إسلام بوعزة ونظرية الذلقراطية الجديدة 


1-  الثالوث المحرم

على نحو مفاجئ وفي إيقاع متسارع الأحداث، مذهل اللوحات انفرط عقد الثالوث المقدس في العالم العربي الإسلامي : (الجنس، السياسة، الدين).

وما كان يدخل في باب المحرم والممنوع، يشهد الآن ثورة عارمة مع مطلع الألفية الثالثة، تذكر بموجة تسونامي التي على حين غرة، هزمت اللذات وفرقت الجماعات. وباستثناء (الـدين) الذي يظل حتى إشعار آخر، محاصرا ورهين الإقامة الإجبارية والحراسة النظرية إلى ما لانهاية!!، فإن الثنائي الآخر أي الجنس والسياسة، عرفا انقلابات هائلة، انكسرت معها كل سلاسل الحياء التي ظلت تطوقهما لعقود طويلة، فانطلقا كالوحش الكاسر غير آبهين  بالأضواء الحمراء التي قد تحد من عربدتهما. وتولدت عن هذه الليبرالية المشبوهة، قيم ممسوخة قوامها الميوعة والتنكر لكل الأعراف والقيم النظيفة، ولخص الأمر على أنه انتصار للحرية وكـفـى!!.

وإذا كان التسيب الجنسي أفضح وأبشع من أن نتوقف عنده، فالبشاعة في المربع السياسي ليست بأقل إثارة وقذارة، فقد تَتَبَّعْنا بذهول وتيرة الانقضاض على الزاوية الثانية من الثالوث المدنس : (السياسة)، حيث شهدنا في مختلف أرجاء العالم العربي الإسلامي، انتفاضات اتخذت شكل معارضات، منظمة في خرائط، ومبعثرة في خرائط أخرى من نفس العالم!، وشعارها الموحد، تحديث النظام السياسي وتفكيك الأنظمة المغلقة، والدعوة إلى الإصلاح والدمقرطة والانفتاح الخ  الخ..

وقد أربكت العديد من هذه الانتفاضات أنظمة بلدانها بل أحدثت زلزالا قويا بأسلوب تعاملها الجديد مع المقدس التقليدي : السياسة

وهكذا،  شاهدنا كيف تقوت جرأة الخطاب السياسي المعارض، وازدادت جرعته بكل من السعودية والكويت والبحرين وإيران ومصر، برفع شعار في هذه الأخيرة تحت عنوان : “كفاية تمديد، كفاية توريث!!!..”.

وفي المغرب لازال العفريت يتململ في القمقم بروية أحيانا، وبعجلة وقحة الإيقاع أحيانا أخرى، بدءا بفتح ملفات الماضي وفصول التعذيب اللصيقة به، ووصولا إلى مناوشة المقدس السياسي من خلال التفاصيل الملحقة بإمارة المؤمنين (أجرة الملك، التدبير المالي للقصور، تقبيل اليد، مستشارو الملك .. وبمناوشة مصطلح إمارة المؤمنين نفسه، بالدعوة المراوغة حينا والواضحة حينا آخر إلى العلمانية، ناهيك عن الشعارات الأخرى الإنتقائية كالحرية وحقوق الإنسان..)

وبغير كبير عناء، سيلاحظ المتتبع كيف تتناغم هذه المطالب المرفوعة الآن في العالم العربي مع الخطاب الأمريكي، والنموذج اللبناني رائد في هذا المجال، فقد ظلت المعارضة كامنة في محارتها فلا تطل منها إلا على استحياء لِهَرْش الرئيس اللبناني إميل لحود وبطانته، حتى إذا اغتيل المرحوم رفيق الحريري بتلك الطريقة العدوانية العالية المهارة في تطور تقنيات التفجير، هبت المعارضة من تربصها، وعلى شاكلة المعارضة في أوكرانيا التي كانت تتلفع بالمناديل البرتقالية، تلفعت المعارضة اللبنانية بالوشاحات، الوطنية الألوان، وقلبت الطاولة بما فيها، ودعت كالمعارضات العربية الأخرى إلى إصلاح النظام السياسي، بل دعمت جرعة المعارضة بالاعتصام في الشارع والركوب الذكي  للموجة الأمريكية، برفع شعار الحرية والديمقراطية، متناغمة عن قصد أو غير قصد، مع الاستهداف الأمريكي لسوريا والنظام اللبناني الموالي لها.

وفي الجانب الآخر من الصورة، وكما لوكانت مجرد صدف تتقاطع ! انطلقت الحملة الديماغوجية الجديدة للإدارة الأمريكية تحت عنوان : محاربة الطغيان ونشر الحرية !!..

2- إرهاب الحرية وحرية الإرهاب

يقرفني أن أتوقف عند مجموعة الخطابات التي ألقاها الرئيس الأمريكي أو وزيرة خارجيته خلال جولاتهما الأوروبية المطبوعة كالعادة بنفس العجرفة ونغمة الإستكبار في الأرض بغير الحق.

فشعار دعم حركة المجتمع المدني في العالم العربي الإسلامي، والدفع بقاطرة الحرية والديمقراطية التي ركزت عليها هذه الخطابات،تبقى انتقائية وانتهازية بشكل مقيت، بتغييب العامل الإسلامي، وحبس رموزه وجماهيره في خانة الإرهاب، وتنصيب الفخاخ لأهله في كل تحركاتهم أكانت سياسية أو ثقافية أو دينية، كلما زاغت عن دائرة الأمركة، الشيء الذي يتنافى على طول الخط مع مفهوم الحرية.

وتبقى السمة البارزة لإرهاب الحرية هذا على الطريقة الأمريكية، أنه ابتدع نهجا جديدا للهيمنة على مصائر وثروات العالم العربي الإسلامي تحت عنوان : الإصلاح من الداخل عوض فرضه من الخارج!!، وهو نهج خطير جدا يعتمد تسخين الأجواء من الداخل عن بُعْدٍ، فإذا تعثر مفعول التسخين الداخلي،وبقيت الحرارة دون المستوى المطلوب، أماطت الإدارة الأمريكية القناع وعادت حليـمة إلى عادتها القديمة، وهو ما تجمله الحالة اللبنانية، حيث خفت إيقاع المعارضة اللبنانية بعد التضاهرة المليونية للشعب اللبناني والتي رفضت جملة وتفصيلا الحشرية الأمريكية، فانتقل الخطاب الأمريكي من ديبلوماسية الترغيب إلى ديبلوماسية الترهيب، حيث حمل مبعوث كوفي عنان بل مبعوث الإدارة الأمريكية [ تيري لارسن ] تعليمات صارمة إلى سوريا بالمغادرة (الفورية) للبنان، وللبنان بمباشرة الإصلاح (فور)، وهو إصلاح لا يعني في الإدارة الأمريكية إلا شيئا واحدا، نزع سلاح حزب الله الإسلامي الهوى، ذلك الإسلام الذي لا يشبه البتة الإسلام الذي تروج له أمريكا وتدعو إلى مد جسور الحوار إلى أهله!!!..

3- إســلام بــوعــزة

في خطاب وصف بالطويل جدا، توقف رئيس وزراء الكيان الصهيوني لمدة طويلة أمام خطر الأصولية الإسلامية في اجتماع شرم الشيخ الأخير، وعلى نفس الإيقاع وفي نفس الفترة كانت كوندوليزا رايس تندد بإرهاب المقاومة الفلسطينية واللبنانية في جولاتها، وتدعو إلى محاربة أفكار الشر من الداخل موجهة خطابها إلى النخب العلمانية في البلدان العربية، في أفق تطويق الإسلام المقاوم لمشاريع الهيمنة، وإنجاح تجربة إسلام (بوعزة). الإسلام الذي يمكن بلهجة مغربية شعبية وصفه بأنه (إسلام  ما مسوقش!! إسلام رْجَلْ هْنَا ورْجَلْ لهيه)!!.. وعن إسلام بوعزة هذا تقول الحكاية أن رجلا أوربيا أحب امرأة  مسلمة، فذهب لخطبتها فاشترط عليه أهلها أن يعتنق الإسلام فسألهم عن تفاصيل هذا الاعتناق فأجابوه بأن عليه أن ينطق بالشهادتين ويصلي ويصوم ويزكي، ولا يتناول كحولا الخ..فرفض الرجل ورد عليهم بأنه لا يريد إسلامهم بل يريد إسلام (بوعزة) وبوعزة هذا، هو أحد أصدقائه المسلمين الذي كان يرافقه في اقتراف  ممنوعات الأسرة  المسلمة!!!..

وهذا هو الإسلام الذي يراد للشعوب العربية الإسلامية أن تتبناه لتنعم بالحرية الموجهة وبالذلقراطية، تنعُّم البهائم بالحشائشوالكلأ..أما إسلام محمد عليه السلام  فهو الإرهاب بعينه..( فشْكُون يقدر يقول للسبع فمك خانـز ) !..وحده الإسلام، قـادر.

ذة.فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *