لو كنا نَسْمعُ أو نعقل ما كُنَّا في أصْحاب السَّعير


الاعترافُ سَيِّد الأدلة كما يقول القانونيون وغيرهم. فمن هم هؤلاء الذين شهدوا على أنفسهم بالحُمق وفقدان العقل يَوْم خُوطبوا برِسَالةِ ربّهم لَهُمْ؟؟! إنهم الذين كذَّبُوا الرسُلَ وجَحَدوا أن يكون الله عز وجل أنزل لهم كتاباً أوحى به إلى رُسُلِه لِيُبَلِّغوه لهُم كي يتقيَّدُوا بتعاليمه أمراً ونهْياً لتستقيم حياتُهم، ويُضْمن مستقبلُهم السّعيدُ في الآخرة. فلوْ استمعوا للرُّسول واتبعوا ما جاء به من عند الله تعالى لكانوا عقلاء رشداء، وكانوا أيضا سعداء، ولكنهم لم يسمعوا فكانوا سفهاء أشقياء.

إن هذا التكذيبَ واتهامَ الرسول بالضلال والسفه يحمل في طياته أشياء عديدة، منها :

1) أن هذا الكون لا خالق له، ولا مُدَبِّر لشأنه، فالليل يعقُب النهار، والأرض تدور، والبحار تتحرك، والأمطار تنزل، والإنسان يلد ويولد ويحيى ويموت.. كُلُّ ذلك يقع بدون أن يكون وراءَهُ فاعلٌ هو مسبِّبُ الأسباب، ومُكوِّنُ الأكوان، فكَيْف تأتَّى هذا؟؟! مع أنه لا صِنعة بدون صانع؟! هذا هو الحمق!!

2) وإذا كان لهذا الكون خالقٌ ومُدَبِّرٌ، ورَاعٍ ومُقَدِّر، فمن سخره الإنسان؟! وإذا كان الله عزو جل هو الذي سخره للإنسان ففي مُقَابِل مَاذَا؟! وإذا لم يَقُم الإنسان بذلك المقابِل ما موقِفُ الكون من الإنسان وربِّ الإنسان؟!

أيُمْكِنُ أن نتصور إنساناً صنع سيارة أو أي آلةٍ بدون أن يُخرج معها كُتَيِّباً يبيِّن كيفية استعمالها والانتفاع بها؟! ما مَصِيرُ مُسْتَعْمِلِها إذا لم يطبق التعاليم الواردة في الكُتَيّب المصاحِب لها؟! ألا يكون استعمالُها بجَهْلٍ أو عِنادٍ لتعاليم صانِعِها نقمةً على الجاهل أو المعاند؟! إن ذلك الجهلَ أوالعنادَ هو الحُمْقُ بعينِه، وهو السَّفه بعَيْنِه، وهو الصَّمَمُ عنْ سماع طريقة الاستعمال والتصَرُّف بحكمةفي المصنوع!!

ولقد حَفِظ الله تعالى لنا التصريحاتِ السفيهةَ لأقوامٍ كفروا فدُمِّروا بذنوبهم، حتى يكونوا لنا مثلا وعبرة :

أ- سفهاءُ لم يعترفوا بوجود خالق للحياة والأحياء ومُدَبِّر لشؤونها {وقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا وَما يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْر}(الجاثية : 24) لا ربَّ للكون، ولا رَبَّ للحياة التي تَدِبُّ في كائناته!!

ب- سُفهاء آخرون لم ينكروا وجود الرّبّ للكَوْن والحياة والأحياء، ولكن تعَجَّبُوا أن يكون للكون وللحياة والأحياء ربٌّ واحِدٌ لا يشاركُهُ أحدٌ في الربوبية والألوهية!! {أجعَل الآلهَة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب}(ص : 4) مع أنهم يَرَوْنَ في واقِعِ الحياة أن لكل دولةٍ رئيساً واحداً، ولكل أسرة مُوجِّها واحداً، وإلا فسَدَت الأسَرُ والشعوب والأمَمُ!!

جـ- سفهاء آخرون عزَلُوا الله تعالى عن التحكُّمِ في مُلكه وتدبير شؤونه،وأعْطوا لأنفسهم حَقّ التحكُّم في مُلكٍ ما خَلقُوا منْهُ صَغيراً ولا كبيراً، ولا عَلِمُوا من أسراره لا قليلاً ولا كثيراً، {قَالُوا يا شَعَيْبُ أصَلَواتُكَ تَامُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آبَاؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوَالِنَا ما نَشَاءُ}(هود : 87) لم يخلقوا أنفُسَهم، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ومع ذلك يقولون : >أموالنا< مع أنهم لم يخلقوا أرضاً أو سماء، أو شمسا أو قمراً، أو بقرة أو شاة!! فبأي حقٍّ امتلكوا هذه الأموال لولا تسيخرُ الله لهم إِيّاهاَ؟! إنه الغرور وشرْعُ الهوى الذي يُزَيّن للإنسان تَجْرِيدَ صاحِب الحقٍّ من حقه، والسيطرة عليه بدون سَنَدٍ لا من عَقلٍ ولا شرْع ولا قانون ولا عُرْفٍ؟! ألا يستحِقُّ هذا المتسلط على حقوق غيره التدمير؟! فما بالك إذا سَوّلتْ له نفسه التطاول على حقوق الله القوي العزيز الجبار؟!

إنها عقليةُ المستعمرين المتسلطين -قديما وحديثا- على حقوق الشعوب المستضعفة، فيظنون أن مُلك الله عز وجل كلأٌ مباحٌ، يتطاول عليه من شاء؟! ويعيثُ فساداً فيه من شاء؟! بدون أن يتعرض للحساب أو العقاب؟! مع أن الله عز وجل لسَعَة رحمته وعظيم عفوه يُمْلي للظالم ويُمْهله لكَيْ يتوب ويؤوب ويتعقل. فإذا تجاوز حدَّه أخذَه الله عز وجل أخْذَ عزيز مقتدر، ولمْ يُفْلِتْه بعد إعطاء الفُرصة والفُسحة، ليكون العِقَابُ عَدلا لاَ مَطْعَنَ فيه للمُجْرم الظالِم نَفْسِه، فلم يَسَعْهُ إلا الاعترافُ بذنبه، واللّوْمُ لنفسه {فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِم فَسُحْقاً لأصْحَابِ السَّعِير}(الملك : 11).

فما أبْأَسَ المتمردين على الله عز وجل في عصرنا؟! حَيْثُ ترَاهم يجْفلُون كالحُمُر المُسْتنفَرة من كُلِّ دعوة للرجوع إلى الله عز وجل صاحب المُلْكِ والأمر، ولكنهم في الوقت نفسه تراهم يتزَلَّفون لهذا المتألِّهِ من البشر هُنا أو هناك، ينتقلون من هذه العاصمة إلى تلك، مُقَدِّمين فروض الطاعة والولاء لهذا المغرور المتعجرف، أو ذاك المتسلط السفيه بدون أن يجدوا لا أمْناً ولا أماناً. وإنما يجدون الصّدُودَ والإعراضَ زيادةً في الإذلال والذّبْح للكرامة {ولَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّه واسْتَغْفَرَ لَهُم الرَّسُولَ لوَجَدُوا اللَّهَ تَوّاباً رَحِيماً}(النساء : 63).

فما تفسير الله عز وجل للكون والحياة والأحياء الذي يريد المتمردون البؤساء من المسلمين أن يتركُوه -مع أن الله عز وجل هو الأعلم بخلقه- لينتقلوا إلى تفسير الإنسان الجاهل للكون والحياة والأحياء -مع أنه من أجهل الجهلاء  حتى بنفسه وروحه وعقله وفكره ومستقبله هو- قَصْدَ الإِتْلاَفِ والتّتْييه والإضْلال عن الجادة، للمَكْر بالإنسان، وإىقاعه تحْتَ طائلة الإنسان، الذي يَسْتَعْبِدُ أخَاهُ الإنسان بوَحْشِيّةٍ لا سَنَدَ لَهاولا بُرْهان.

ألقِ السّمْع إلى هذا التفسير الربّاني للكَوْن والحياة والأحياء من رب الكون والحياة والأحياء : {تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهُوَ علَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاَ}(الملك : 1- 2) آيتان صغيرتان تلخصان حقيقة الوجود وحِكمته وبدايته ونهايتهُ وحقيقةُ الوجود وحكمتهُ هي :

< أولا : أن الله عز وجل ربُّ الوجود : فالملك كله بيده، منه المبتدأ وإليه المنتهى.

< ثانيا : أن الله خلق الكون مسخراً للإنسان، وخلق الإنسان لعبادته بالسير في الكون وِفق كتابه المنزل مع رسوله.

< ثالثا : أن الإنسان لم يأت للدنيا عبثا، ولكنه جاء لوظيفة إذا قام بها فاز، وإذا نكص عنها خاب وخسر، وشقي دنيا وأخرى.

< رابعا : أن الله عز وجل خلق الإنسان (الموت والحياة) للاختبار والابتلاء، والمُمْتحن والمُخْتبِرُ هو الله تعالى، وله أن يَبْلُوَه ويختبرَه بما شاء، وكيف شاء، لحكمة قد نُدْرِكُها وقد نجهلها، وليس لخلقه الحقُّ في أن يسأل ربَّهُ لِمَ فعَلْت بِي كذا أو كذا؟! لأن فِعْل الله عزوجل هو الرحمةُ كلها، والحقُّ كله، والعَدْل كُله، والحكمة كُلُّها، ومن حَادّ الله عز وجل ورسله وحَادَ عن شرعه للَّهِ الحقُّ في أن يعاقبه بما شاء بسبب ذنوبه وعصيانه {فَكُلاًّ أخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَن أرْسلْنَا عَلَيهِ حَاصِباً ومِنْهُمْ مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ ومِنْهُم مّنْ أغْرَقْنَا ومَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُم ولكِن كانوا أنْفُسَهم يَظْلِمون}(العنكبوت : 40).

< خامساً : إن إرسال الرسل وإنزال الكتب هو عَيْنُ الرحمة كلها بالإنسان حتى يوجّهه إلى خيري الدنيا والآخرة.

والذين لا يفهمون هذا نجد أن الله تعالى قال فيهم :

{إنّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الذِينَ لاَ يَعْقِلُون}(الأنفال) وقال : {ومَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلاَّ دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهُمْ لا يَعْقِلُون}(البقرة).

إن الله تعالى لمْ يخْلُق الكونَ عَبثاً ولم يخلُق الإنسانَ عبثاً، ولم يَبْتلِه عبثاً، ولمْ يعاقِبْ الإنسان في الدنيا عبَثاً، ولم يبعَثْ الرسُلَ ويُنزل الكتب عبَثاً، ولم يخلُقْ الجنة والنّار عبَثاً، بل كُلُّ ذلك لحكمة عالية فهِمَها من فَهِمَها وجَهِلها من جَهِلها، إنما الله عز وجلّ يخاطِبُ العاقِلين من أولي الألباب {إِنّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}(الرعد)، {فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصَار}(الحشر).

أمّا الذين يظُنُّون أنْفُسَهم مِن أذْكَى الأذكياء، من الطغاة والعُملاء، فلَهُم في سلفهم قُدْوة من قوم نُوحٍ المغْرَقين، وفرعون وهامان وقارون من المُسْرفين، ومن أصحاب الجَيْشِ الأحْمر الذين انتهَتْ خُرافتُهم إلى يوم الدِّين، فكلُّهم دُمِّرُوا، ومن خَلَفَهُم سَيُدَمَّر {ولِلّهِ العِزّة ولِرَسُولِهِ  ولِلْمُومِنِين}.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *