ثقـافـة الصــورة


الصورة كسلطة في الثقافة الغربية

يرى  المفكر والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في معظم كتبه التي تنصب في نقطة مركزية هي “مشكلة القوة”، “إن المعرفة تمنح صاحبها قوة هائلة تتيح له الفرصة للسيطرة على غيره من الناس(1). وفي دراساته لتاريخ أنساق الفكر الغربي انتهى إلى أن كل عصر من العصور البارزة في مسار هذا الفكر استطاع تكوين وتطوير”صور وأشكال معرفية جديدة” تمكنه من ممارسة أشكال جديدة من القوة. “فكل تراكم للمعرفة الاجتماعية وكل نوع من أنواع البحث والدراسة، هو في حقيقة الأمر صورة من صور ممارسة القوة”(2)، فالأفكار في نظر فوكو تعتبر أقوى  وأخطر قيد يمكن أن يمارس على الإنسان، لأن قوته تكمن في أننا غالبا “لا نعرف المادة التي صنع منها”.

وهذا الرأي ينطبق علينا في علاقتنا مع الصورة المرئية، كإنتاج فكري غربي يمارس علينا سلطته التي تكبل إرادتنا وتوجه سلوكنا لأننانجهل استقراءها وبالتالي لا نستطيع تحليلها وتفكيكها لمعرفة خلفيتها الإيديولوجية والعناصر الدلالية التي شكلت منها. وهذا راجع بالأساس إلى أننا في دراستنا لتاريخ الفكر الغربي على المستوى الأكاديمي يبقى جانب الصورة مقصيا مع أنه من الجوانب المهمة في هذا الفكر التي يلتقي فيها الدين والأدب والتاريخ والفلسفة والعلم. فهل يعقل أن يدرس مثلا تاريخ النهضة الأوربية دون الحديث عن لوحات رساميها، أو الحديث عن الرومانسية أو السريالية في الأدب دون ربطها بالمجال الفني الذي يقابلها؟ وهل تكفي دراسة المسيحية في مادة تاريخ الأديان ومقارنة الإنجيل بالقرآن دون العودة إلى كل ما أبدعته الكنيسة من هندسة وإيقونات وفنون بصرية تعبر عن روح هذا الدين؟

وحتى  لو عدنا إلى كل هذه الفنون فهذا لن يجدي كثيرا، لأننا نفتقر لآليات مقاربة الصورة الفنية كما أننا نجهل الترسبات الثقافية التي تشكل المخيالالمبدع لتلك الفنون التي تبقى  معرفة اللغات الأجنبية ودراستها إحدى مفاتيحها الأساسية. فبالنسبة للقارئ الغربي يتجه إلى استقراء عناصر الضوء واللون والحركة والخط والعمق..

لهذا يستطيع أن يقوم انطلاقا من العمل الفني بتحديد شخصية المبدع والمدرسة التي ينتمي إليها والحقبة التاريخية التي عاش فيها وحتى الزاوية التي كان يوجد فيها عند إنجازه لعمله. وهنا تتجلي المفارقة في العلاقة التي يقيمها كل من القارئ العربي والقارئ الغربي مع الصورة.

ورغم أن الحضارة الغربية وصلت في تطورها إلى الفصل بين الكنيسة والدولة وبين ما هو ديني وما هو دنيوي، فإن الاعتماد على الخطاب البصري كوسيلة للتلقين والتوجيه ظل قاسما مشتركا بين هذه الميادين لما له من تأثير على المتلقي. لهذا نجد الكنيسة تعتمد في خطتها التبشيرية الجديدة على  أرقى التقنيات التي وصلت إليها البحوث في ميدان الإعلاميات البصرية واستعمال خُدع التصوير والتركيب والتوليف كما هو مستعمل في الخطاب الإشهاري لتبليغ مضمونه إلى كل الفئات البشرية مهما اختلفت لغاتها وأعمارها وأجناسها. الشيء الذي يؤكد ما قاله امبرتوايكو بأن الغلبة ستكون في المستقبل لمن سيتمكن من الإمساك بزمام الصورة واستغلال طاقتها الدلالية الهائلة لصالحه.

قديما كان الغرب يقول “كل واحد يوجد في بيته ولكن الله يوجد في بيوت الجميع”. أما الآن، بعد الثورة الإعلامية أصبح يقال : “كل واحد يوجد في بيته ولكن الصورة توجد في بيوت الجميع”.

الإسلام والمسلمون ضحية الصورة

منذ وصول المسلمين إلى  غرب أوروبا في عهد عبد الرحمن الغافقي، مرورا بالحروب الصليبية والامتداد العثماني في السواحل المتوسطية إلى مرحلة الاستعمار، تشكلت في الوعي الغربي مجموعة من الصور النمطية خاصة بالإسلام والمسلمين. وهي في الحقيقة صور مختزلة ساهم في صنعها “مستغربو الإسلام وإغرابيوه” حسب تعريفات بنسالم حميش التي يقصد بها “أصناف الأخباريين وأهل الجغرافيا والرحلات والسفارات”. ويتفق الأستاذ حميش مع الكاتب الإسباني خوان غويتاسولو الذي يرى في كتابه “في الاستشراق الإسباني” أن وعي الاوروبي بذاته الثقافية جاء كنتيجة وعيه بالآخر، المسلم، الذي يعتبره كنقيض له، وبهذا يجعل منه الكبش الضحية الذي يُحمله كل مساوئه. ويرى حميش كذلك أننا “كلنا نكون صورا عن غيرنا، نضعها قاعدة للتعامل معه والحكم في شأنه إن في حالة السلم أو في حالة التوتر… فمهما تكن زاوية نظرنا، لا بد أن يظل وعينا باقتصاد الصورة الاختزالي وبطابعها النسبي وعيا يقظا، وذلك كيما يبقى طلبنا للحقيقة متحليا بسمتي التجدد والانفتاح”(3).

والمتتبع لتلك الصور النمطية يجد أنها تستند في معظمها على خلفيات دينية ترى في الإسلام تهديدا للمسيحية، لأنه يدعو إلى قيم تخالف التعاليم التي جاء بها عيسى عليه السلام حسب ماهو سائد عند العامة في الغرب.

وكنتيجة لهذا التصور الذي ينم عن جهل بشمولية الإسلام وبعده الروحي والدنيوي، أصبح الإنسان المسلم صورة مقلوبة لكل ما هو مسيحي، ويحصر الباحث التونسي هشام جعيط أهم هذه الصور في النماذج التالية :

– بما أن المسيحية تدعو إلى السلم وإلى التسامح، فالإسلام يبقى ديناً لا يقوم إلا على العنف وإراقة الدم.

– المسيحية دين الرهبانية والعفة والعزوف عن الشهوات والإسلام على عكس هذا دين الشبقية والانغماس في اللذات الدنيوية.

– المسيح هو ابن الله وكل ما جاء به حق، أما الإسلام فهو كلام الدجالAnticriste

– بما أن أغلبية المسيحيين ينتمون إلى الجنس الأبيض، فقد أصبحت صورة المسلم في الوعي الغربي مقترنة باللون الأسود كما نجد في لوحات العديد من المستشرقين وهو لون يرمز إلى الشيطان وإلى الشر.

وقد طبعت هذه الصورة المسكوكة الأدبيات الغربية من القرون الوسطى إلى المقالات الصحافية الحالية، وزادت من ترسيخها في هذا الوعي ما حصل من تحولات  في العالم الإسلامي، أدت إلى نوع من الهلع من الإسلام والمسلمين، أو ما اصطلح عليه ب”الإسلاموفوبيا”. ويتجلى هذا، كما يشرح ذلك الأستاذ سعيد بنسعيد العلوي، في “الصورة الجديدة التي أخذت ترتسم للإسلام في الوعي الثقافي الغربي (والأوروبي خاصة)، فهو في هذه الصورة قوة إيديولوجية كاسحة لها جملة من الخصائص والصفات البارزة هي العنف والميل إلى الاعتداء وإهراق الدماء، وهي التعصب ورفض (الآخر ) والعمل على تدمير المكتسبات الحضارية الكبرى الحديثة والمعاصرة”(4). وهذا يبدو جليا في الصورة الإعلامية التي رافقت تغطية ما سمي بحرب القرن الأخيرة, وهذه الصور تعتمد على جملة من التقنيات التمويهية أهمها :

> الاختزال : فصورة المسلم تختزل في صورة العربي، الذي يختزل بدوره في صورة التركي مع ما يحمله هذا النموذج مندلالات قدحية في المتخيل الغربي.

> التماثل : ويبرز في إسقاط الشكل الشيوعي على كل مسلم يحارب من أجل قضية مشروعة تحولها الصورة إلى مجموعة من الرموز المخيفة مثل اللحية والبدلة العسكرية المدججة بالرصاص.. وهكذا يتحول ما كان بالأمس يسمى ب”الغول الأحمر” إلى ما يطلق عليه اليوم “الغول الأخضر”، وهو الإسلام.

> التمطيط : ونعني به إعطاء صفة الشمولية لما هو خصوصي، فأي عملية متطرفة وأي مظهر من مظاهر التخلف يلصق بالأمة الإسلامية كلها مع التركيز على جانب المرأة والعقيدة.

> التنميط : وهو إعطاء صفة المطلق لما هو نسبي ويتمثل في مجموعة من “الكليشيهات” الخاصة بالعالم الإسلامي التي لم تتغير في الزمان والمكان والظروف مثل العديد من الصور التي برزت مؤخرا في الإعلام الغربي رغم أنها تنتمي للحروب الصليبية.

وأمام هذه الهجومات المكثفة التي أصبح هدفا لها العالم الإسلامي بواسطة الصورة الإعلامية، وهي أخطر من كل الأسلحة المتطورة، لأنها تصيب القيم والعقائد والسلوك ويشمل تأثيرها أمما كاملة بأسرها، ما هي الاستراتيجية التي اتخذها المسلمون أمام هذه التحديات لحماية قيمهم الروحية والثقافية وإعطائها البعد الحضاري الذي كان لها وجعلها تساهم بشكل إيجابي في بناء صرح الحضارة الإنسانية المعاصرة؟

وعي متأخر.. خير من عدم الوعي

لقد أدت بعض الأحداث التي عرفها مؤخرا العالم الإسلامي إلى نوع من الوعي بأهمية الصورة، وإن كان في الحقيقة وعيا شقيا لأن المسلمين تفطنوا متأخرين بأنهم كانوا ضحية الصورة منذ زمن طويل، وأنهم قصروا كثيرا في عدم تصحيح صورتهم لدى الآخرين، وأعني بهذا العالم الغربي الذي كان يعاملهم بنوع من المحاباة والمكر تستدعيها مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية. ولكن عندما  تمس هذه المصالح، يكشر الغرب عن أنيابه ويرمي المسلمين بأبشع النعوت والصفات. ولكن مع ذلك يبقى  هذا الوعي الشقي وعيا تطهيريا، لأنه يشكل حافزا نحو التجاوز. ومن بين هذه العوامل نقتصر فقط على ثلاثة لأهميتها في نظرنا :

1- الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة وما أثارته من استنكار دولي صورة الطفل محمد جمال الدرة وهو يقتل في حضن والده. إن هذه الصروة استطاعت في بضع ثوان أن تحرك وجدان العالم وهو ما لم تحققه كل  الخطب والمؤتمرات والملتقيات حول مأساة هذا الشعب الأعزل. وإن كانت مع الأسف صادرة من عدسة غربية وليست عربية.

2-  ظاهرة البوكيمون وما صاحبها من فتاوي ومطارحات بين متعاطفين ومناوئين، وهي في الحقيقة ليست إلا زوبعة في فنجان، لأن التراث الثقافي الإسلامي الذي أبدع الأزلية والهلالية والعنترية.. وأعطى للخيال العالمي ألف ليلة وليلة والمقامات، وترجم  كليلة ودمنة وملحمة كلكميش والشاهناما.. أسمى من أن تهيبه وحوش خشنة من الكارتون. لا ينكر أن هذا التراث أعطى للعالم شخصيات مثلالسندباد وعلى بابا وجحا لا تزال تحتفظ بنكهتها وبقيمتها التربوية ولكنها توجد الآن مداهمة ومحاصرة من طرف الصورة.

فالإشكالية الحقيقية التي تثيرها قضية البوكيمون هي عجزنا أمام الخطاب البصري وعدم القدرة على مواكبته واستثماره لخدمة تراثنا الإسلامي على جميع المستويات.

3- الثلاثاء الأسود وما أعقبه من شبه إجماع حول إلصاق تهمة قصف مركز التجارة العالمي بالمسلمين، وكذلك من حملة شرسة شنتها وسائل الإعلام الغربية على الأمة الإسلامية، ناهيك عن تصريحات العديد من المثقفين وكبار المسؤولين التي تمس بكرامة هذه الأمة ومقدساتها. لقد اكتشف العالم الإسلامي باستغراب كيف أن ما يسمى بالعالم المتحضر، وبعد عقود من الدعوة إلى الحوار والتواصل، لا زال يحمل في وعيه الثقافي صورا من الحقد والكراهية لكل ما هو مسلم. وهذا راجع بالأساس إلى أن الخطاب الإسلامي ظل سجين الدوائر الرسمية ونوعية اللغة التي لا تصل إلى رجل الشارع. لهذا كان من الضروري ومن المستعجل البحث عن خطاب يتحدى العوائق اللغوية والثقافية ويطوي الحواجز الجغرافية، ألا وهي الصورة.

ورغم أن هذه الواقعة الأخيرة كانت نكسة في العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب وإلا أنها لا تخلو من بشائر من الأمل في إعادة بناء هذه العلاقة على  أسس متينة يطبعها التفاهم والحوار المبني على قواعد من المساواة، حوار أفقي بين شريك وشريك وليس عموديا بين قوي وضعيف أو كما يعبر عنه مجازيا شمال ـ جنوب. والمسلمون مطالبون الآن أكثر من أي وقت مضى بإعادة تصحيح صورتهم في الوعي الجماعي الغربي وأن يجعلوا من الجبهة الثقافية أولى  الأولويات، لأنها الأساس الذي ينبغي أن يبنى عليه ما هو سياسي وما هو اقتصادي.

إن هزة 11 شتنبر كان من إيجابيتها أنها جعلتنا نرى صورتنا معكوسة في مرآة الوجدان الغربي ومن ثم الوعي بنوعية هذه الصورة ومحاولة تصحيحها وتجاوزها. وهنا تكمن المشكلة لأن هذه العملية تتطلب الكثير من التأني والحذر وإلا عدنا إلى أسوأ مما كنا عليه من قبل. إنها مسؤولية  نتقاسمها جميعا من رجل التربية إلى عالم الدين ورجل السياسة إلى المواطن العادي. إنها عملية تقتضي بالأساس معرفة ذواتنا وتقويمها من كل الا نحرافات التي مُنيت بها. إلى جانب معرفة الآخر الذي نسعى أن نساهم بمعيته في بناء الحضارة الإنسانية. لهذا أصبحت ترتفع أصوات هنا وهنا ك في العالم الإسلامي تنادي بتلميع صورتنا التي حولتها وسائل الإعلام الغربية إلى نوع من فزاعة داخل هذا الحقل الذي يسمى العالم. وتواردت حلول مختلفة من كل ناحية بعضها يطبعها الاستعجال والسطحية وبعضها الآخر يفتقر إلى وضوح الرؤيا وتحديد الهدف المقصود من تصحيح صورتنا.

فهناك من يفهم هذا التصحيح على مستوى  الشكل الخارجي، أي اللباس والهندام ويرى في تجديد صورة الإنسان المسلم التخلي عن اللحية والحجاب وكل ما يثير مخاوف الآخر والانصهار في نموذج موحد وفق ما تدعو إليه العولمة. وهناك من يفهم التصحيح على مستوى  الخطاب وهو استعمال كل المنابر لترديد أن الإسلام يرفض العنف وأنه دين التسامح، وهو خطاب تجاوز المسلمين وأصبح يردده حتى من هم أكثر عداء للإسلام لضمان مصالحهم الاستراتيجية والاقتصادية، وإن كان ما يقال بأفواههم هو غير ما يقال في إعلامهم الموجه إلى رجل الشارع. ولكن هذا لم يمنع والحمد لله من ظهور وعي بضرورة تصحيح لصورة الإسلام والمسلمين مبني على تصور سليم أساسه وضع استراتيجية للتصدي لكل ما من شأنه أن يشوه صورتنا ولإعطائها إشعاعها الحضاري الذي طمسته قرون من الجفاء مع الغرب لم تثمر إلا الجهل والعداء.

وهكذا على سبيل المثال تكونت في المغرب مجموعة البحث في مجال تصحيح صورة الإسلام. وقد كتب رئيسها د. حسن عزوزي في مقدمة كتابه (الإسلام وتهمة الإرهاب)، الذي يتصدر منشورات هذه المجموعة، ما يلي “إن المهتم والمتابع لواقع صورة الإسلام في الغرب ليأسف على ما آلت إليه تلك الصورة في الآونة الأخيرة من تشويه وتمييع بالغين”(5) ومن ثم  فإن هدف إنشاء هذه المجموعة هو المساهمة في “تصحيح صورة الإسلام وتحسينها وتلميعها”(6)، وهي مسؤولية تستدعي كذلك “توجيه جهود العلماء والمفكرين والدعاة إلى تفعيل عملية تصحيح صورة الإسلام في الغرب”(7).

وفي الشرق العربي نجد نفس الشعور بالإحباط من الحالة التي آلت إليها صورة المسلمين في الغرب ونفس الرغبة في إعادة تلميعها وإعطائها بعدها الحضاري. ففي البيان الختامي لمجلس التعاون الخليجي الذي انعقد مؤخرا بالمنامة دعا الأمين العام للمجلس إلى وضع “استراتيجية إعلامية خليجية وعربية تخاطب الرأي العام الغربي، من أجل إزالة الصورة المشوهة عن العرب والمسلمين وإلصاق تهمة الإرهاب بهم” (8). ولكن رغم ما يبعثههذا الوعي بأهمية الصورة من تفاؤل يبقى  تعريفها في كل هذه التصريحات فضفاضا ولا يشير بالتدقيق إلى الصورة كعلم وكتقنية وكفن وكخطاب سميائي له سلطة قوية على المتلقي الذي لا يملك آلياته ولا يستطيع استقراء رموزه في علاقتها بالمخيال الغربي.

ملاحظات وخلاصات

يشير عبد الكريم غلاب في إحدى افتتاحياته المعروفة بجريدة العلم “مع الشعب” إلى العلاقة الاستهلاكية التي تربطنا بالصورة التي أضحت تشكل نوعا من التلوث البصري في فضاءاتنا الحضرية. يقول : “انتشرت في الشوارع الكبرى والصغرى لوحات مزينة بالألوان والأضواء، تحمل إعلانات مستهلكات كثيرة، من المأكولات والمشروبات.. وليس بينها طبعا إعلان عن كتاب أو ندوة ثقافية أو محاضرة جامعية أو مسرحية تمثيلية، أو لوحة فنية إبداعية..”(9). وهذه السلبية أمام استغلال الصورة سيجعل بيئتنا مزبلة لكل النفايات البصرية وهي لا تقل خطورة عن النفايات النووية، فإن كانت هذه تصيب خلايا الجسم وتحدث خللا في وظيفتها البيولوجية، فإن الأخرى تصيب الفكر والروح. لهذا أصبح من المستعجل الاهتمام بقضية الصورة البصرية مع إعطاء الأولوية للميدانين التربوي والإعلامي.

فمعركة البوكيمون(10) يمكن الاستفادة من قدرتها التواصلية إذا درسنا آليتها واستغلالها في ميدان محاربة الأمية أو إحياء تراثنا الحكائي والقصصي في الميدان التعليمي وإدخال نوع من التشويق على كتابنا المدرسي. فعدم استثمار الجانب الفني للصورة، يجعل كتابنا الإسلامي بما يقدم للمتلقي من صور أهوال القيامة وكيد النساء ومس الجنون يثير التقزز والنفور أكثر ما يدعو إلى القبول والاستئناس.

أما على المستوى  الإعلامي فلا أحد ينكر أن للعالم الإسلامي صحافييه ومخرجيه وقنواته الفضائية ومهرجاناته السنيمائية.. ولكن الصورة لا تكون في الغالب من إبداعنا فهي إما مستوردة من وكالات أجنبية وحتى إنكانت من إنجازنا فهي لا تكون إلا نوعاً من إعارة للعين الأجنبية. فلا نستغرب إذا رأينا مثلا أن بعض أفلامنا التي أصبحت متداولة في السوق العالمية يكون المصور فيها إما فرنسياً أو إيطالياً أو… فالعين التي تلتقط الصورة لا تنطلق من الفراغ لأنها ترى الأشياء عبر موروث ثقافي خاص بها. فكما أننا أصبحنا نتحدث عن أدب إسلامي أصبح كذلك من الضروري الحديث عن الصورة الإسلامية تكون عالمية في تقنياتها وفي فنيتها دون أن تنسى خصوصيتها الثقافية.

………

1- د. أحمد أبو زيد : الطريق إلى المعرفة : كتاب العربي، أكتوبر 2001. ص 95

2- نفس المصدر. ص : 96

3- بنسالم حميش : في معرفة الآخر، منشورات الزمن. نونبر 2001، العدد 30، ص : 7

4- سعيد بن سعيد العلوي : الإسلام وأسئلة الحاضر. منشورات الزمن 6 يناير 2001. العدد 22، ص : 92

5- د. حسن عزوزي : الإسلام وتهمة الإرهاب. سلسلة تصحيح صور الإسلام. أكتوبر2001، العدد 1، ص : 3.

6- نفس المصدر، ص : 4

7- نفس المصدر، ص : 5

8- د. علي محمد العجلة : مجلة منار الإسلام، أبو ظبي، ديسمبر 2001. العدد 9، ص : 6.

9- أنظر جريدة العلم. السبت 29 دجنبر 2001. العدد 18851. ص : 1.

10- مقال أنوار الرضوان “البوكيمون.. بين صراع المصالح وفتاوي المشايخ”، جريدة الفنون، الكويت، يونيو 2001، ص : 26- 27.

د.أحمد الكمون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *