ما يضر البحر أمسى زاخرا أن رمى فيه غلام بحجـر


 

أبو العلاء المعري

إذا حملتك قدماك يوما إلى شاطئ البحر، واستغرقك التأمل في ملكوت السماوات والأرض، ووجدت نفسك أمام هذه الآيات الربانية العظيمة تردد في أعماقك بخشوع قوله تعالى : {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}، ثم وأنت بنظرك الحسير تمسح صفحة مياه الشاطئ السادرة الزرقة، المرقطة ببياض أبدي يمور موْرا، بدءا من العمق الذي لا يكاد يدركه بصرك وحتى ارتماء المويجات الصغيرة عند قدميك….  هناك قارئي، جِدْ لنفسك موضعا على البساط الرملي المترامي الكثبان بلا حدود، وتَرَيَّثْ أمام الكتاب الأزرق المفتوح مقابل ناظريك، عملاقا في مواعظه وعبره، كتاب البحر، وستدرك أن الكون رهين سنن ربانية حكيمة تسري على الإنسان كما الطبيعة، وآنذاك ستنطلق إلى الحياة كائنا جديدا ينشد العبودية لله سبحانه، ويتبع سننهذه العبودية بكل انضباط وإخلاص ويقين بأن ما شاء الله كان، وأن سنة إخراج الحي من الميت والميت من الحي، ماضية حتى تقوم الساعة.

تأمل في نشأة الموج وموته، وبين الرحلتين ستتجلى لك العظمة الربانية الباهرة، فالماء يبدو في أعماق البحر هادئا ثم تراه ينتفخ رويدا رويدا ليأخذ شكل الموجة الصغيرة التي تكبر حثيثا مع اقترابها من الشاطئ، حتى لتراها كالجبال، كما جاء في قوله تعالى في سورة هود آية 42 {وهي تجري بهم في موج كالجبال}، فإذا قاربت الساحل انطوت، وسقطت بكل عنفوانها وقوتها لتستحيل إلى نتف موج أبيض، صاخب الارتطام، سرعان ما يخبو عند قدميك خائر القوى، هينا لينا لا يقدر على شيء، ولو مددت يديك لم تكد تملؤها منه وهو يلفظ أنفاسه على الشاطئ، في حين لو فكرت أن تتصدى له وهو في أوج عنفوانه أو حاولت أن تصلب قامتك في وجهه لكنت لا محالة هالكاً أو كنت في أيسر الأحوال ستكسر منك الأضلاع، أو يرمي بك هذا الموج العاتي بعد خضك ورجك إلى الشط منهكا خائرا….

أليس الإنسان يا قارئي أشبه بهذه الموجه المتجبرة في رحلة خلقها صغيرة ضعيفة ثم تقَوِّيها في عز شبابها وجبروتها، وأخيرا انحدارها وخَوَرها إذ تقارب الفناء، وهو ما يصفه سبحانه ببلاغة بأرذل العمر؟،  وكذلك الدول والحضارات.

ودون أن نردد في تبسيطية فجة مع المطرب المغربي عبد الوهاب الدكالي: “فين الرومان وقارون وهامان”، فالسؤال أوضح من أن يطرح، فقد احتجنا إلى هذه الجلسة التأملية في سفر تكوين الموج فقط لنستعين بها في حلقتنا هذه الثالثة حول مقتل المخرج الهولندي ثيوفان جوخ على يد المواطن المغربي العجول، لنتدبر (كما قلنا آنفا) في سلوكياتنا وتصوراتنا قليلا على ضوء هذه اللوحة البحرية الرائعة المواعظ والعبر.

إن العدوان المترادف على الأمة الإسلامية من قبل النمور الورقية الغربية يجب أن لا يجعلنا في غطرسته وجبروت وسائلَ استكباره، نركن إلى اليأس والقنوط في مختلف تجلياته، فنحن إما مستقيلين من همِّ الأمة مرددين في أعماقنا:” لهلا يقلب”، أو متكئين إلى زاوية عزلاء، مستغرقين في دروشة أبدية، ذاهلين عن العالم وقضاياه وهمومه، أو نحن فوارون كحبات القهوة حين تدركها حرارة الموقد، فنمتشق خناجرنا وسيوفنا ونعيث في الآخر ذبحا لأنه سبب تخلفنا ولا قدرة لنا على مواجهته، غطرسة بغطرسة، ففي كل هذه الحالات سنخسر حتما موعدنا مع النهوض الحضاري…

إن الله سبحانه لا يخلف وعده، وكل من عليها فان، والقوة أيام، يداولها سبحانه وتعالى بين الناس، وكما الموج فعمرها مهما طال إلى زوال، ومهما اشتد وطغى صاحبها إلى انتهاء، ونحن مأمورون في إطار عبوديتنا لله سبحانه ببذل الأسباب، وتوخي عوامل النصرة في أنفسنا وفي أنفس من نحمل إليهم مشاعل الدعوة وأنوارها، والعجلة والاندفاع حد التهور ليسا ضمن شروط النصرة، إذ لكل أجل كتاب، والأجل يحدده سبحانه لا نحن بخناجرنا وسيوفنا، خاصة ونحن لسنا في بلدان حرب مباشرة علينا، كما في فلسطين والعراق حيث قال سبحانه : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}(البقرة : 189).

ولنكن عادلين قليلا، فقد حكت لي إحدى قريبات زوجي عن أخت لها تقطن بهولندا في إطار هجرة عائلية للأم والأب والأبناء باستثناء هذه الأخت القاطنة بالمغرب والتي سردت لي قصة أغرب من الخيال في حسن معاملة بعض هؤلاء الأغيار من النصارى لأبنائنا، فقد كانت أختها تشكو من مرض نفسي وهي بالديار الهولندية، وبطلب من طبيبها المعالج وهو هولندي، وهبت لها السلطات الهولندية بيتا مستقلا عن بيت والديها بدون مقابل لكي تحيى بعيدا عن الضغوطات النفسية العائلية، وعينت لها هذه السلطات المختصة مساعدة اجتماعية ترافقها في حلها وارتحالها وتقضي كل حاجاتها حتى في نزهاتها، فهي كظلها، ناهيك عن مساعدة مالية تقيها ضنك العمل في الخارج !!..

ويحكي أحد معارفي عن مغربي كان يعمل لدى يهودي، فأخذ له  هذا اليهودي جملة من حقوقه وطرده من العمل، فاشتكاه إلى أحد رجال الدين من اليهود القاطنين في بلادنا، فاستدعاه هذا الأخير، وغضب عليه غضبا عارما، بل وأمره أن يعيد للعامل المغربي كل حقوقه قائلا له: ” أتريد أن يقال عنا بأننا كالعرب، ظالمين وآكلين لحقوق الناس رُدّ إليه حقه”. وإن حكايات العائدين من المهاجر عن المعاملات الشهمة لبعض أهل الديانات الأخرى لأبناء جالياتنا لما يحير اللبيب، فمالها أمة من أوتي مكارم الأخلاق  لا تستحضر إرثها وتلقي بضاعتها النفيسة لتلقف ما يأفك المبطلون منهم، حتى وإن جاءوا بسحر عظيم،  بضاعة قوامها المقارعة بالحجة ومن جنس الحجة وبأسباب دنيوية راشدة تفضي إلى النصرة الربانية الموعودة. قال سبحانه وتعالى: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} (الأعراف : 117- 121) .

وختاما ما أروع قول الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري :

ما يضر البحر أمسى زاخرا

أن رمى فيه غلام بحجر

وما أحوجنا إلى أن يعود هذا الدين كما البحر زاخرا، (كما كان)،أما رماة الحجر فسرعان ما سينال منهم التعب ويرحلون، وتستمر ملحمة الكر بعد الفر، أحب من أحب وكره من كره.

ذة.فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *