التربية في رحاب الحديث النبوي الشريف


عن أبي هريرة  أنه كان يقول : قال رسول الله  : >ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جَمْعَاء هل تحسون فيها من جدعاء<، ثم قال أبو هريرة ] : واقرءوا إن شئتم : {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}(رواه البخاري ومسلم).

أهمية التربية الإسلامية

التربية الإسلامية هي الوسيلة للسعادة في الدارين الأولى والآخرة، بها تتكون شخصية المسلم المؤمن بربه، والمطيع لأوامره والمتجنب لنواهيه، المتمسك بدينه، الذي يؤدي رسالته في الحياة بأمانة، ويعمل لآخرته متّبعا الكتاب والسنة، محاربا كل بدعة، مطيعا لربه العليم : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فآنتهوا}(الحشر : 7)، ومقتديا بسنة نبيه  : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}(الأحزاب : 21).

وإذا كان مفهوم التربية هو: التنمية للقوى العقلية والخلقية والجسدية، والله عز وجل قد ربى نبيه عليه السلام ليكون خير قدوة للبشرية، وقد منحه سبحانه هذه الشـهـاـدة: {وإنــك لعلى خـلـق عظيم}(القلم: 4)، فقد وجب على  البشرية جمعاء الاقتداء به، والعمل بما جاء به.

أصحاب الكهف والتربية

إذا كان أصحاب الكهف مثلا للشباب المستبصر الذي لم تطمس ظلمات الكفر في بيئته شعاع فطرته، ولم تشب أوضاع الضلال صفاء استقامته، فإن المجتمع المسلم لا يترك شبابه لهذه المعاناة، ولا يعرضهم لهول هذه المحن، فهو مجتمع يقوم على الإيمان بالله  وتحقيق شريعته، ومن هنا فهو حريص على أن يحمي ناشئته من الفتنة، ويقيهم سبل الضلال والغواية، فلا يضع توجيههم في يد قلوب مريضة، ولا يترك زمامهم بأيد ملوثة، بل يوفر لكل ناشيء فيه جوّا صالحا تزكو فيه الفطرة، وتتفتح أزهارها؛ فأئمة الضلال حين يتولون التوجيه والتنشئة يصبغون الأجيال بصبغتهم، ويوجهون بها إلى طريقتهم، فيضل المجتمع ويشقى، مصداقا لقوله  : >كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه<(رواه البخاري ومسلم).

فإذا شبّ الفتيان على العقيدة السليمة، ورسخت في نفوسهم العادات الحميدة استحقوا أن يوصفوا بما وصف به أهل الكهف من قبلهم: { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى}(الكهف :13).

إن أهل الكهف قد راعهم ما تردى فيه قومهم من الشرك بالله، فآعتزلوا بهتانهم، ونجوا بأنفسهم حتى لا يصيبهم ذلك البلاء، ولا تتسرب إليهم تلك الأدواء، إنهم لجأوا إلى الكهف ينشدون من الله الرحمة، وأن يثبت قلوبهم على الإيمان به، ويهديهم بنور الحقيقة، ويفتح لهم أبواب المعرفة، ليبنوا بسواعدهم الفتيّة، وعزائمهم القوية، مجتمعا جديدا خالصا من أدران الوثنية والشرك برب البرية.

التربية بين الأب والأم

لا شك أن واجب التربية يتقاسمه الوالدان بصفتهما الأبوية، فإذا شعرا بمسؤوليتهما تجاه الله تعالى والمجتمع، عرفا أن التربية أمانة في عنقهما، وأن جزاءهما تضعيف الأجر: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة }(البقرة : 245).

والآباء هم القدوة للأبناء، إذ يقلدونهم في سلوكهم الحسن منه أو الرديء، فليكن الأب لابنه مصباح هداية، وليحذر أن يكون مفتاح غواية، وللموعظة الحسنة أثرها، وخير ما يلقن للأبناء وصايا الرحمن على لسان لقمان لابنه؛ فهي تجمع بين الإيمان والتوحيد والدعوة إلى الخلق القويم: { وإذ قال لقمان لابنه وهويعظه يابنيّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم }(لقمان : 13).

{يا بنيّ أقم الصلاة وامُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وآصبرْ على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور، ولا تُصَعِّرْ خدك للناس ولا تَمْشِ في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور}(لقمان : 17- 18).

وللنبي  وصايا عديدة، من آقتدى بها حصل على مزايا جليلة، يقول عليهالصلاة والسلام في وصية له : >اضمنوا لي ستّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم<(رواه أحمد).

إن هذه الوصية الجليلة من جوامع الكلم، تجمع آداب السلوك الاجتماعي اللازمة لسعادة البشرية(فالله تعالى خلق الإنسان وأنشأ له الإرادة، فعليه الاختيار، إما أن يفعل الخير فيصير من الأبرار، وإما أن يفعل الشر فيصبح من الأشرار، والجزاء معروف، فلهذا الجنة ولذاك النار..

ولذا ينبغي أن يحرص الآباء على تعليم أبنائهم تعاليم الدين، ويبدءوا بحفظ القرآن الكريم، لتتحد البواعث الدينية في نفوسهم مع البواعث الشخصية منذ نعومة أظفارهم، وهذه هي الوسيلة السليمة لتنشئتهم التنشئة القويمة التي تؤتي ثمارها الطيبة بإذن الله عز وجل.

وأسلوب القرآن الكريم حكيم في الترغيب في الدين والترهيب من الخروج على مبادىء الإسلاموالمسلمين، لعلمه سبحانه بالطبيعة الإنسانية التي فيها التفكير والتدبير، وفيها المحبة والكراهية، وسلوك الفرد يتحرك بدافع من الرأي والنظر، ويتحرك بقوة الخوف والغضب، وقد وصف الله تعالى الجنة في محكم آياته ليكون الناس على بصيرة بما يلقون من ثواب هو النعيم الذي إليه يشتاقون، وفي نفس الوقت صور الجحيم وما فيها من عذاب أليم، ليكون المجرمون على علم بما ينتظرهم يوم الدين..

هكذا يرسم الدين الإسلامي للناس قواعد التربية السليمة التي ينبغي أن يسيروا عليها، ولن يضل الناس طالما تمسكوا بالقرآن والسنة النبوية على الرغم مما يسود العالم من فساد الرأي يُدعى بالحرية، ووقاحةِ فكرٍ تُنعت بالجرأة، وفلسفةٍ مادية ملحدة تحاول تفسير كل شيء على هواها، إنها مضللة مفسدة..

إن الله سبحانه وتعالى قد خلقنا من ظهور آبائنا وأشهدنا على أنفسنا شهادة شهدناها بأن الله عز وجل هو ربنا وهذه الشهادة باقية فينا إلى أن نلقاه سبحانه يوم القيامة، وهذه الشهادة لا تنفك عنا مهما حصل لنا منذ ذلك الحين وحتى نلقاه سبحانه سواء آمنا أو كفرنا وسواء صلحنا أم فسدنا وسواء كنا من أهل الفترة أم من أصحاب الرسل .

والدليل على ذلك قول الله في الآية على سبيل التعليل والتسبيب: { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}(الأعراف 172)، أي كي لا يأتي أحدنا يوم القيامة قائلا إني غفلت أو إني نسيت.

وهذا الأمر الذي أشهدنا عليه الله إما أن يكون من قبيل العلم والعقل قد فرض علينا في عقولنا فنحن لا محالة نذكره من خلقنا ونعقله بالصدفة فلن نغفل عنه ولن ننساه، وإما أن يكون قد جعل في خلقتنا وفطرتنا وهو باق فينا لا يفارقنا حتى نلقاه سبحانه وتعالى، ولا علاقة له بالعقل بل يكون في القلب والوجدان فيشعر به الإنسان، كل إنسان، بعد أن يولد في هذه الدنيا بفطرة، ومن ثم يدركه العقل ويحس به الإنسان حين يصبح مميِّزا .

ولمعرفة أي الأمرين هو، نقول إن الله عز وجل يقول : {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا }(النحل 78)، فالآية صريحة إذا بأن الإنسان أول ما يولد لا يكون عنده علم البتة ، والعلم لا يكون إلا علما ضروريا أو علما بالنظر أي يحتاج منا إلى تفكر وتأمل للوقائع التي نريد أن نحكم عليها ونصدر بصددها الأحكام، وكل من العلمين مكتسب وليس فطريا، إذ حتى العلم الضروري لا يكون إلا بعد الولادة بفترة أي عندما يصبح الإنسان مميِّزا أو مفكرا، ولا خلاف بأنه يولد على غير ذلك وكذلك العلم الذي يحتاج إلى نظر وتأمل فإنه لا يكون إلا عند العقل، إذا فالشهادة التي شهدناها ليست من قبيل العلم وليست من قبيل العقل ولما كان الإنسان لا يمكنه أن يدرك أو يميز إلا من خلال العقل أو الغرائز ولا ثالث لهما لم يبق إلا أن تكون هذه الشهادة التي شهدنا عليها لا بد أن تكون غرائزية أي فطرية فطرنا الله عليها وجعلها في خلقتنا لأمر أراده هو، فلننظر في الآية ولنمعن النظر لعلنا نهتدي إلى ذلك السبب الذي من أجله أشهدنا على ربوبيته .

يقول” ابن الأثير” كما ورد في لسان العرب في قول رسول الله  :  >كل مولود يولد على الفطرة ….< الفطر الابتداء والاختراع ، والفطرة منه الحالة ، كالجِْلسَة والرِكْبَة، والمعنى أنه يولد على نوع من الجِبِلَّة والطبع المُتَهَيَّئِ لقبول الدين…..) وهذا قول حق إذ أن الله في الآية قال {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا }(الأعراف :172)، والغاية من ذلك، قال تعالى : {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} وهذا يقتضي أن هذا الأمر الذي استودعه الله الإنسان لا يمكن بحال من الأحوال أن يغفل عنه أو ينساه فلميبق إلا أن يكون مجبولا عليه وهو شيء من تكوينه الخلقي فالأمور العقلية يمكن أن يغفل عنها الإنسان أما الجبلة والفطرة فليست كذلك فهي جزء من الإنسان وليست طارئا عليه مثل العقل.

والغاية من هذا الأمر الفطري هي أن يكون الإنسان مستعدا مهيأ لقبول الدين الذي سوف يبعثه الله على يد رسله، والعقيدة التي بعث بها كل الرسل كانت عقيدة واحدة هي ملة التوحيد ملة إبراهيم وعيسى وموسى عليهم السلام، وهي تفرد الله بالربوبية والألوهية والعبادة، وهذا هو عينه الذي فطرنا الله عليه وهيأنا له، فإذا ما بعث الله رسالة التوحيد إلى إنسان فإنه يكون حينئذ شاعرا باحتياجه لمثل هذا، فهو قد توطأت نفسه منذ خلق على البحث وانتظار مثل هذا الذي بعث الله فهو خلق لهذا، ولهذا خلق، فسرعان ما تتجاوب نفسه وغريزته مع مثل هذا الذي اقنع العقل فأفحمه وهز الفؤاد فخلعه استجابة عقلية بالحجة والمنطق واستجابة فطرية منغريزة التدين والشعور بالنقص والعجز والاحتياج وعندها يقتنع العقل وتؤيده الفطرة ويطمئن القلب .

وإذا ما عرض على الإنسان الشرك بالله سواء كان من أب أو من أي إنسان كان، فإنه علاوة على أن العقل يرفضه ويأباه لأن الشاهد في الكون والإنسان والحياة كلها يشهد أن لا اله إلا الله فإن فطرته تأباه كذلك، فإذا ما حرف عنه لسبب من الأسباب فإن فطرته تبقى تنازعه فيه وترفضه حتى يلقى الله بلا حجة عقلية وسيجد حينها نفسه شاهدة عليه لا معه ،قائلة يا رب إنني نازعته شركه ولم أقبله وكنت أشعره بهذا الذي هو من تكوينه .

ففطرة الإنسان فطرة سوية سليمة وهي في ذاتها منَّة من الله على المؤمنين فهي تهيئَة من الله للإيمان وليس للكفر، بل هي لا تقبل إلا الإيمان بالله الواحد وترفض الكفر والشرك، فهذا فضل من الله ومنَّة على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أهمية تلقين العقيدة الصحيحة

لا شك أن تأسيس العقيدة السليمة منذ الصغر أمر بالغ الأهمية في منهج التربية الإسلامية، و أمر بالغ السهولة كذلك.

فالله سبحانه و تعالى قد تفضل على بني آدم بأمرين هما أصل السعادة :

> أحدهما : أن كل مولود يولد على الفطرة كما في الصحيحين عن النبي  أنه قال:  >كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه<.

> الثاني: أن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة، بما جعل فيهم بالفطرة من المعرفة و أسباب العلم، و بما أنزل إليهم من الكتب و أرسل إليهم من الرسل.

و لذلك اهتم الإسلام بتربية الأطفال على عقيدة التوحيد منذ الصغر، و من هنا جاء استحباب التأذين في الأذن اليمنى، والإقامة في أذن الطفل اليسرى.

و لقد اهتم رسول الله  بالأطفال، فغرس في نفوسهم أسس العقيدة، فهذا عبد الله بن عباس ] يعلمه رسول الله  : >يا غلام إني أُعلمك كلمات : >احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، و إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، و إن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كـتبه الله عليك، رُفعت الأقلام و جَفَّت الصحف<(رواه الترمذي وقال حديث حسن).

إن الإجابة السليمة الواعية عن تساؤلات الأطفال الدينية بما يتناسب مع سنهم ومستوى إدراكهم وفهمهم أمر ضروري مع اعتدال في التربية الدينية لهم وعدم تحميلهم ما لا طاقة لهم به وكذا الاقتداء بأخلاق سيد الخلق في سلوكه وتعامله مع الأطفال.

المراجع المعتمدة :

أبو الأعلى المودودي (المصطلحات الأربعة في القرآن ص26 فما بعدها)

منهج التربية الإسلامية محمد قطب 2/164

الفتاوى لابن تيمية 14/283-294

د.عمر آجة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *