من وحي القابض على التراث


في خضم واقع يعج بالإحباطات والصدمات المتكررة، حيث يحلو للشيطان أن يجري في أوردتنا،  تنتابني كثيرا من التساؤلات النابعة من ذلك الفضاء المشحون، عن جدوى الكلمة، ومدى تأثيرها في النفوس والأرواح والعقول، وعن مدى فاعليتها في التغيير والنهضة . متناسية “اقرأ” التي هزت العالم، وغيرت معالمه، وارتقت بالإنسانية إلى مدرّجها الحقيقي. لكني والحمد لله سرعان ما أسترجع قوة قوله تعالى في نفسي : {مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أُكلها  كل حين بإذن ربها، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثَّت من فوق الأرض مالها من قرار}. فالشجرة الطيبة منافعها كثيرة، وهي تعطي ثمارها حينا بعد حين، لا تفتر عن العطاء مهما انقضى الزمن أو تبدل. وتحضرني بشدة هذه الآية الكريمة ودلالاتها كلما سمعت خبر وفاة أحد الكتاب من العلماء والأدباء، لأعيش لحظات ربانية في ظلال وارفة من اليقين والصبر، والتيقن من أن موعد الثمرة الطيبة بيد الله تعالى وحده، وأنه ليس علينا سوى العمل المؤدي إلى نضج تلك الثمرة فقط. وقد انتابتني كل هذه المشاعر وأنا أسمع نبأ وفاة أحد كبار شعراء العربية في العصر الحديث المرحوم محمد الحلوي، عن عمر عاش فيه مختلف التقلبات السياسية والاجتماعية والثقافية، وطنيا وعربيا وعالميا. وظل  يقاوم بما آمن به، وامتلكه من مقومات القصيدة العربية المتأصلة في جذورها التراثية. وترك مجموعة كبيرة من القصائد، تتفاوت في قيمتها الفنية والجمالية، وتتوحد في رؤيتها الوطنية الصافية، وإخلاصها دون ضجيج، لكل القضايا العربية والإسلامية والإنسانية، وبخاصة قضية اللغة العربية التي آمن أنها ليست مجرد حروف وكلمات وجمل تتخاطب بها مجموعة من الناس، وإنما هي قضية فكر وثقافة ووحدة.  رحل عن الحياة الفانية ليجني ثمار ما خط قلمه في الحياة الدائمة، وليذوق طعمها خيرا إن شاء الله تعالى، كلما قرأ قارئ كلمة من كلماته، وتركت ولو مثقال ذرة من تأثير في نفسه يدفعه نحو الجمال والجلال والكمال والسلام. رحل بعد أن ترك بصمة واضحة في جبين التاريخ الأدبي العربي، بعد معاناة طويلة مع هذا الواقع المرير الذي يعيشه الإنسان العربي، متحديا مزالق النسيان وآفات التهميش.

وفي الحقيقة كنا نفكر في تكريم الرجل رحمه الله وإشهاده على مكانته في قلوبنا، وتحميله شهاداتنا أمام الله بتأديته لأمانة الكلمة الطيبة، وإخلاصه لها. فقد اتفقت مع الأخ الفاضل د.محمد الحافظ الروسي بعد استشارته مع أستاذي العزيز د.حسن الأمراني  في ساحة دار القرآن العامرة بتطوان في الصيف الماضي على  تكريم الشاعر محمد الحلوي، وتركنا الموعد مفتوحا حتى تحين الفرصة المناسبة، لكن يشاء الله تعالى ألا نستطيع تحديده  لظروف لا مجال لشرحها، إلى أن تلقينا نبأ وفاته. رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته مع الأبرار والصالحين، وحسن أولئك رفيقا . وإ{نا لله وإنا إليه راجعون}..

دة.أم سلمى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *