الـمشروع الـمجتمعـي الحداثـي بين ثقافة الاحتلال وتربية الانحلال


ليس المشروع المجتمعي قرارا سياسيا يتجاوز القواعد والسنن الاجتماعية، وليس البديل الحداثي انقلابا نخبويًا يتجاهل خطابه الديمقراطي الحقوقي. لهذا فالحديث عن المشروع المجتمعي الحداثي بالمغرب هو تهريب بعيد عن الحقيقة واغتصاب لهوية المجتمع وحقيقة نظامه الاجتماعي والثقافي لم نجد صفة للثقافة التي تحملها هذه المغامرة إلا صفة ثقافة الاحتلال ولم نجد صيرورة تخترق النسيج التربوي للمجتمع إلا صيرورة تربية الانحلال.

فالاحتلال كان ولا زال هو الخطر الخارجي الذي يهدد المجتمع وسيادته وهو له ثقافته داخل المجتمع والسياسة الدولية. والانحلال كان ولا زال الخطر الداخلي الذي ينخر النظام الأخلاقي للمجتمع وهو كذلك لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية هامشية بل أصبح مخططا تربويا (لا تربويا) انحلاليا أي إيديولوجيا انحلالية لها نخبتها وسلطتها ومؤسستها وإعلامها.

إنهما الخطران الأساسيان اللذان يهددان المجتمع المغربي، وهما الورشان الكبيران لكل تنمية حقيقية قصدية تستهدف خطر التجزئة والتبعية من جهة والفوضى والإباحية والتفكك الأسري من جهة أخرى.

تربية الانحلال

إن الأصل في كل مشروع يدعي بناء مجتمع جديد أن يكون له موقف واضح من مسألة الانحلال وتمظهراتها الاجتماعية،  لأن المرحلة مرحلة تأسيس وإصلاح، والانحلال هو مظهر من مظاهر سخف المجتمع وشيخوخته، ولأن المشروع المجتمعي يعني الالتفاف حول قيم سامية جماعية مقدمة، والانحلال فردانية وسلوكات حيوانية تتجاهل تماسك المجتمع، ولأن بناء المجتمع يتمحور على تأسيس القوانين والنظم والتشدد في احترامها، والانحلال هو تحلل من كل القوانين والضوابط والمبادئ بدعوى فك القيود والتحرر والاستقلالية!!.

إذن فالحديث عن مشكلة الانحلال التي تهدد استمرارية المجتمع وتنقض دعوى مشروعمجتمع حداثي ديمقراطي جديد، لا يقف عند المقابل الأخلاقي الأساسي (أخلاق الحياء والصدق والتدين…) رغم أهميتها، بل هو حديث أيضا عن انحلال يتحلل من قيم الحق والقانون والمواطنة والقوة والتنمية والعمل والعلم وغيرها. ذلك أن تيار الانحلال يقترح على المجتمع أو نقول يفرض عليه مواطنا تنقصه الكثير من المهارات وتكبله العديد من الغرائز والدوافع الذاتية وتهدده أمراض خطيرة كالمخدرات والأمراض الجنسية، فهذا المواطن الحداثي العلماني بانحلاله عن القيم والمشترك من الناحية النفعية والعلمية والتنموية هو أقل استعدادا من المواطن المتدين الذي يتمتع بعقلية جماعية وسلوك طاهر ومناعة ضد أمراض التفكك الأسري والمخدرات والجنس وهدر الوقت و”مرض القلب”، إضافة إلى أنه يتمتع بنفس المهارات العلمية والعملية التي يختفي وراءها “المحارب” العلماني الحداثي.

إن قيم الحداثة والعلمانية هي في أصلها قيم انحلالية -بهذا المفهوم- بالرجوع إلى أصولها الغربية المؤسسة على الجسد والقوة والفرد والرفاهية، والحديث عن التحرر والحرية والموضة والمساواة والعقلنة هو الغطاء الذي تختبئ وراءه  هذه الحقيقة، وهي بالتالي تحمل بداخلها بذرة تفككها وشيخوختها وموتها.

من جهة ثانية إن هذه الانحلالية العلمانية الحداثية تلتقي بشكل موضوعي مع انحلالية أخرى ذات طابع انحرافي هامشي ازداد ظهورها وهيمنتها بفعل التضليل الإعلامي وبفعل الطروحات التجارية والسياحية وهي تسير ملازمة لكل دعوى  حداثية علمانية تختبئ وراء خطاب التحرر والحرية والعصرنة، في حين كثير منها يصدر عن الهامش المجتمعي ويتغذى من العادات والتقاليد البدائية ومخلفات الحقبة الاستعمارية.

فأصبحنا لا نفرق بين لباس الملاهي ولباس الملتقيات الحداثية، وأصبحنا لا نفرق بين مطالب “المحاربة” النسوانية ورغبات الغانية الأمية، كما أصبح هذا التيار الحداثي يتبنى قضايا هامشية لا علاقة لها بالحداثة ويدخلها في مشاريعه للمجتمع الحداثي. فمثلا  ما علاقة المجتمع الحداثي بالدفاع وتبني ظاهرة عباد الشيطان!! إلا علاقة انحلالية حداثية بانحلالية حرفية، وفي المقابل كيف يمكن لخطة تدعي حقوق المرأة من منظور حداثي أن تكون مدخلا لتشجيع الانحراف والبغاء والتفكك الأسري وغيرها.

ومن جهة ثالثة, يفتقد المشروع الحداثي العلماني كل أهلية لتنمية مشروع مجتمعي حقيقي عندما يجعل نفسه خصما لكل دعاوى الأخلاق والتدين والصفاء العقلي الروحي. فلماذا هذه الحملة على ” التطهر” والتدين والفقهاء وأصحاب مشاريع الإصلاح الإسلامية , إنها النزعة الانحلالية التي ترفض هذا التطهر وهذا الصفاء والذي بدونه لا يمكنها أن تدعي بناء مجتمع أو تجديده.

لماذا هذا التضخيم لخرافة ” زوجتك نفسي” وربطها بالدين والتدين وتجريمها رغم أنها سلوك حر تحرري كما يريد دعاة العلمانية والحداثة مهما كان الدافع !!! إنها تهافت العقلانية الحداثية العلمانية وخرافة دعوى مجتمعها الحداثي العلماني.

وأخيرا من جهة رابعة، ما علاقة المشروع الحداثي العلماني بمهرجانات البداوة والتقليدانية والرموز الخرافية التي يحرص دعاة الثقافة على إغراق المغرب فيها سواء تعلق الأمر بمهرجان موازين وطقوسه البدائية ومهرجان العيطة أو غيرها من الأشكال الخرافية لمشروع دعاة الحداثة!!!

إن مطلبيْ السيادة (ضد ثقافة الاحتلال) والأخلاق (ضد تربية الانحلال) هما الأساس لكل تجديد مجتمعي وإصلاح ثقافي تربوي يحتاج إليه المغرب في زمنه الراهن، مهما كانت الإيديولوجيا التي وراءه أو خلفه.؟ أما ما عدا هذا فالواقع والتحليل يؤكد أنه ابتعاد عن التنمية وتعطيل للإصلاح وجريمة في حق وطن يحاول النهوض وكسب الحسنيين اليقظة والنبوغ.

ذ.مصطفى شعايب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *