أحسن وأكمل وجه. إنها تحنو على رضيعها ؛ فتستوحي من بكائه وابتسامته ما يزعجه وما يسعده، وتتعامل مع زوج قد لا يعبر عن أحاسيسه على النمط الذي تعبر به هي. ومع هذا لا تعجز عن تلبية حاجاته والتعاون معه.. إذن فإن طبيعة تكوينها وتركيبها تجعلها عرضة للتأثر بما تشعر به غيرها من النساء، أو بما تروجه الثقافة من حولها، وذلك على الرغم مما يقدمه لها الزوج أو الأسرة من تقدير واحترام.

بعد هذا يبدو أن الأسئلة التي لا بد أن تتـبادر إلى الأذهـان – حتى نلقي بعض الضوء على أسباب هذه المعاناة، وربما على بعض معالم الحل – هي : لماذا لم تؤتِ هذه الكتابات أُكلهـا ؟ وما هي العوامل التي جعلت هذه الآيات الـكريمة وهذه الأحاديث الشريفة واقعاً انتفع به أسلافنا في صدر الإسـلام ؛ واقعـاً انبثقت منه نساء تركن بصماتهن على وجه التاريح ؟ وما هي الجسور التي هُدّمت فحالت بيننا وبين هذا الواقع المشرق ؟

أصناف الكتابات عن المرأة

عند المراجعة للكتابات التي اهتمت بموضوع المرأة نلمس منها صنفين :

الصنف الأول اهتم بتجميع الآيات الكريمة، والأحـاديث الشريفـة التي تـدل وتوضح منزلة المرأة في الإسـلام، وما تحظى به من حقوق وامتـيازات. وينبغي علينا أن ندرك هذه الحقائق، وأن نقدر هذه  الأعمال خير تقدير ؛ حيث إنها تمثل قاعدة لا بد منها للانطـلاق لدراسة واقع المرأة، ولفهم هذه النصوص وتخليصها من رواسب التقليد والعادات.

غير أن هذه الأعمال تبدو أحياناً وكأنها للتباهي والتفاخر، أو أنها مجرد سرد بهدف رفع معنويات هذا المخلوق الرقيق – المرأة – التي كثيراً ما تُظلم، عن فهم أو عن جهل، على الرغم من الخدمات العظيمة التي تقدمها لمن حولهـا.

إنها تمر خلال أطوار حياتها بأدوار عظيمة من ابنة بارة، إلى زوجة صالحة ؛ ومن ثم إلى أم تتحلى بأجلّ خصال، تمنحها القدرة على العطاء لمن حولها، وتخلصها من الأثَرة حتى تُشرف على إعداد إنسان متوازن  فعّال، وقد كان من الأجدى لو أن هذه المؤلفات اهتمت أيضاً برسم التطورات التي مر بها واقع المرأة منذ بداية رسالة الإسلام إلى يومنا هذا، الذي أصبحت المرأة فيه واحدة من اثنتين : إما جـاحدة لمعنى مكانتها ورسالتها، وإما إمرأة “رَجِلة” أي صارت رجلاً مشوهاً، كما أطلق عليها الشيخ “محمد الغزالي” رحمه الله.

وعلينا أن نلاحظ أن رسم هذه التطورات يستلزم توضيح أن الإنسان تكون قيمته الذاتية إنطلاقاً بين قيمتين :

أما القيمة الأولى : فثابتة لا تتغير، لا عبرة الزمان ولا عبرة المكان،  قيمة كرمه الله بها منذ خلق آدم – عليه السلام – وتتمثل هذه القيمة في الامتيازات التي متَّعه الله بها من حرية عقيدة، وكرامة نفس وعقل، وحفظ لأسرته إلى جانب ماله، إضافة إلى الحدود التي رسمها حتى لا يعتدي على هذه الامتيازات.

وأما القيمة الثانية : فهي قيمة اجتماعية، تتغير بتغير الزمان والمكان، أي من عصر إلى عصر، ومن أمة إلى أخرى، فهذه القيمة يستلهمها الفرد من ظروف الحياة التي يعيشها، ومن مدى حماية مجتمعه للإمتيازات التي منحه الله إياها.

وخلاصة هذه العلاقة ما بين القيمتين : أنه كلما ارتفعت القيمة الاجتماعية للفرد زادت الضمانات التي تدافع عن امتيـازات الفرد، لتقـارب القيمة الثابتة كلما استشعر هذا الفرد، رجلاً كان أم امرأة، ارتفاعاً لقيمته الذاتية والنفسية والمادية، والعكس صحيح.

وللتوضيح نذكر أن الله تعالى ضمن الامتيازات التي كرم بها آدم، أن حرّم دمـه بغير الحق، فهو بذلك وضع قيمة ثابتة للنفس البشرية، غير أن القيمة الاجتماعية لهذه النفس قد تهبط في ظروف معينة – من استبداد وغيره – لدرجة أن يصبـح القتل أداةَ لذة، أو أداة لتحقيق مصلحة مادية.

وهنا يبدو جلياً أن سبب شعور المرأة بالإنهزام، وعدم تحقيق الذات، ليس راجعاً إلى قبول أو رفض النصوص التي كرمتها فحسب، بل أيضاً إلى طبيعة العلاقة بهذه النصوص، وأن رصد هذه العلاقة هو الذي سييسر على الدارس تصحيح الواقع طبقاً للمبادىء القرآنية.

وأما الصنف الآخر من الكتابات: فهي تلك التي تناولت المرأة وكأنها عنصر مستقل عن باقي المجتمع.ويبدو أن هذا الصنف الأخير يمثل قطبين في صفة صراع ظاهري: قطب أراد انفتاحاً كاملاً وتقليداً أعمى للغرب، وقطب شدّد على المرأة حتى كاد أن يخنقها، وبرهن على أن الغُلُوّ يولد الغلو، أي أنه دفعها في كثير من الأحيان إلى مثل ما أراد لها الطرف الأول، وجعلها بذلك تهرب من واقعها وتلهث وراء الغرب

فإن دققنا النظر وأمعناَّ أدركنـا أن معاناة المرأة إنما تنبع من معاناة مجتمع بأكمله، فما الرجل والمرأة إلا صورتان لموضع واحد وهو الإنسان. إن أمراضنا متعددة، ومن طور إلى طور قد تختلف الأعراض التي تبدو على الرجل والمرأة من فكر عقيم واضطرابات أسرية، وأزمات أخلاقية، غير أن الجرثومة واحدة.

إذن، يجب أن يكون الحل لمعاناة المرأة منسجماً مع الحلول للمشكلات الاجتماعية الأخرى، ضمن برنامج حضاري شامل. فما أفلست المرأة إلا عندماأفلس المجتمع بأكمله.

ولن يكون الحل حلاً إلا إذا بعثنا الأمة جمعاء وسرنا في الاتجـاه الصحيح، ويقول والدي وأستاذي “مالك بن نبي” في هذا الاطار : “يجب أن لا تكون نظرتنا إلى هذا الموضوع بدافع رفع مستوى المرأة ذاتها، أي بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري”.

وقد فهم الغرب هذا الأمر، بعد أن ظل يتحاور عقوداً طويلة حول موضوع المرأة ويتساءل : هل المرأة كانت مثل الرجـل ؟ هل لديهـا روح ؟ هل يحق لها ما يحق للرجل ؟ هل تحتاج إلى مثل ما يحتـاج إلىه الرجل ؟ ووصل مؤخـراً إلى قناعة بأن النظرة إلى المرأة على أساس أنها عنصر مستقل عن جوهر المجتمع لم تعد تخدم غاياته ومصالحه ؛ لذلك أراد بصفة متسرعة أن يمنحها مساواة صورية، بغض النظر عن مدى صلاحية أو بُطلان هذه النتيجة، وقد دفعته هذه المساواة الصورية إلى عرقلة أو منع الدراسات الدقيقة التي تبحث عن طبيعة الفروق بين المرأة والرجل واعتبرها فروقاً نوعية لا وزن لها في توزيع الأدوار.

ويكفينا هنا أن نذكر مثـالاً على أن الحـل الذي يكون هدفه رفع مستوى المرأة فحسب – دون النظر في البعد الاجتمـاعي لهذا الحل – يصبح حـلاً قاصراً عن خدمة ورعاية مصالح المجتمع. لقد عرض التلفاز لقطات لنساء استطعن أن ينتسبن إلى فرقة الإطفاء بعد أن أصبح الرأي العام – بسبب ضغوط الحركات النسائية – يشجع مثل هذه الأدوار للنساء أيضاً. غير أن هؤلاء الفتيات على الرغم من الرغبة التي تغلي في دمائهم للمسـاواة مع الرجال، وعلى الرغـم مما يعتقدن ويقدرن قواهن، فإنهن فشلن في إثبات جدارتهن وصلاحيـاتهن لمثل هذه المسؤولية، وقد كشفت هذه اللقطات عن بعض هذه المثالب، فتاة تسقط وهي تحمل سُلم الإنقاذ  أو أنبوب الماء لتطفىء النيران.

إذن فإن قبول الفتيات في مثل هذه المدارس – بهدف رفع مستوى المرأة في المجتمع – كانلا بد أن يفرز نتيجة سلبية في حق المجتمع، وقد اضطرت هذه المـدارس إلى التخفيف من مستوى التدريب المطلوب، والتغاضي عن ضعف الفتيات الوظيفي “الفسيولوجي” والنفسي، من أجل منحهن حقاً موهوماً ؛ حق المساومة في أن تلج كل الميادين، وفي هذه الظروف تنعكس النتائج على سلامة المجتمع بأكمله، بحيث يصبح مستوى رجال ونسـاء المطافىء دون المقتضيـات التي تتطلبهـا مثل هذه المسؤولية ؛ فيتحول هذا الحل إلى تهديد ضد مصلحة المجتمع.. فالأجـدى إذن، رعاية لمصلحة المجتمع، الاعتراف  بعدم صلاحية النساء لمثل هذه المسئوليات من أجل المحافظة على مستوى الاستعدادات اللازمة لمجابهة النيران المشتعلة.

ومن هنا فإن مشكلة المرأة ستبقى قائمة ما بقينا ننظر إليها على أساس أنها عنصـر مستقل، ما لم نبحث عن حـل ينسجم وباقي الحلول الاجتماعية، ولبيـان هذا الأمر نقول : إن الكتب التي لم تتصور، ولم تصّور، المرأة على أساس أنها جزء من جوهر المجتمع تكون كمثل الذي يعالج  اليد وكأنها ليست عضواً من أعضاء كيان واحد، إن سلامة اليد – وإن كان لها بعض الحاجات الخاصة بها، كتقليم الأظفار أو غير ذلك من الحاجات – تعود إلى ممارسـات أسباب سلامة الجسد كله. فإن ضعف الجسد، أو ضعفت الصلة التي بينها وبين باقي الأعضاء، فإنها بدورها تهن وتضعف.

لهذا فإن أردنا أن تنتصر المرأة في المعركة ضد الشعور المحبط بعدم تحقيقها لذاتها، فإن علينا أن نجابه الوضع على أساس نظرة شمولية، أي على أساس أنه أزمة مجتمع وليس أزمة عنصر أو جنس دون الآخر، ومن ثم فإن عليـنا أن ندرك الجـانب الفكري والثقافي المتسلط على المجتمع عامة، ومن ثم متسلطاً عليها، وأن نعي ما أوضحه الشيخ “الغزالي” – رحمه الله – عندما قال : “إن التخلف النفسي والذهني لا تُصـاب به الأمم بغتة، وإنما يجيء بعد أمراض تطول، ولا تجـد من يُحسن مداواتها”، ولعل منالمهم أن نذكر هنا أن هذه العوامل – المسيطرة على المجتمع ومن ثم على المرأة – ليست منفصلة. ولكننا نفصلها لكي نبين أهميتها على حدة، وقد يحتاج بيـان هذه الأمور إلى تفصيل طويل، ولكن حسبنا أن نذكر هنا بعض المعالم المهمة التي جعلت المرأة تفقد ثقتها بنفسهـا ؛ الأمر الذي حـال بينها وبين شعورها بتحقيق ذاتها.

ونشير هنا إلى أن اهتمام هذه الدراسة بإبراز تدخل تلك العوامل التي جعلت المرأة تشعر بعدم تحقيق ذاتها لا يهدف إلى تحديد معاناة المرأة ؛ فإن أوجه القلق والتخبط الذي تعيشه المرأة كثيرة ومتعددة، ولكننا تناولناه على سبيل المثال فقط.

عوامل مؤثرة في البناء الفكري والثقافي للمجتمع

فما هي إذن هذه العوامل التي سيطرت على البناء الفكري والثقافي للمجتمع ؟.

> أولاً : الجهل

علينا أن نستوعب أن الجهل ألوان، جهل بمعناه السهل، وجهل مركب.

فأما الأول:فإن مكافحته والتغلب عليه أقلصعوبة من النوع الثاني ؛ لأن صاحبه يدرك هذا النقص الذي يحمله، أما الثاني: فإن صاحبه لا يدرك حقيقة وضعه ؛ إما لأنه يحمل أوهاماً يظنها علماً، أو أنه مصاب بآفة ” تكديس المعلومات ” أو ” غمر الدماغ “، أي أنه يحمل جرثومة تجعله عاجـزاً عن تحويل معلومـاته إلى برنامج تطبيقي، ومن ثم تؤدي به إلى مضاعفات أشد خطورة من عدم إمتلاك المعلومات. إنه باكتسابه لهذه المعلومات التي أُفرغت من فاعليتها  يصل إلى تناقض داخلي يفرز عدم ثقته بنفسه وبالعلم، فتسيطر عليه الأوهام التي تجعله أداة لخدمة أهوائه ومطية لغيره.

إن مثل هذا الجاهل يغيب عنه الفرق بين الجهل وحقيقة العلـم، فينسى أن العلم إنما هو من أجل الإذعـان بالعبودية لله، وتسخير الكون لأداء رسالة، وليس من أجل تحصيل ورقة أو شهادة يطبع منها نسخـاً كثيرة، بينما يربط صاحبها بالعلم خيط واهٍ ضعيف، ينقطع يوم  تنقطع صلته بالكلية، ومن ثم يخرج منه العلم دون أن يهضمه، فيتشبع به عقله، أو يتمثله سلوكه.

وهذا النوع من الجهل المركب هو الذي تسرب إلى المرأة، فهي تطمح إلى تحصيل شهادة يقدرها مجتمع لم يعد يعي مسئولياته. وكثيراً ما يشجع حركة لا تتقدم  به إلى الأمام، بل وكثيراً ما تسير به إلى الوراء.

فالفتاة اليوم كثيراً ما تجهل طبيعة أدوارها، ورسالتها في رعاية المجتـمع  فتخطط – إن خططت – لحياتها، دون مراعاة إمكانياتها وغاياتها، ولكن طبيعة الحياة ترفض هذا التحدي، فيصدمها الواقع بخسـائر حين لا تستطيع تحقيق أهداف كانت قد بنتها على أساس من الخيال والأوهام، ومن ثم تصـاب بخيبة أمل ترهقها بالشعور بعدم تحقيق ذاتها.

> ثانياً : الأفكار المستوردة

لن نبحث هنا فيما إذا كانت هذه الأفكار تصدَّر إلينا من خلال غزو فكري شديد  وبأساليب شتى من مسارب جلية أو خفية، أو أننا نحن بمحض إرادتنـا – المسيّرة في كثير من الأحيان – نختار أن نستعير أفكاراً من خارج إطارنا الفكري والثقـافي لنسد به فراغاً لا بد أن يملأه شيء ما.

ومن المؤسف أن الكثير من هذه الأفكار المستعارة لا يمكن أن تتعـايش أو تتفاعل إيجابياً مع باقي الأفكار السائدة، فينتج عن هذا خليط غير متجانس يحمل جاهليات وأمراض شعوب أخرى، تزيد رؤية الأمة والمرأة – التي هي محور دراستنا – غبشاً وضعفاً، ونشير هنا إلى أن فشل هذه الأفكار المستوردة قد يعود إلى أحد سببين : إما أنها أفكار لم تلق نجاحاً في أرضها، فتُوّج فشلها بإعلان موتها، واستبدال أفكار جديدة بها، غير أن غيابنـا عن ساحة الأفكـار حال بيننـا وبين حضور موكب جنازتها، فبقينا مفتونين بها، وإما أنها أفكار صالحة داخل أجوائها الأصلية، حيث تحظى بعلاقات تغذيها وتحميها، بينما تتحول إلى أفكار ميتة أو مُميتة في بنية جديدة تحرمها من تلك العلاقات الأساسية.

إذن.. فلكي تقوم الاستعـارة على أسـاسسليم لا بد أن تتم وفق منهج يحمي علاقات أساسية ثلاث، أي أن تكون هذه الفكرة المستعارة ذات ترابط إيجابي :

أولاً : مع باقي الأفكار التي تشكل الإطار الفكري والثقافي في هذه البيئة الجديدة، بحيث لا يكون هناك تعارض يؤدي إلى إنعدام فاعلية الفكرة أو تأثيرها تأثيراً مضاداً.

ثانياً : مع الأشياء التي تخدم هذه الفكرة، وتساعد على تحقيق نجاحها.

ثالثاً : مع الأشخاص، أي أنها تكون فكرة تخدم غايتهم، وتحترم قيمتهم.

وعلى سبيل المثال : نذكر أن المرأة المسلمة عندما استعارت من المرأة الغربية زيها الذي يُبدي العورة – بدل أن يبدي إنسانيتها – قامت باستعارة مشئومة تتحدى هذه العلاقات الأساسية الثلاث. وهذا الزي إنما يخدم غايات العـالم الغربي الذي يبحث عن المتعة الآنية، والذي يعاني من أنانية جعلت المرأة تطرق باب رزقهـا، مستعينة على ذلك بمفاتنهـا، وفي المقـابل فإن هذا الزي يشكل خطـراً على الامتيازات التي تتمتع بها المرأة، داخل الأسرة وفي المجتمع الإسلامي، الذي زاده هذا الزي تدهوراً وانحلالاً.

ومن ثم فإن الاستعارات التلقائية التي لا تقوم على أساس من التخطيط والدراسة والبحث السابق تشكل خطراً يهدد الأفراد بالقلق، والأمة بالتقاعس، إن هـذه الحقيقة، مهما كانت واضحة، فإنها لا تزال غائبة عن أذهان حبيـسة التبـعية، والمرأة وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكـار المستوردة – التي لا تحتوي لا الغايات ولا الوسائل – لن تجني سوى خسائر مادية ومعنوية، حينما تحاول تطبيق هذه الأفكار ؛ فيكون الفشل حليفها، فتشعر أنها لم تحقق ذاتها، بينما تجهل الواقع وهو أن الأفكار تحمل سبب فشلها.

> ثالثاً: المطالبة بالحقوق وإهمال المسؤوليات

إن الحديث عن الواجبات والحقوق أصبح قاسمـاً مشتركاً بين المرأة والرجـل، فكلاهما يحفظ مجموعة شعارات تستهويه بكلمات رنانة، وتعده بأمنيات بعيدة عن الواقع.

والحقوق في الحقيقة ليست إلا ثمـرات تأتي نتيجة حتمية لأداء الواجبات، وهذه العلاقة هي التي أوضحها الله عز وجل في كتابه الكـريم : {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنـهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليُمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً}(النور:55)،

و ({يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم وإياي فارهبون}(البقرة:40).

ومن هاتين الآيتين وغيرهما يبدو جلياً أن الله أمر الناس بتكاليف إن صدقوا فيهـا تكفل الله لهم بها حقهم.

وهذا أيضاً ما يقوله “ابن عطاء الله السكندري” في العـلاقة التي تربط بين الواجب والحق: “اجتهادك فيما لك، وتقصيرك فيما طُلب منك دليل على انطماس البصيرة منك”، أي أن انشغال الإنسان بحقوقه عن واجباته لن يثمر أبداً، وتلك هي سنة الله في عباده.

وهكذا كان مبدأ الأنبياء، وهكذا كان مبدأ سيدنا “محمد”  الذي بشّر أصحابه بالجنة إن أدوا واجباتهم وأخلصوا فيها، ومن المؤسف أن منطق العصر قلب هذا المفهوم، وأذاب مبدأ الواجبات، بينما أقر مبدأ السهولة  مبدأ المطالبة بالحقوق.

ولعل من هذا القبيل منطق الانتخابات الذي يعتمد نجاح المرشحين فيها على وعود قلما تتحول إلى واقع، وفي ظل هذا المنطق أيضـاً ظهرت في العـالم وفي البـلاد الإسلامية “الحركات النسائيـة” التي تزعم السـعي لتحرير المرأة، والتي استهوت المرأة، وسلكت بها سبيل الأماني، فأغرتها بحقوق موهومة، وأنستها واجباً أساسياً ألا وهو ممارسة حرية الإرادة والقرار ممارسة سليمة، تراعي مصالحها ضمن مجتمع بأكمله، وتضمن لها الطمأنينة التي تخلصها من القلق.

ومما يشهد على ما نقوله أن المرأة حين خاضت غمار هذا المنطق الأعوج، وآمنت به، خسرت أكثر مما ربحت، ووقعت في الاضطراب، مثلها في ذلك كمثل قرينتهافي الغرب، التي تطالب بأن تعامل في ساحة العمـل على أساس كفـاءتها لا على أساس أنوثتها، وأن تُمنح مقابل عملها ما يُمنح الرجل.

ومن الثابت أنها لن تنال هذا الحق كاملاً  إلا إذا انتقص منها في مجـال آخر، ما دامت تُبدي مفاتنها، وما دامت لم تقم بواجبها، فتصلح من حالها، وتخرج ضمن حدود زي يجعل العامل إلى جانبها يراها على ضوء ما تقدمه من خدمات، لا على أساس ما تعرضه من زينتها ومفاتنها.

إن الواجبات والحقوق سلسـلة متواصلة، فمسئولية الزوج هي حـق الزوجة، ومسئولية الزوجة هي حق الزوج، وهذه السلسلة هي التي تمكّن من بُنيان مجتمع راسخ، على أيدي أفراد يوازنون بين الواجبات والحقوق.

وما دامت المرأة تسلك طريق المطالبة بالحقوق، فإن خسائرها ستتفاقم، حتى إنها ربما أضاعت ما تتمتع به من امتيازات ؛ فزادها ذلك شعوراً بالقهر والانكسـار وبعدم تحقيق ذاتها.

> رابعاً: السيطرة المادية على النفوس

من المؤسف أن الثقافة في اتجاهها إلى العالمية – أو نحو ما أطلق عليه “القرية العالمية” – أصبحت ثقافة يطغى عليها طابع الغرب الغالب، فكما يقول ” ابن خلدون ” :

” المغلوب يتبع الغالب “، ولقد سيطر على واقع العالم اليوم المذهب المادي الذي يسعى لتحقيق المتعة الآنية، ولإمتلاك الرفاهية.

والغرب اليوم – بإنصراف المسلمين عن ساحة الأحداث التاريخية – أصبح يدعم هذه الثقافة، ثقافة اللذة والرفاهية، بكل ما لديه من وسائل دعائية، من إعلام ومجلات وأفلام ومغنين ومغنيات.. وغير ذلك، فقد غيرت هذه الثقافة المرجعية من مرجعية قيم أخلاقية، إلى مرجعية استهلاكية، حتى أن الفرد – نفسه – تحوّل – ضمن هذه الثقافة – إلى سلعة استهـلاكية، فلم  يعد الكون يسخَّر لخدمة الإنسان، وإنما الإنسان يسخَّر لخدمة الماديـة التي تقوم على المنفعة والرغبـات النفسية. لم يعد الفرد يقاس بما لديه من قيم، وما يتماثل من سلوك، أي أنه لا يقاس وفق مبدأ {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات:13)، بل أصبح يتصور واقعه وقيمته وفق ما يمتلك أو يستهلك من منتوجات.

وقد أفرزت هذه الرؤية المادية – القائمة على أساس المنفعة – عواقب خطيرة أهمها بالنسبة لموضوعنا تغيير مفهوم العمل. إن كلمة “عمل” – بمفهومها اليسير – تعني أن يسلط الإنسان جهداً للقيام بنشاط ما، ولكي ندرك هذا التعريف وعلاقتـه بموضوعنا، علينا أن نحلل العناصر التي يجب أن تتوافر من أجل القيام بعمل ما، إيجابياً كان أم سلبياً :

أولاً : الإنسان الذي سيقوم بالجهد.

ثانياً : الأداة التي يستخدمها من أجل تحقيق نشاطه.

ثالثاً: الخبرات والمعارف التي ستساعد في تحقيق النشاط، أي الطريقة لتحقيق العمل

رابعاً : المبرر والدافع للقيام بالعمل.

فإن اختفى واحد من العناصر الثلاثة الأولى أصبح العمل مستحيلاً، وإن انعدم المبرر، أو نقص، أصبح العمل عبثاً.

والمرأة اليوم – بسبب الغزو الثقافي – تعاني من نقص العنصر الرابع، الذي هـو المبرر ؛ وذلك لأنها تعيش ثقـافة مادية طغت على العقائد والأخـلاق ؛ فأحالت العمل إلى مفهوم ضيق المساحة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائد المادي، بعد أن كان مفهوماً واسعاً، أي كما ورد في القرآن الكريم: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة}(التوبة: 105 ).

فبعد أن كان الفرد يبحث عن عمل صالح يجمع بين بُعدين، البعد الأُخروي الذي يمنحه المبرر، ويرسي له دعائم التوازن، والبعد الاجتماعي، أصبح اليوم لا يبحث إلا عن عمل يضمن له بعـداً فردياً مادياً، إن لم يحصل عليه وقع في الاضطراب، وأرهقه شعور الفشل وعدم تحقيق الذات.

وهذا ما يلخص شعور المرأة، خاصة إذا لم تساهم في الدخل المادي للعائلة بسبب طبيعة مسئولياتها الأخرى كأم وزوجة معطاء.

وأخيراً فقد أردنا منخـلال هذا البحث أن نرد موضـوع المـرأة إلى أبعـاده الاجتماعية الصحيحة، وربما كان هذا  الجهد خطوة في اتجاه الحل السليم، كما أردنا أن لا ينُظر إلى المرأة على أساس من التبرئة والإتهام ؛ فالواقع يصرخ بأن كل فرد من أفراد المجتمع يحمل بعض المسئولية فيما نعيشه اليوم. فلا شك أن الأفراد يؤثرون في الثقافة، كما أن الثقافة تؤثر في تكوين الأفراد.

والمرأة – لأهميتها وخطورتها الاجتماعية – أصبحت تشغل مساحة كبيرة من اهتمام أولئك الذين يخططون لتوجيه أمة بأكملهـا، بقصد تسخيرها لخدمة مصالحهم،  وهذا لا يعني أن ننغلق على أنفسنا، وأن نحرم أنفسنا من تجارب الآخرين “الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها”، بل أن ننظم العلاقات التي تربطنـا بالتجارب الأخرى.

وواضح أن هذا لن يتحقق إلا بإعادة تنظيم طاقة المسلم وتوجيهها، وذلك بإعادة قراءة القرآن، أي قراءة سنن الله في الكتاب، وقراءة ممارسة البشر لهذه السنن، ومن ثم بإعادة تحديد دور المسلم ورسـالته، فإن أدركنا هذه الحقـائق نكون قد أدركنا معنى قول الإمام مالك رحمه الله حين قال: “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”.

> من مجلة (المنار الجديد)

رحمة مالك بن نبي كريمة المفكر الإسلامي الراحل الأستاذ مالك بن نبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *