مابين اللعبة الديموقراطية والتلاعب بالديموقراطية


عشت في الشرق وشاهدت ديموقراطية سوريا ولبنان ومصر في أول انتخاب لها سنة 1957، ومن ثمة والديموقراطية العربية تتواصل وتتسلسل، ولا يختلف اثنان أن الدافع للتسابق  في حماس إلى اتخاذ “الديموقراطية” أسلوبا للحكم في بلاد التخلف والانحطاط هو استجابة للخارج، قبل كل شيء، وقد سمحت بعض هذه الديموقراطيات لتعدد الأحزاب لكنها أحزاب الأنابيب، مستنسخة ومتمسخة، زيادة على أن البعض لم يكن يسمح إلا بالحزب الوحيد،  والتصفيق للزعيم الأوحد والرئيس الذي يتكرر انتخابه في شكل ديموقراطي، بنسبة 99,99%.

وقد مر أكثر من نصف قرن  والعالم العربي ينتخب ويرفع لافتات الديموقراطية والجماهيرية والشعبية وغيرها من الشعارات بعدما اختفت لافتة الاشتراكية، التي كانت قد سادت سيادة ساحقة.

ومنذ عقدين أو  ثلاثة  صار الكبار يطالبون الصغار بوجوب مراعاة حقوق الإنسان وبالديموقراطية إلى أن بدأت تنصب المحاكم لمن انتهك هذه  الحقوق، ولكن سرعان ما وقعت الانتكاسة الكبرى بعد 11/9 فداس الكبار حقوق الإنسان وانقضوا على المسلمين كل بأسلوبه يفتكون بهم ويمسخون خصوصيتهم الدينية ويمسحون هويتهم الثقافية ويزجون بالأبرياء في السجون، وانطلقت التهم بالإرهاب تنصب على من يساعد الفلسطنيين وعلى من يدافع عن عرضه وبلده ودينه وشرفه ، فإذا بديموقراطية المتخلفين تجد لها متنفسا وتجاوبا مع الجبابرة الكبار، وإذا بها تزدهر ازدهارا كبيرا لأنها تحقق ما تبتغيه الطاغوتية المهيمنة على إنسان هذا العصر… حتى أن بعض الانتخابات التي كانت أقرب إلى اللعبة الديموقراطية، أخمدت أنفاسها وأجهضت جنينها وفُعِلَ بالمشاركين الجادين السذج الأفاعيل، وهكذا يتبين بكل وضوح أن عالم التخلف لم يحم قط حول” لعبة الديموقراطية”والجماهير يتلاعب بها ويعبث بلعبتها.

ولو وفر هذا العالم الأموال الطائلة التي بذرها في هذا التلاعب لما احتاج إلى الاقتراض من الخارج، ولما رهن بلده للدائنين المرابين…

إن للعالم المتخلف تجربة كبيرة وعظيمة في التلاعب بالديموقراطية، هذا التلاعب يشترك فيه اليمين واليسار والوسط، وهكذا يتكرر عرض مسرحية خسينطو بينا بينطي”المصالح المنشأة” أو “رابطة المصالح” التي فضح فيها عناصر النصابين والتجار والسلطة على وطنهم المسكين المفضل وابتزازه وإرغامه طائعا على التضحية بفلذات كبده وبماله ليسعد المتآمرون الذين وحدتهم المصالح المشتركة وهم يعرفون معرفة تامة أن الضحية بريء وأن المجرم مفضوح ولكن الذي يهمهم قبل كل شيء : هو توقي خسارتهم وصيانة مصالحهم ولو أفلت النصاب المجرم؟؟ فمتى تستيقظ الأوطان وتعرف المتآمرين عليها، وتكشف لعبتهم المفضوحة؟!

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *