العولـمة الثقافية : من النقد الى التجاوز


مقدمة : إن الاهتمام بالثقافة يمثل حجر الزاوية لكل مجتمع يتوق إلى النهوض الحضاري و الإقلاع التنموي، و كل المجتمعات التي كان لها حظ في هذا المجال كان لها حظ من ثمرات النهضة و الرقي، مما يجعل الشعوب تضحي من أجل ذلك بالغالي والنفيس وبالأرواح و الأموال. و لعل المكون الثقافي من أهم مكونات الهوية للمجتمعات. فإذا زالت ثقافته و اضمحلت صار هذا المجتمع جزءا من الماضي. بهذا المعنى فإن الثقافة تعد من أهم المميزات للمجتمعات, و لذلك فهي تستدعي الرعاية و الاهتمام، في وقت يحتد فيه التنافس بين الكيانات و التكتلات من اجل البقاء.

إن الثقافة لها تعريفات و مفاهيم عديدة, و لعل من نافلة القول إنها تشمل الكثير من أنشطة الإنسان في تفاعله مع محيطه و مع الآخرين.. إنها تتجاوز مجرد النشاط الفكري مما جعل مالك بن نبي يقول” إن الثقافة نظرية في السلوك و ليست نظرية في المعرفة فقط” و رغم أن هذا المصطلح أي” الثقافة” ترجم أساسا من مقابله في اللغات الأخرى أي من مصطلح “Culture” الذي كان يستعمل في مجال ضيق و محدود، إلا أن هذا المصطلح أخذ يتسع ليشمل فضاءات واسعة و يستوعب مجالات أرحب.

من الاحتلال إلى العولمة

تعتبر ظاهرة الاحتلال من الظواهر التي عانى منها العالم الإسلامي ولا يزال، ولقد مثلت قمة عدوان الحضارة الغربية على هذه الدول. هذه الظاهرة أفرزت نخبا تحمل ثقافة المحتل مما كان يصطلح عليه تارة بالغزوالفكري وتارة أخرى بالتبعية أوالاستلاب أوالتغريب. والآن مع بروز ظاهرة العولمة بشقها الاقتصادي والسياسي والثقافي أخذ الفاعلون الأساسيون ومنهم على الأخص الأمريكيون، على ترسيخ ارتباط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد والدولار الأمريكيين، ومن هذه المنظمات المحركة للعولمة “منظمة التجارة والبنك الدولي والصندوق الدولي… علاوة علىالسيطرة على النسبة العليا من الشركات العابرة للقارات والتي تدر الربح الكبير لاقتصاد الولايات المتحدة. أما في الميدان السياسي فإن الولايات المتحدة تحتكروتهيمن على مجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة والحلف الأطلسي الخ…

ومن أجل كل هذا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى بكل ما أوتيت من جهد وطاقة للحفاظ على هذه الهيمنة والتفوق.

إن ما يميز المرحلة الراهنة هوالسعي الحثيث للمؤسسات الغربية إلى تدمير كل الحواجز التي تقف أمام المد “الحضاري” الغربي والعمل الدؤوب على ربط المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية غير الغربية بالغرب وتغليب المعايير الغربية على كل المعايير(1).

ويقول محمد عمارة واصفا النزوع الغربي نحوالتمركز: “فالنزعة المركزية لصيقة بالنموذج الحضاري الغربي منذ العصر الروماني الذي رأى أصحابه أن الإنسان الروماني هو الحر وحده وما عداه برابرة وأن ما يتدين به الروماني هوالدين الوحيد”  بل يعتبر محمد عمارة “أننا الآن أمام تصاعد في درجة النزعة المركزية الغربية وتصاعد في حدة التطبيق لها”(2).

العولمة الثقافية

وفي المجال الثقافي بالخصوص الذي يتمحور حوله موضوع هذه الورقة، تحاول الولايات المتحدة الهيمنة على شعوب العالم من خلال السيطرة الثقافية وعولمة نموذجها الثقافي ولعل من أبرز هذه الأمور المستهدفة نذكر اللغة والثقافة والمسرح والسينما والتأليف ومجال الكتب والرواية والقصة والغناء وسائر الفنون الأخرى. ففي وقتنا الراهن تمثل شبكة الانترنيت مجالا مهما وحيويا في هذه السيطرة حيث أن للولايات المتحدة الأمريكية نصيب الأسد في تدفق المعلومات بواسطة هذه الشبكة وتستغل هذه الأخيرة في مجال التجارة والإشهار وسيولة المنتوج الثقافي الأمريكي… حتى  إذا فتحت صفحة من صفحات شبكة الأنتيرنت تنهال عليك سيول من الاشهارات لمواد وخدمات تنتمي طبعا إلىمصممي هذه الصفحات وجلهم من الولايات المتحدة.  وما إن تظهر آخر تقليعة في موضى اللباس أوالشعر أوبعض المواد في مجال الصحة أوالالكترونيك أوالتجميل في هذه المواقع حتى تصل في بضع ساعات وأيام إلى جميع أنحاء المعمور. وهذا يجسد بالملموس السيطرة الفعلية لمن يتحكم في هذه الشبكة. ولعل الأسئلة المطروحة علينا اليوم هي كالتالي:

ما هونصيب الدول العربية والإسلامية في هذه الشبكة من حيث استعمال اللغة العربية؟

ما هونصيبها من حيث المبيعات؟

ما هونصيبها من حيث الترويج للمنتوج الثقافي والإبداعي؟

ما هونصيبها من حيث الكتب والخدمات؟

والأمر نفسه والأسئلة نفسها يجب أن تطرح فيما يخص الفضائيات واستغلال الأقمار الاصطناعية في مجال المعلومات.

يرى الكثير من الباحثين ومنهم على سبيل المثال: Gérard Leclerc في كتابه culturelle la mondialisation  يرى أننا نمر بدون شعور من عالم تعم فيه العزلة الثقافية إلى عالم تحكم فيه Lصinterculturel أي التثاقف ومن حقبة زمنية تميزت بالاستقلالية الثقافية لكيانات تقليدية إلى حقبة أخرى تعمم فيها تشابك العلاقات والتواصل…(3)،  مما جعل بعض المنظمات مثل منظمة اليونسكوتتخوف من الانعكاسات السلبية للعولمة الثقافية.

فنجد في إحدى الإعلانات لهذه المنظمة ما يلي:

“الثقافة تأخذ أشكالا متنوعة في الزمان والمكان. هذا التنوع يتجسد في أصالة وتعدد الهويات التي تميز الجماعات والمجتمعات المكونة للنوع البشري. يشكل التنوع الثقافي منبعا للتبادل والإبداع والتجديد للبشرية جمعاء كالتنوع الطبيعي بالنسبة لمنظومة الأحياء، في هذا الاتجاه يشكل التنوع الثقافي ميزات البشرية كلها ويجب أن يتبنى ويشكل ربحا للأجيال الحاضرة والمقبلة”(4).

ألعاب الفيديووالعولمة

حتى ألعاب الفيديولم تسلم من الهيمنة الأمريكية الكاملة والتسخير والتوظيف الكامل لفائدة الجيش الأمريكي حيث أن ألعاب الفيديولم تعد مجرد ألعاب بريئة يراد منها تسلية الأطفال بل صارت أداة تعبيرية شغلت لأغراض سياسية كما شغلت من قبلها الوسائل الأخرى كالتلفزة والسينما والمذياع والصحف والمجلات. فعلى سبيل المثال لا الحصر ظهرت لعبة الفيديو”عاصفة الصحراء” مباشرة مع حرب الخليج الثانية. هذه اللعبة تجسد العسكري الأمريكي والبريطاني اللذين يمثلان “الخير” ومهمتهما هي تحرير العراق من ذلك النظام الاستبدادي الذي يمثل “الشر”. لا تترك هذه اللعبة الخيار للاعب. فهومنذ اللحظة الأولى يراد له أن يأخذ دور العسكري الأمريكي، ومثل هذه الألعاب كثير. في هذه السنوات الأخيرة ظهرت لعبة تجسد العسكري الأمريكي وكان المراد منها جذب اكبر عدد من الشباب إلى الخدمة العسكرية في صفوف الجيش الأمريكي، وقد تحقق هذا الهدف حيث اجتذبت هذه الأخيرة قرابة مليون من اللاعبين في غضون أربعة اشهر!!  نعم أصبحت ألعاب الفيديوسلاحا صامتا للدعاية(5).

وأما الثقافات الأخرى وخصوصا المنافِسة منها، فيراد محوها كما حدث مع الهنود الحمر من خلال العنف المادي والرمزي والثقافات التي تستعصي على المحوتواجه هي الأخرى محاولات مستميتة لإضعافها وتقويضها إلى الحد الذي يتيقن فيه من عدم تأثيرها في المحافل الدولية وعلى النخب السياسية والثقافية كما يحدث الآن مع الإسلام. بل إن الأمر قد يصل إلى إحداث ردود أفعال متطرفة تستغل لضرب كل محاولات للنهوض من خلال التضييق على كل الأعمال الخيرية والإحسانية وكذلك يتم التشكيك في كل المبادرات” النهضوية” التي تحاول استنهاض الأمم والشعوب وتوحيدها تحت شعار إسلامي واحد موحد، ويتم ذلك من خلال إحداث ثغرات شعوبية انفصالية ذات طابع إثني عرقي أولغوي أوغير ذلك من محاولة فصل دول شمال إفريقيا عن عمقها الإفريقي والعربي الإسلامي أوفصل السودان وتركيا وأفغانستان والعراق عنعمقهم الإسلامي والعمل على دوران الكثير من الدول العربية والإسلامية في فلك الولايات المتحدة الأمريكية ودمجها في اقتصاد شرق أوسطي تمارس فيه إسرائيل وصايتها الكاملة. كما يراد من خلال العولمة الثقافية، تعميم أنواع معينة من الموسيقى مثل الراب Rap والمسلسلات المشهورة والملابس الغربية كنموذج أوحد للباس مع غياب شبه تام للباس التقليدي أوالفلكلوري وتعميم شراب الكوكا كولا والأكلات السريعة (+Disney +Nike Macdonald Fast food). حتى اللغات لم تسلم من محاولات التنميط والنمذجة. فعدد كبير من اللغات أخذ يختفي نتيجة قلة الاستعمال وهيمنة بعض اللغات كالإنجليزية على كل المحافل والمنظمات والمؤتمرات الدولية. يذكر أن عدد اللغات المستعملة حاليا في عالمنا 6000 لغة ويعتقد أن عددها سينخفض إلى 3000 لغة في سنة 2100 ميلادية.(6)

العالمية الاسلامية والعولمة

لقد حاول الكثير من مثقفي العالمالإسلامي المقارنة بين العولمة الغربية والعالمية الإسلامية.

ولعل ما يميز العالمية الإسلامية كونها تؤمن إيمانا راسخا بتعايش الحضارات والتعايش الثقافي اللذين من شأنهما أن يجنبا العالم مخاطر مقولة هينتيغتون المتعلقة بصراع الحضارات وتنبؤاته المشئومة.

وقد عرف محمد عمارة العالمية الإسلامية قائلا : “إنها نزعة إنسانية وتوجه نحوالتفاعل بين الحضارات والتلاقح بين الثقافات والمقارنة بين الأنساق الفكرية والتعاون والتساند والتكامل والتعارف بين الأمم والشعوب”(2). إذن فشتان بين العالمية التي يصبوإليها العالم الإسلامي والعولمة المتسلطة على الشعوب اليوم.

المقاومة الايجابية

لقد خلقت العولمة تيارات ضدها في كل أنحاء العالم،  سواء في الدول الغربية أودول العالم الثالث. وبخصوص العالم الإسلامي يعتقد الكثير من السياسيين والمنظرين الغربيين أن “التطرف” الإسلامي لا يقتصر فقط على أسامة بن لادن وأتباعه ولكنهم يعتقدون أن “الخطر” الإسلامي على حد زعمهم، يشمل أيضا أولئك الذين لا يريدون أن يفرقوا بين الدين والسياسة ولا يفرقون بين الدين والدولة ولا يؤمنون بقيم الغرب والحداثة الغربية وبذلك فإنهم يستعصون على التبعية والإلحاق والتغريب والذوبان، ويكونون بذلك حجرة عثرة في طريق تحقيق المصالح الغربية.

إن الحل اليوم لا يكمن في الخوف من هذه العولمة ولا في الاستسلام والانقياد الكامل للقيم التي تحملها وتبشر بها. فالنقد لا يكفي والانسحاب إلى الماضي والاكتفاء بالتغني بأمجاده لن يعفي الأمة من المسؤولية في صياغة الحاضر والشهادة عليه. فالشهادة لا تعطى للضعيف. والمقاومة نوعان، مقاومة سلبية ومقاومة إيجابية.

ولكي تكون المقاومة الايجابية للعولمة الثقافية وتجاوز أخطارها لا بد من توفير بعض الشروط منها :

– لا بد من توفير ثقافة بديلة من شأنها أن تحصن الأفراد والمجتمعات،هذه الثقافة يجب أن تنسجم مع تراث الأمة وأن تستوعب جيدا في الوقت نفسه مقتضيات العصر.

– لا بد من خلق الوعي الذاتي وغرس مفاهيم الثقافة الذاتية  البانية في نفوس أبنائنا عن طريق التربية الأسرية ونظم التعليم والإعلام وهوالكفيل بتحقيق الأمن الثقافي (وهوالمقابل الموضوعي لمقولة الاختراق)  لمجتمعاتنا (7).

– نقد التراث الثقافي للأمة نقدا إيجابيا والأخذ بكل الجوانب المضيئة فيه مع تجديد الفكر وإبراز التدين الصحيح.

– لا بد من تشجيع التجارة البينية بين دول العالم الاسلامي من أجل تجنب الشطط العولمي الذي يسلب كل العالم ومنه العالم الإسلامي كل خيراته بأبخس الأثمان مع الاهتمام بالبحث العلمي ونشر المعرفة وهما السبيلان الوحيدان لكسب معركة التنافسية العالمية المحمومة.

المراجع

1- لؤي صافي. العولمة والمشروع الحضاري الإسلامي الفرص والتحديات.مجلة الكلمة، عدد 28. صيف 2000.

2- محمد عمارة. مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية

3- Gérard Leclerc. La  Mondialisation culturelle، Seuil. Paris 1998.

4- Déclaration universelle de UNESCOL (novembre 2001).

5- Stephane Pilet. sept 2003. Le jeu vidéo comme arme de propagande. Mise en scène des soldats du Bien; Le monde diplomatique.

6-La mondialisation  culturelle. Lucette Lupien. Association des  réalisateurs et réalisatrices du Québec. Emission du 11 octobre 1999).

7- محمود محفوظ. كيف نقرأ العولمة الثقافية. مجلة الكلمة، عدد 35. ربيع 2002

د.محمد بنوهم

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *