التربية على ثقافة القيم  في “الأديان” السماوية


تخطئ الأقلام والاختيارات -المغرر بها أيديولوجيا، أو التي تجعل الدولار على رأس أجندتها الفكرية- حينما تضع الأديان الكتابية الثلاثة (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) في سلة واحدة! وخلف هذه الأقلام وهذه الاختيارات تقبع الماسونية المعلنة والمضمرة. إذ هي التي تسعى إلى جعل الأديان كلها في كفة واحدة، وتوجه الحساسيات السياسية والفكرية نحو تحقيق هذا الهدف والمبتغى! ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الاختيارات تحظى -من طرف السياسات الرسمية القائمة- بالعناية الزائدة، والدعم والتشجيع. وتعمل من خلال المواقع المتنفدة على إشاعة هذه الثقافة، وتربية النشء عليها.

ومن القضايا الفكرية والعقدية والأخلاقية، التي تروج لها، بل وتضع المناهج التربوية من أجل تمريرها، كون الأديان السماوية الثلاثة كلها توحيدية وكلها تدعو إلى الأخلاق وحماية وتحصين الإنسان من خلال التربية الروحية.

ويفهم من هذا التسويق الفكري أن لا فرق بين الأديان، فعقيدة التوحيد موجودة في كل الأديان السماوية اليهودية، المسيحية، والإسلام، كما أن الدعوة إلى الاعتناء بالروح حفاظا على توازن الإنسان، دعوة واحدة، ثم إن القيم والأخلاق قواسم مشتركة بينها أيضا.

هل الأديان السماوية توحيدية؟

– لابد من التنبيه إلى أن المنزلق الأكبر، إنما ينشأ من الثقافة التي تربي الأجيال على أن عقيدة “التثليث” المسيحية هي عقيدة توحيدية. فشتان بين تثليث المسيحية (الآب، الإبن، الروح القدس)، والله الواحد الأحد الفرد الصمد في التصور الإسلامي. لو كانت عقيدة التثليث توحيدية، لما قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد}(المائد: 75) إن الترويج لثقافة تسمي التثليث توحيدا، إنما هو ترويج لكفر بواح، قبل أن يكون تسويقا لمعطيات غير منضبطةعلميا ولا تصمد أمام الحقائق!

– وما يقال عن “تثليث” المسيحية، يقال كذلك، عن ألوهية التوراة. إن الكتاب المقدس، بين أيدي اليهود، يصف الله بصفات الضعف والجهل والتشبيه…

فهو إله يسكن البيت والخيمة(1)، ثم يخرج إلى الناس فيُرى ويُكَلَّمُ وجها لوجه كما يكلم الرجل صاحبه، مثلما فعل مع موسى(2). وهو يمشي مثل البشر حتى يُسْمَعَ لخطواته صوت، ويَعِدُ آدم وحواء، ثم يكذب في وعده(3). وهو إله يعمل طيلة الأسبوع حتى يتعب، مما يفرض عليه الاستراحة في اليوم الأخير منه(4).

وهو ينسى ويندم لإنزاله العقوبة على “شعبه المختار”، لذلك يضع قوسا في السماء تُذَكِّرُهُ، فلا ينزل عقابه عليهم(5). ومن أجل هذا “الشعب المختار” يسرق الإله الأرض من أهلها الكنعانيين، ويقدمها هبة مجانية لشعبه إسرائيل(6). وقد يحدث لهذا الإله أن يعتدي على واحد من شعبه، وحينئذ يُغْلَبُ على أمره من طرف العنصر اليهودي(7).. فاليهود يعتقدون أن الإنسان اليهودي قادر على قهر الله نفسه، كما هو واضح من قصة صراع يعقوب (إسرائيل) مع الله، وانتصاره عليه. فهل يتساوى الله الواحد بالتغليب المقهور أمام أحقر خلقه وهم اليهود، مع إله قاهر فوق عباده كما يثبته القرآن الكريم في قوله تعالى : {وهو القاهر فوق عباده}!؟ هل توحيد الله تعالى يكون بإفراده بالقوة والقهر والغلبة ومن ثمة الحاكمية، أم بإخضاعه وإذلاله أمام خلقه، ومن ثمة فرض أنظمة البشر وتشريعاتهم عليه!؟ أين التوحيد الخالص، من عقيدة تدين الله وتجرده من العالمية والقوة والجبروت. لا شك أن هذا الفهم السقيم للألوهية، إذا كان لا يلغي توحيد الربوبية، فإنه من دون ريب يلغي القول مطلقا بتوحيد الألوهية، أي الحاكمية وتلك مسألة علمية دقيقة، لم تخف في يوم ما على اليهود الذين جردوا هذا الإله الضعيف الجاهل من كل حقوقه في التوجيه والحكم! فشتان إذن، بين تربية تؤسس لإعلاء مقام الألوهية في باب توحيد الربوبية كما في باب توحيد الألوهية، وتقر، من ثمة بأن الله تعالى (له الخلق والأمر)، وبين ثقافة تقصر مفهوم التوحيد على الربوبية، لتغتال الله نهائيا، أو في أحسن الأحوال تعطل فاعليته في باب التشريع والتحكيم!

نخلص من هذا كله، إلى الاعتقاد الجازم المطابق للواقع المؤسس على دليل، إلى أن الأديان السماوية في صيغها الحالية ليست كلها توحيدية. والقول بذلك مساواة بين الحق والباطل وافتراء على الحقيقة العلمية!

هل للأديان السماوية قيم وأخلاق مشتركة؟

في باب القيم والأخلاق، لا تفتأ الأقلام والاختيارات -المشار إليها سالفا- تردد، من على منابرها  وفي منتدياتها وحتى ندواتها ومؤتمراتها، القول بأن الأديان السماوية الثلاثة، أساسية ومحورية في بعث الأخلاق وتربية الأجيال على القيم، فتلك مهمتها، وتلك هي القواسم المشتركة بينها!

وهنا من الضروري، تأمل هذه الأديان، إجلاء لهذه الحقيقة:

يُمَكِّنُ، الرجوع إلى “الكتاب المقدس”، من الوقوف على تناقض صارخ وخطير جدا في الموضوع!

– فالتواراة من جهة، دعت فعلا إلى التمسك بالأخلاق السامية، فحرمت السرقة والخيانة والزور والكذب والزنى والقتل والغدر… ودعت إلى الصدق والحفاظ على الأمانة… تماما كما دعت إلى الإيمان بالله تعالى وعبادته سبحانه.

– ولكن التوراة، من جهة أخرى -وهذا أخطر ما يمكن تصوره في باب القيم والأخلاق- أكدت أن هذه التعاليم، ليست للتطبيق والتنفيذ أبدا. وذلك حين قدمت نماذج من خيرة البشر -وهم الأنبياء والرسل- في صور خطيرة جدا ومخلة بالأخلاق والقيم! وهنا يمكن سوق الإثباتات العلمية التالية:

وصف سفر التكوين نوحا بأنه سكر حتى تعرى(8)، وأن إبراهيم باع عرضه مرتين(9)، وأن لوطا زنا بابنتيه(10)، وأن يعقوب كذاب ومخادع(11)، وأن يهوذا بن يعقوب زان بزوجة ابنه(12)، وأن يعقوب يغلب الله ويقهره(13)، وأن هارون مشرك وصانع عجل بني إسرائيل(14)، وأن طالوت مات منتحرا، وأن داود زان وقاتل(15)، وأن سليمان مات مشركا(16)… والقائمة طويلة!

إن الاعتقاد بأن مقام النبوة غير منزه عن الأخلاق الساقطة، هو الذي جعل الإحساس بالأخلاق والتزام القيم يفتر في ثقافة وتربية وتصور الإنسان اليهودي في العالم كله وعبر الأزمنة كلها. فإذا كان النبي والرسول -وهو الذي لا يتصور في حقه سوى التجرد التام لله تعالى والامتثال المطلق لأوامره دقيقها وجليلها-، بهذه الصورة المنحلة أخلاقيا، فماذا بقي لمن دونه من الناس!؟ وإذا كان الله يحاسب الناس على سوء الخلق فلماذا لم يبعث ببشر يكونون قدوة في باب الأخلاق وفي مستوى ما يدعون الناس إليه!؟ إن دينا يحط الأنبياء، يستحيل أن يكون دينا يدعو إلى القيم والأخلاق ويحفز عليها! هذا التصور يفسر ما وقع لليهود من خرق لأحكام التوراة فيحضرة النبي عليه السلام، فقد روى البخاري في “المناقب” حدثنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا قَالَ عَبْدُاللَّهِ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ(17).

إن الترويج لثقافة الأخلاق والدعوة إلى الالتزام بالقيم، بوضع برامج تربوية تحمل الناس والنشء على القيم، لا معنى لها في ظل هذه النماذج المشوهة للأنبياء أنفسهم.

وللمقارنة، لا بد من الاعتراف بأن الإسلام ما دعا يوما إلى خُلُقٍ رفيع، وجرى مقام النبوة على خلافه! إن الأنبياء -السالفة أسماؤهم- منزهون -في التصور الإسلامي- كل التنزيه عن تلك السقطات التي ألصقها المحترفون في تحريف الكتب السماوية بهم. وكما أنه من الغرابة أن تدين الأديان السماوية الأولى الأنبياء بتلك الأخلاق الخبيثة، فإنه من الغرابة أيضا، الدعوة إلى ثقافة تساوي بين الإسلام الذي يدعو إلى تربية أخلاقية سليمة من التناقض والازدواجية، ويكون الأنبياءوالمرسلون بدون استثناء أبطالها، وبين اليهودية التي تجعل الأنبياء والمرسلين من الفساق والمجرمين المحترفين الكبار! أي عقل يستسيغ مساواة النبي المجرم كما في “العهد القديم” كما يتصوره هؤلاء، بالنبي المقبل على الله تعالى كما في القرآن الكريم!؟

فهل بعد هذا، يمكن الادعاء بأن هناك أخلاقا مشتركة بين اليهودية والإسلام!؟.

إن ازدواجية الثقافة الأخلاقية، المتسمة بالتناقض التربوي السلوكي، هي التي تمثلها سلوكات اليهود حالياً في العالم كله، إذ نلحظ أناسا غير قادرين على الالتزام أخلاقيا، مع أي مجتمع من المجتمعات أو جهة من الجهات وغير مستعدين للوفاء بكل التزامات حتى التي صادقوا عليها هم أنفسهم وأمام العالم كله!

– ليست المسيحية أحسن حالا من اليهودية، في باب القيم والأخلاق ومخالفة التصور الإسلامي. بيان ذلك من خلال ما يلي:

لقد دعت المسيحية، كما صاغها الإنجيل، إلى القيم والأخلاق, ولم يترتب على الإخلال بذلك الالتزام شيء أبدا. بل وضعت شروطا ترفع التكليف بالمرة، وتطلق يد المجرمين المتنفذين لإتيان كل الخبائث والشرور مع الاحتفاظ لهم بالحظوظ الوافرة في الحصول على الملكوت مع يسوع المسيح!!.

لقد دعت المسيحية إذن، إلى معظم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام! إلا أن ما لا يمكن تجاوزه، هو أن القرآن الكريم احتفظ بنص النص وروحه خدمة لنفس الهدف وهو الوحدة الأخلاقية غير القابلة للازدواجية بخلاف الإنجيل، الذي حرم الكذب وشهادة الزور والقتل والزنا والسرقة والظلم والتخريب… بل ودعا حتى لمسامحة المذنبين والدعاء لهم وحبهم… وغيرها! لكن الإنجيل نفسه رفع العمل بالأحكام حين طلب من كل مسيحي الالتزام بالإيمان فقط بيسوع مخلصا من الذنب الأصلي الذي لم يحضره واحد من البشر. ولم يكن واحد منهم سببا فيه غير آدم وامرأته! إن الإيمان بالخلاص، إعفاء تام وشامل من التزام أحكام الإنجيل. وهو ما يفسر قابلية المسيحية للانصهار التام في كل المجتمعات غير الملتزمة أخلاقيا. إن القسيس ينتصب للمغفرة يوم الأحد -وحتى في غيره من الأيام-، ليتلقى شهادات الناس واعترافاتهم بأن كل واحد منهم قد أتى من المنكرات ما تخر له الجبال وتهد له هدا. وهذا السلوك اللاأخلاقي، يطلق يد المسيحي في المجتمع ويكسبه تحررا زائدا، فالقسيس هناك عند الحاجة، هو مثل المنظف الذي يلاحق أوساخ الموائد. فلا غرابة في أن نرى في الواقع قسسا تدعو في واد إلى التسامح، وسياسات المسيحيين تشن الحروب الصليبية وتقيم محاكم التفتيش…!

لم يكن الإسلام ليتبع هذا النهج المتناقض أخلاقيا، إنما أمر بالامتثال والانضباط لأوامر الله تعالى، التي تتجه نحو منحى واحد، وهو الامتثال الأخلاقي، والالتزام مع الله تعالى ومع الذات ثم الناس! وبخلاف يسوع المسيح الذي حرم الزنا -حسب زعمهم- ثم غفر للزانية -بأن أمر من كان يريد رجمها، بأن لا يضربها إذا سبق له أن أخطأ هو أيضا-، في حين إن محمدا صلى الله عليه وسلم حرم الزنا ووقف عند حده يطبق ويلتزم بحذافيره.

فهل بعد هذا، يمكن الادعاء بأن هناك أخلاقا مشتركة بين المسيحية والإسلام!؟.

فالأخلاق أحد هذه الميادين التي تصر بعض الجهات على رؤية الأديان موحدة من خلالها.

إن المسلم يتقيد بأخلاق واحدة يحددها النص. وليس لها تعارض أو تناقض مع ممارسة الأنبياء أو الجيل الفريد ممن نالوا صحبة الرسول الأكرم عليه السلام، ومعاينة التنزيل.

——-

1- صموئيل الثاني7/1-8.  // 2- الخروج33/11-12.

3- التكوين3/8.   //  4- التكوين2/2-42.

5- الخروج9/13-17.  // 6- الخروج12، 15، 17.

7- التكوين 32/24-32.  // 8- التكوين9/20-29.

9- التكوين12/10-20.  //  10- التكوين19/30-39.

11- التكوين27.  // 12- التكوين28/12-30.

13- التكوين32/24-32.    //  14- الخروج32.

15- صموئيل الثاني 11+12.    //  16- الملوك الأول11.

17- رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب قول الله تعالى: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}. رقم الحديث: 3635.

ذ.لخضر زحوط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *