بـيـن حضـارتـيـن


الثقافة والحضارة

نتساءل أحيانا عن العلاقة القائمة بين الثقافة والحضارة، وعن حدود الائتلاف والاختلاف بينهما، إذ يبدوأحيانا أن العلاقة بينهما علاقة العام بالخاص، فالحضارة تتسم بطابع شمولي يجعل الثقافة مكونا من مكوناتها، أوهي جوهر الحضارة. وتنعكس الآية أحيانا أخرى فتصبح الثقافة أعم وأشمل من الحضارة، ويذهب هذا المذهب أولئك الذين يرون أن لكل شعب مهما كان مستواه في سلم الرقي، ثقافته الخاصة، أما الحضارة فهي درجة عليا في السلم الثقافي، وهكذا يصير لكل شعب ثقافته، ولكن ليس كل شعب ذا حضارة.

وقد بدا هذا الخلط منذ القرن التاسع عشر، عندما توسع علماء الأنتروبولوجيا في مفهوم الثقافة، ومن هؤلاء العالم الإنجليزي إدوارد تايلور الذي استعمل مصطلح الحضارة مرة، ومصطلح الثقافة مرة، قبل أن يستقر على استخدام كلمة الثقافة، التي صاغ لها تعريفا عام 1871، فأصبح هذا التعريف رائجا ومشهورا، فالثقافة عند ” تايلور ” هي ذلك الكل المعقد الذي ينطوي على المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من المقومات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع(14).

ومما تجدر الإشارة إليه أنه كما تباين مفهوم الحضارة من مجال إلى مجال، كذلك تباين مفهوم الثقافة من مجال حضاري إلى آخر.

إن كلمة ثقافة عند الغربيين Culture مشتقة من الكلمة اللاتينية  Cultura  بمعنى حرث أونـمّى، وقد كانت مقتصرة في دلالاتها على  تنمية الأرض  ومحصولاتها، تلك الدلالات التي نجدها في كلمة Culture  أي: الزراعة، ثم انتقلت الكلمة من الحقيقة إلى المجاز، فأصبحت مرتبطة بتنمية العقل، بل الكلمة بمعنييها الحقيقي والمجازي ما تزال مستعملة حتى الآن، فيقال:  Champ Cultivé حقل محروث كما يقال:  Homme cultivé رجل مثقف. ويقال أيضا: Cultuver un champ   حرث حقلا، كما يقال : les Cultiver sciences  حصل العلوم، أويقال:   Cultiver sa mémoire  نمى الذاكرة.

وهكذا فإن كلمة Culture في معنييها الحقيقي والمجازي تظل مرتبطة بالتنمية والخصوبة، أي أن الثقافة بهذا المعنى مرتبط بخصوبة المعرفة، وتحصيل أكبر قدر من المعلومات، بغض النظر عن أصول هذه المعرفة وغاياتها.

أما المفهوم العربي الإسلامي للثقافة، واستئناسا بنفس المنهج اللغوي، فإنه لا ينحصر في تحصيل المعرفة، إن الثقافة معرفة وزيادة. إنها المعرفة التي تجعل من غاياتها التقويم والتسوية والتسديد، إنها تظل مرتبطة بالفهم والحذق من جهة والتوجيه والترشيد من جهة أخـرى.

يقال: ثقف الشيء حذقه. وثقفه: إذا ظفر به.. قال الله تعالى: {فإما تثقفنهم في الحرب}(15). وقال عز وجل: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم}(16) وقال عز وجل: {ملعونين أينما ثقفوا قتلوا تقتيلا}(17). قال الراغب: “الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير المثاقفة، ورمح مثقف أي مقوم، وما يثقف به الثقاف، ويقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك  وإن  لم  تكن معه ثقافة”(18).

وفي اللسان: ثقف الرجل ثقافة، أي صار حاذقا خفيفا فهوثقف، ومنه المثاقفة، وثقف أيضا، صار حذقا فطنا.

وهوغلام لقن ذوفطنة وذكاء. والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه(19). ويقال: ثقف الرمح: سواه بالثقاف، التثقيف: التسوية.

وفي حديث عائشة تصف أباها، رضي الله عنها: وأقام أوده بثقافه، الثقاف ما تقوم به الرماح، تريد أنه سوّى عوج المسلمين.(20)

والمثقف: الرمح المقوم.

قال عنترة:

جادت له كفي بعاجل طعنة

بمثقف صدق الكعوب مقوم

وحين انتقلت الكلمة من الحقيقة إلى المجاز ظلت مرتبطة بالتقويم والتسديد كما ألمعنا. فالثقافة إذن مرتبطة بغاياتها. إذ الذي يحصل مجموعة من المعارف والعلوم لا يسمى مثقفا إلا إذا استخدم هذه الثروة المعرفية في الخير والصلاح.

وقد استعملت كلمة( ثقافة ) عند العرب، في غير باب تحصيل المعرفة وحذق العلوم، ولكنها لا تخرج عن التقويم وما إليه.

كتب الحجاج إلى قطري كتابا يتهدده، فأجابه قطري: أما بعد، فالحمد لله الذي لوشاء لجمع شخصيتنا، فعلمت أن مثاقفة الرجال أقوم من تسطير المقال، والسلام(21). فهذا المعنى قريب من حديث عائشة السابق ذكره. وقال الفرزدق، وقد سمع ذا الرمة ينشد شعرا: أذوالرمة يمنعني النوم بشعر غير مثقف، ولا سائر؟(22) ولعل الخلاف القائم بين مفهوم الثقافة عند الغرب ومفهومها الإسلامي هوالذي جعل مالك بن نبي رحمه الله، يلاحظ غلبة الحساسية الجمالية عند الغربيين، في حين تغلب الحساسية الأخلاقية على المسلم(23). ومن هنا أيضا كانت الثقافة نظرية في السلوك أكثر مما هي نظرية في المعرفة.

ونظرا لشمولية الثقافة، فهي تطول الفكر بضروبه المختلفة، والإبداع بوجوهه المتباينة وشمولية المفهوم تتطلب عند المواجهة شمولية الفعل الثقافي.

غــزو…وغـزو

إن الذين اجتهدوا في سلخنا حضاريا لم يقصروا جهدهم على وجه ثقافي واحد، وإن المواجهة لابد أن تكون من جنس التحدي إن أردنا لفعلنا الثقافي أن يكون مؤشرا وفعالا ومجديا.

إن النص المقروء، والنص المسموع، والنص المرئي المجسد، كل ذلك كان من وسائل الانسلاخ الحضاري، ولابد لهذه الوسائل من أن تكون ضمن أدوات الفعل عند الإنجاز والمناجزة. وإذا كانت بفض تلك الأدوات غير مستثمرة بصورة مناسبة فمرد ذلك إلى أمرين:

الأمر الأول أن طائفة منا ما تزال راكنة إلى الكسل الفكري، معتبرة كثيرا مما ذكر لغوا باطلا، لا يجوز صرف الجهد الفكري  والزمني فيه.

والأمر الثاني هوأن طائفة قد لا تنكر ما لتلك الأدوات من أهمية، إلا أنها تستصعب ما يحيط بها من محاذير شرعية، ثم لا تحاول أن تجتهد، أوتصل بأهل الاجتهاد، لحل هذه المعضلة التي تعطل الطاقات، فمازلنا نطرح مثلا موقف الإسلام من المسرح، لا كنص مقروء، بل كاحتفال مسرحي، ولم تستطع كثير من المناظرات والمؤتمرات حل هذا الإشكال(24)..

إننا مدعوون إلى شيء من الجرأة، وكثير من التسلح بالعلم بالأصول الشرعية والفنية لمعالجة مثل هذه القضايا التي تظل ـ شئنا أم أبينا ـ  تمثل نوعا من التحدي الحضاري الذي يغزوكثيرا من بيوت المسلمين.

إن هنالك طريقين لانقراض الأمم :

1- الانقراض المادي المتمثل في الدمار أوالاستئصال كما حدث لبعض أمم العرب البائدة كعاد وثمود وطسم وجديس. وقد قال تعالى عن عاد  : {فهل  ترى  لهم  من  باقية}(25). قال الراغب: أي جماعة باقية، أوفعلة لهم باقية(26).

2- الانسلاخ الحضاري، وفقدان الخصائص الثقافية، وهذا ما حدث للهنود الحمر الذين لم ينقرضوا سلاليا، ولكن “الاحتلال” الأوربي استأصل حضارتهم، ودمر ثقافتهم، وهذا هوالسلوك الذي حاول “الاحتلال” أن يسلكه وما يزال مع الشعوب الإسلامية، بدعوى “تمدين” هذه الشعوب. ولكن خاصية ” القوة الصامدة ”  ـ كما يسميها العقاد ـ التي يتسم بها الإسلام، جعل الشعوب الإسلامية تستعصي على المخططات الاستعمارية المباشرة.

كثيرا ما يقف الإنسان حائرا  أمام مظاهر الغزوالمتعددة التي تتعرض لها مجتمعاتنا، فهناك الغزوالعسكري والغزوالاقتصادي والغزوالثقافي، ومنه الغزوالإعلامي الذي جعل العالم كأنه بيت واحد..

لقد دمر “الاحتلال” بآلياته العسكرية ما دمّر، ولكن الجوهر الإنساني ظل مستعصيا على التدمير، مما جعل “الاحتلال” يستبدل غزوا بغزو، فكان ربط اقتصاد العالم الإسلامي بالاقتصاد الغربي وجها خطيرا من أوجه الغزو، فبلادنا الإسلامية أغنى بلدان العالم، بما تملك من كنوز في باطن الأرض وعلى ظهرها، ولكن الشعوب الإسلامية تظل ـ بصفة عامة ـ من أفقر شعوب الأرض.

إن حصة الثروات المعدنية في الاحتياط العالمي تبلغ 3/4 من البترول وثلث الغاز  وثلاثة أرباع من الفوسفاط و60  %من القصدير و35 %من المنغنيز..

غير أن هذه الثروات لا توفر إلا دخلا قدر سنة 1988 ب: 833 مليار دولار، أي ما يعادل 896 دولار للشخص سنويا، وهومعدل أدنى من الدخل الفردي لكوريا الشمالية التي تصنف عالميا في المرتبة 127 من بين الدول الفقيرة(27). فمجتمعاتنا الإسلامية من أكثر المجتمعات عرضة لاختلال التوازن الاقتصادي والاجتماعي.

إنه لا أحد يجادل في خطورة الغزوالعسكري، ولا أحد ينكر ما  للغزوالاقتصادي من آثار سلبية، وأخاديد عميقة يحفرها على ظهر الشعوب. ولكن الأخطر من كل ذلك الغزوالفكري الثقافي..

إننا كثيرا ما نعلق أوزارنا على مشجب “الاحتلال”، زاعمين أنه السبب في ما نعانيه من مشاكل وأزمات، غافلين عن حقيقة كبرى، وهي أن “الاحتلال” نتيجة وليس سببا.

لقد كان “الاحتلال” نتيجة للانهيار الحضاري العام، ذلك الانهيار كان من أجلى مظاهر انهيار القيم، وتصدع الأخلاق، وضمور الثقافة، مما أفضى إلى تفكك العلاقات الاجتماعية، وبروز التناقض الطبقي بشكل فظيع، وسيادة الاستبداد الذي قتل في الأمة كوامن الانطلاق والبناء. مما سهل على المستعمر أن يُلبِّس على الناس أمورهم، ويَلْبـَس طيلسان المنقذ الحضاري، حتى كان كثير من الباحثين ـ وربما ما يزال بعضهم حتى الآن ـ  يرد بداية النهضة العربية الإسلامية  إلى مدافع نابليون التي وجهت إلى مصر.. ويسوغون الأطروحة الاستعمارية التي تقول أن الشرق ما كان لينهض من كبوته (إن كان قد نهض ! !) لولا الحضارة التي حملها إليه قادة الغرب، مما جعل الشرقيين يخرجون من كهفهم الشبيه بكهف سجناء أفلاطون الذين صاروا بعد الخروج من الكهف يميزون بين الحقائق والأشباح، وكانوا من قبل ذلك في جهل مطبق.

وتحدث الناس عن عصر التنوير، مع أولئك الذين دعوا إلى أن تصبح مصر ـ قلب العالم العربي ـ  قطعة من أوربا، وتلاشت فكرة الجامعة الإسلامية، لتحل محلها الفكرة المتوسطية حينا والفرعونية والفنيقية والآشورية حينا… ووجدنا لائحة عريضة تضم أمثال طه حسين وسعيد عقل وسلامة موسى ولويس عوض وتوفيق الحكيم…

إن كل خطوة في طريق البناء ينبغي أن تراعي الواقع الذي تعيشه الأمة، وهوواقع يتسم بالتصدع والهشاشة: تصدع الفكر، وتفكك العلاقة، وانهيار القيم، وهشاشة العقيدة في النفوس..

إن ثقافتنا المعاصرة التي كان ينبغي أن تكون رسالتها الحقيقية هي تحصين الأمة من العوامل المساعدة على الانسلاخ الحضاري، ساهمت بشكل كبير في ترسيخ تلك المظاهر التي وسمت الواقع المعاصر بصفة تصلح أن تكون له ميسما مميزا، وهي: الهزيمة.

إن ثقافتنا المعاصرة ثقافة مهزومة، وإن الهزائم العسكرية والسياسية التي ابتلينا بها منذ نكبة فلسطين حتى الآن، إن هي إلا نتيجة من نتائج ثقافتنا المهزومة.

وكما ينبغي مراعاة الواقع المعيش ينبغي أن نعي ذاتنا وأصولها في الوقت الذي لا ينبغي أن نكون في غفلة عما يجري حولنا، في العالم المعاصر.

———-

14ـ ثقافة الأطفال: عالم المعرفة 123 ـ ص: 24.

15ـ الأنفال: 57.البقرة: 191.

16 ـ البقرة: 191.

17 ـ الأحزاب: 61.

18 ـ المفردات: مادة ثقف.

19 ـ اللسان: مادة ثقف.

20 ـ نفسه.

21 ـ زهر الآداب: 842.

22 ـ نفس المصدر: 692.

23 ـ مشكلة الثقافة: 73

24 ـ أشير مثلا إلى الصراع الذي قام بين الدكتور نجيب الكيلاني وبعض الأساتذة الذين حضروا مهرجان الجنادرية عام 1410 / 1990 وكان صاحب هذا البحث هوالمعلق على ورقة الدكتور نجيب الكيلاني. كما أثيرت القضية نفسها في الملتقى الأول للفن الإسلامي المنعقد بقسنطينة، وقد شارك في النقاش أساتذة أجلاء مثل د. يوسف القرضاوي، ود. أحمد بسام ساعي، دون أن يفضي النقاش إلى نتيجة يطمئن إليها الجمع، بل إن كلمةالمرحوم أحمد الشرباصي التي  اتخذت شعارا للملتقى:(على رجال الفن أن يتدينوا وعلى رجال الدين أن يتفننوا ) قد أثارت كثيرا من الجدال، حتى وصفها أحد الأساتذة المشاركين بأنها(شعار متخلف)!!.

25 ـ الحاقة: 8.

26 ـ المفردات: 55.

27 ـ من دراسة الدكتور لحسن الداودي، نشرها ملحق جريدة العلم للفكر الإسلامي، العدد(9) جمادى الثانية 1412 /13 دجنبر 1991.

د.حسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *