الظلم خرابُ الأمم وسقوط الحضارات


إن العدل أساس العمران وروح الحضارات وسر بقائها، فإذا انتشر الظلم فذلك موذن بسقوط الأمم الظالمة والحضارات الجائرة.

وقد ألف المسلمون كتبا كثيرة جمعت بين دفاتها نصوصاً من القرآن والسنة وقصصا وحكايات من تراثهم وتراث الأمم السابقة، تتحدث عن آثار العدل وعواقب الظلم أرادوا بها تنبيه الغافلين من الحكام وتهديد الظالمين منهم وتسلية المظلومين وإنعاش آمالهم في نيل حقوقهم في الدنيا أو الآخرة أو هما معاً ومواساتهم بما ينتظر الظالمين من عواقب وخيمة ومصائر حزينة. وحكايات الظلم والظلمة والمظلومين كثيرة تنطلق مما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة صحيحها وضعيفها وموضوعها، ومما ورد في تراث الصحابة والتابعين وتابعيهم والعلماء العارفين بالله الزاهدين في الدنيا والجاه من مواقف مشرِّفة من الظلم والظلمة ومن نصرة المظلومين..

ومن جميل ماورد في الموضوع قولُ مسلم بن بشار لرجل سمعه يدعو على من ظلمه : “كِلِ الظّالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك”  ويقال : “مَنْ طال عُدوانه زَال سُلطانُه”، وقال علي بن أبي طالب ] : “يومٌ المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم”.

ويقول أبو ثور بن يزيد : “الحجزُ في البُنيان من غير حًلِّهِ عُربونٌ على خَرابه..” وهناك قصص وحكايات كثيرة في تراث المسلمين باللغة العربية واللغات الاسلامية الأخرى.. ولكن ما لنا وللماضي وقد مثُلَ الحاضر أمامنا وشاهدنا نحن أبناءَ القرنِ الماضي والقرن الحالي الذي نحن الآن في بداية رُبْعًه الثاني (1426) شاهدنا أخيراً سقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان قائما على الظلم، وقبله سقوط ألمانيا النازية وقد كان هتلر يبعث الرعب في العالم، وانهزامَ فرنسا وغيرها من الدول على يد ألمانيا الهتلرية، وانزواءَ انكلترا التي كانت امبراطوريتُها لا تغيب عنهاالشمس، وأين عبد الناصر وصدام والأسد وبومدين، وأين فرانكو وهيلاسيلاسي، وأين العساكر والزبانية العظام الذين كانوا يذلون شعوبهم ويكذبون عليهم بأنهم سيحررونهم من الهيمنة الاستعمارية ومن الفقر والذل والهوان والظلم، فإذا بحكمهم المطلق يذيقهم من ذلك أضعافاً مضاعفة حتى أصبح الابن عيناً على أبيه، والأخ جاسوساً على أخيه مثلما نرى في فلسطين، حيث يتجسس ضعاف النفوس وموتى الضمير على إخوانهم من المجاهدين المقاومين مثلما وقع أمس فقط لرئيس الشيشان مسخادوف رحمه الله.

أما في المغرب فقد رأينا جبابرة الأمس يصبحون بين عشية وضحاها نعاجاً جرباء يتحاماهم أشد الناس كان ولاءً لهم وخادما لاعتابهم وملبيا أوامرهم وآكلا من حَلْوائهم، ولو ألف بعضنا في هؤلاء الظلمة قصصاً وحكايات لكانت من أمتع القصص وأروع الحكايات وأنفس الآداب.. وقد أهداني أخي الحبيب المؤرخ الكبير اللواء الركن محمود شِيت خطاب قبل موته بأربع سنوات كتابين صغيرين في موضوع “قصص الظلم” بعوان “عدالة السماء” التي شاهد الكثير منها بنفسه وسمع بعضها بأذنه وكلها تتوقع سقوط نظام صدام الظالم بإشارات وكنايات وكانت نصائح يقدمها هذا الرجل مثل كتاب كليلة ودمنة لطاغية العراق الذي كان لا يقبل نصيحة، ولا يحب الناصحين مثل طغاتنا كلهم الذين يرون مصيرهم وهم مايزالون يؤذون المسلمين.

وبعد،

فإن الله يمهل الظالم حتى إذا حلت عقوبته أخذه أخذ عزيز مقتدر.. {ولا تَحْسًبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون}(الحجر : 42).

وقد وعد الله بالانتقام من الظالم في الدنيا قبل الآخرة لذلك فإن غطرسة بعض الدول مثل حكام أمريكا أو بعض الجبابرة الطغاة المستكبرين على شعوبهم الضعيفة سيكون مآلهم قريبا مثل عواقب أسلافهم المجرمين. ومن المضحك أن ترى أقواما كانوا بالأمس يُنادون بالعدل والانصاف حتى إذا تولوا كانوا أشد الناس ظلماً وأبشعهمفتكا وأسرعهم جوراً وأذلهم طاعة لأسيادهم وعبيدا لأسيادهم في تنفيذ أوامرهم لإيذاء إخوانهم والفتك بهم.

فيا أيتها الشعوب المظلومة والجماهير المقهورة والأمم المقموعة ثقوا في عدالة السماء، وأكثروا من الدعاء  والتضرع إلى ناصر المظلومين وماحق الظالمين فإن الله ينصر المظلوم ولو بعد حين وينزل غضبه ونقمته بالظالمين و لو كانوا في بروج مشيدة.

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *