قبلة على جبين الشاعر الراحل محمد الحلوي


بعد أن فرضت الحماية الفرنسية نفسها على البلاد بعشر سنوات، كانت ولادة الشاعر المرحوم محمد الحلوي، سنة 1922م. والثورة الريفية بقيادة محمد عبد الكريم الخطابي في درجتها المتأججة، تمت ولادته بمدينة مراكش، خلافا لما يعرفه الكثيرون. حيث كانت والدته في زيارة عائلية، فجاءها المخاض بعاصمة المرابطين. فيما رواه لي أحد أفراد عائلته المقربين بفاس. وللشاعر في هذا الأمر، قصيدة شعرية يأسف فيها على بعض المظاهر الاجتماعية السيئة في المدينة الحمراء، يشير فيها إلى أنها مسقط رأسه يقول فيها :

إن تكوني مسقط الرأس الذي

أبصرت عيني به النور الجميل

فأنا غير ملوم في الأسى

غير معتوب على هذا العويل

نشأ الشاعر الراحل، في أسرة محافظة متدينة، بمدينة فاس، فأشرفت على توجيهه وتكوينه بالأسلوب الذي كانت تراه مناسبا ومفيدا وصالحا…

يقول في رسالة خاصة منهرحمه الله : “وجهني الوالد منذ البداية إلى المسجد والكُتّاب، وانتهت المسيرة بتخرجي من جامعة القرويين التي قضيت بها اثنتي عشرة سنة، أحرزت بعدها على شهادة العَالِمِيّة : (الإجازة) في اللغة العربية وعلومها والعلوم الدينية والشرعية، سنة 1947م. وهكذا تحققت آمال الوالد الذي كان يريد أن يراني من أهل العلم وطلابه، وكان أسلوب التربية في هذه الحقبة يتسم إلى  حد بالقساوة على  الأبناء، والإسراف في مراقبتهم بدافع الحب والرغبة في تنشئتهم على المثالية والفضيلة. ولم أسلم في تربيتي من هذا القانون الذي أصبح تقليدا لكل الأسر المحافظة، ولا شك أن تأثري بهذا الأسلوب المتبع في التربية يومئذ طبعني إلى حد ما بالميل إلى الوحدة والظل والانعزال عن الناس.. وقد مرت عَلَي ظروف كنت فيها أكثر اقتناعا بجدوى هذه الطريقة، نتائجها وإيجابياتها، وإن رأى فيها البعض نوعا من التزمت وضربا من التعقيد”.

ويضيف في هذا التصريح في الرسالة  : “وعلى كل, فالإنسان ليس حرا في أن يولد أو لا يولد، وليس حرا كذلك في اختيار أسلوب التربية التي يربَّى عليها”.

وحين اختارت له الأسرة أن يتعلم في القرويين، فهي تختار أن يكون من علمائها وفقهائها الذين سيتولون المهام الوطنية في البلاد، وكان إلى جانب التعليم الديني العربي الذي انخرط فيه الحلوي، تعليم آخر من نوع غير النوع، وهوية غير الهوية، هو التعليم الفرنسي.

ففي القرويين والمدارس الوطنية التي أنشأتها الحركة الوطنية بديلا للتعليم العصري الفرنسي، نشأت دعوة الإصلاح والسلفية الحديثة على غرار دعوة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في المشرق العربي والاسلامي، وأشرف العلماء والطلبة والوطنيون والشباب المتعلم على تسيير الحركة الإصلاحية والتحررية ودمجها بالعمل السياسي النضالي.

وحين التحق الحلوي بالتعليم الثانوي والعالي، كانت الحركة المشار إليها قد “عملت بمختلف جهودها على تنظيم القرويين تنظيما صحيحا، وحشد طلبتها في صعيد واحد، لمقاومة كل تيار يضر بالروح التقدمية ـ حسب مفهومها آنذاك ـ في الجامعة الدينية العتيقة” (الحركات الاستقلالية لعلال الفاسي ص : 200).

فأنهى  دراسته بها حين أحرز سنة 1947 على شهادة العالمية، ثم التحق سنة 1948 يعمل بالتعليم الثانوي المعروف بالتعليم الأصلي بفاس، وكان قد تم تنظيم مراحله، وفي سنة 1967 انتقل إلى تطوان، يعمل أستاذا ثم مفتشا للغة العربية في المدارس الثانوية بالشمال. إلى  أن أحيل على المعاش سنة 1982، وبقي يراهن تطوان ومارتيل، يترقب المناسبات الدينية والوطنية والقومية، والإنسانية، فينظم فيها أشعاره المعتادة.

كان الشاعر المرحوم في الأربعينيات والخمسينات من شعراء الطليعة المتفتحين على الاتجاهات الشعرية الحديثة في المشرق وفي المهجر الشمالي، يعارض وينسج على المنوال تارة، ويبدع فيتفوق تارة، وخاصة في عهد الشباب، وكثيرا ما صفق له الشعب المغربي، وتغنى بأشعاره الوطنية والوجدانية التي كانت تواكب الحركة التحررية في البلاد، فأحلته المكان المتميز بين زملائه الشعراء الشباب، ممن أثاروا حماس الشعب وتغنوا بالوطن والعرش، فنال كثيرا من التشجيعات المادية والمعنوية في مناسبات عدة، وخاصة عيد العرش الذي كان تاريخه يوم 18 نونبر من كل سنة، عيد أحدثه الوطنيون لقطع الطريق على المستعمر الذي كان يعمل للإيقاع بينهم وبين الملك.

وكثيرا ما كان يضيق الحال بالوطنيين فيما يقولون ويفعلون، وهم يمارسون نشاطهم الوطني السياسي والثقافي، يوضعون في القائمة السوداء، ويصبحون من المغضوب عليهم، ويحكم عليهم أو على بعضهم بالنفي والسجن، منهم الشاعر المرحوم الذي سجن لمدة سنة ونصف، أنشد خلاله قصيدة حزينة عن وجدانه المضطرب، وغربته القاتلة هو وإخوانه السجناء من العلماء والمثقفين، يُصْلَوْنَ التعذيب والتنكيل والإهانة, ويجبرون على الأعمال الشاقة.

يقول مخاطبا أحد رفقائه, هو العابد الخرسفي :

أعابد، لولا السجن ما ضمنا الأسى

ولولا عوادي الدهر لمن نغترب معا

كلانا بعيد عن بلاد نما بها

فتيا، وفي أحضانها قد ترعرعا

فإن أنس لا أنسى عشية حلقت

علينا عِصِيُّ لم تَدَعْ قَط موضعا

وفي غمرة أحداث سنة 1944، وما بعدها، يقول ناشر ديوانه الأول (أنغام وأصداء) : ضاع للشاعر أكثر شعره المناضل، ولم يسلم منه إلا القليل، فقد كان الاستعمار يحكم قبضته على البلاد، وعلى الوطنيين والمثقفين خاصة، يصادر أعمالهم، ويراقب ألسنتهم الناطقة، فيعمل على إخراسها تارة، وبترها تارة، وبقي الشاعر صامدا في عهد الحماية، صامدا في عهد الاستقلال، حيث أصبحت الثقافة العربية والدينية تستهدف من أعدائها…

ينشر أسفاره في هدوء وفي غضب، يشيد بالثورة الفلسطينية وبأطفال الحجارة، ويغضب للصراعالداخلي في لبنان، وللهجمات العدوانية في أفغانستان والعراق وفي الصراع المفتعل في الصحراء المغربية المسترجعة، ولم ينضب قلمه إلا بنضوب دمه.. حيث وافاه الأجل المحتوم بمنزله بمارتيل.

رحمه الله وأسكنه فسيح الجنان، إنه حنان منان.

وللشاعر الراحل  أعمال مطبوعة :

1- ديوان شعر : أنفاح وأصداء ط 1965

2- ديوان شعر : شموع ط 1989

3- ديوان شعر : أوراق الخريف ط 1996

4-  أنوال : لوحات شعرية 1986

5- معجم الفصيح المهجور

د.عبد القادر النفيسي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *