حجوا قبل أن لا تحجوا!!


في موجبات الحج

لقد فرض الله على المسلمين ا لمكلفين البالغين المستطيعين الحج، ولو مرة واحدة في العمر بشرط توفر الاستطاعة، والاستطاعة التي شرط في وجوب الحج : تعني توفر المال الكافي لأداء الفريضة، والمال الكافي لمن يَعوُلُهُ في غيبته. وأن يكون قادرا ببدنه على  أعباء الحج وتكاليفه.

فكل من توفر له ما يكفيه من المال للذهاب والإياب، وما يكفي لسد حاجيات أبنائه وكان قادرا على تحمل مشاق السفر، فالحج في حقه قد وَجَبَ. أي : على الفور : ومن كان متوفرا على ذلك ولم يحج كان آثما، لتهاونه في أداء ركن من أركان الاسلام لما رواه أصحاب السنن أن النبي  قال : “حُجُّوا قبل أن لا تحُجُّوا”. وقد كان الناس يحجون على الأرجل. فكيف وقد توفرت وسائل السفر السريعة والمريحة في هذا العصر؟!.

فكم من الناس يستطيعون الحج ولا يحجون ويتهاونون ويؤخرونه إلى وقت الشيخوخة، وقدلا يستطيعون أو يموتون بغير حج، وغالب أولائك تغلغل حُبُّ الدنيا وجَمْعُ حطامها في قلوبهم، وكأنهم يخلدون فيها.

في مسند الامام أحمد عن النبي  فيما رواه عنه ابن عباس أنه قال : “تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم  لا يدري ما يَعْرِضُ له” أي ما هو مُقبل عليه إما من الكِبَر والهَرَم، وإما من الموتِ.

إننا نعيش في زمان ساء فيه فهم الدين، وقل فيه الناصح الأمين وتخاذل فيه كثير من الناس. فأهل الاستطاعة التامة لا يحجون، وبعض الفقراء الذين لا استطاعة لهم يرغبون في الحج ولا يستطيعون، والمسؤولون في كل عام يرفعون سعر تكلفة الحج، ولا يراعون فقيرا ولا مسكينا شغوفا لأداء ما فرض الله عليه. نسأل الله تعالى أن يوفقهم لتدعيم صندوق الحج.

ثم نجد الحجاج يجمعون تكلفة الحج، ويضيفون لها ضعفا أو يزيد لشراء التوافه التي لا تلزمهم، وكل هذا يعملُ على إضعاف نفوس الكثيرين من الراغبين في الحج.

لقد انقلب فهمنا للدين ولأولوياته، فأصبحنا نقدم ما يلزمه التأخير ونؤخر ما يلزمه التقديم.

نترك الفرائض ونقوم بأداء المندوب أو المستحب فكم من الناس يعتمرون قبل أن يحجوا، وكم من الناس حجوا فرادى، ولا يساعدون الضعفاء لأداء الحج؟!.

أن الفهم الحقيقي للحج لا يتم إلا بفهم أحكامه ومقاصده. فما هي أحكامه ومقاصده؟

أحكام الحج ومقاصده

فأما أحكامه فيطول شرحها، ولا بد من فهمها بتفصيل. وهذا ما تقوم به عددٌ من المراكز العلمية حيث تقوم بدورات تدريبية وعلمية لصالح الحجاج فينبغي لمن كان عازما على الحج أن يحضر باستمرار ويسأل حتى يكون عالما بأحكام الحج كلها، وإن بقي له ما يسأل عنه, فليسأل أهل العلم قبل قيامه بالمناسك.

وأما مقاصد الحج فهي كثيرة ومنها :

1- أن يتطهر الحاج ويُنقى من الذنوب والمعاصي، فيعود بعد الحج بولادة جديدة، كما ولدته أمه نظيفا من الذنوب لما جاء في الصحيحين “من حج فلم يرفثولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”

2- أن يحضر بنفسه ويرى بعينيه أول بيت وضع لتوحيد الله وعبادته، ويتذكر بذلك وحدة الدين وأخوة المسلمين من عهد إبراهيم عليه السلام إلى الآن. قال تعالى  :

{إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى  للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} وقال تعالى  {وإذ بوأنالابراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم}(الحج : 26).

وأن يتذكر أحوال النبي  وصحابته في بداية الدعوة الاسلامية وما لا قوه من ظلم واضطهاد وتشريد، ومع كل ذلك صبروا واحتسبوا حتى وصل الدين إليك أيها المؤمن.

فقم بزيارة قبر النبي  والصلاة في مسجده بين منبره وقبره لأنه روضة من رياض الجنة ثم بالسلام على رسول الله وصحبيه أبي بكر وعمر وعلى آل بيته، ثم  بزيارة المقدسات الأخرى.

3- أن تجتمع بإخوانك المسلمين الذين جاؤوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم.

4- وتتعرف على أحوالهم فمن بات لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

فكيف نحقق مقاصد الحج لنفوز بحج مبرور ليس بيننا وبينه إلا الجنة؟

أولا : بإخلاص حجك لله تعالى، فلا يخالط حجك رياء ولا سمعة ولا شهرة، ولا رغبة في أن يقال لك الحاج، ولا خوفا من أن تُعَيَّرَ بعدم الحج. فاحرص على أن يكون حجك لله وحده.

ثانيا : أن لا تفسده برفث، وهو الجماع، ولا تنقصه أو تخل به بالفسوق والجدال. والفسوق كل أنواع المعاصي. “فمن حج لله، فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”.

ثالثا : أن تحج بالمال الحلال، فلا يكون مسروقا ولا مغصوبا ولا  عن طريق ربا أو رشوة أو غش، لأن  الله طيب لا يقبل إلا طيبا.

أخرج الطبراني من حديث أبي هريرة عن النبي  قال : “إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز -الرحْل- فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك، زادُك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور.

وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز. فنادى : لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء، لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور”.

رابعا : بالحرص على تعلم ما تؤدي به حجك قبل الدخول فيه، فتعرف الأركان والواجبات والمستحبات والمبطلات والمكروهات والمباحات. (الحضور للجلسات العلمية).

خامسا : بعزمك وصدقك على ترك الذنوب والمعاصي وعدم العود إليها.

سادسا : برد المظالم إلى أهلها قبل سفرك، وطلب المسامحة ممن أسأت إليه أو ظلمته بأي وجه من الإساءة والظلم.

سابعا : بأداء الديون التي في عنقك، وإن كان لك ما ترد به ديونك، فاكتب وصية تبين فيها مالَكَ وما عليك.

ثامنا : بعزمك على العود إلى بلدك وأنت كلُّك حرصٌ على الاستمرار في الطاعة وتجنب المعصية ورفاق السوء، وملازمة بيت الله تعالى، ولا يكُنْ حجُّك لعكس ذلك.

تاسعا : باغتنام وقتك في الحج لمضاعفة الحسنات فيه فلا تضيعْ صلاة الجماعة فصلاة الجماعة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه، والصلاة في المسجد النبوي تَعْدِل ألف صلاة في ما سواه فعن عبد الله بن الزبير] قال قال رسول الله  : >صلاة في مسجدي هذا أفضل  من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي<(حديث حسن رواه الامام أحمد والبيهقي).

عاشرا : بالصبر على الطاعة، وذلك بالقيام، وقراءة القرآن، وذكر الله، والطواف بالبيت، وما إلى ذلك. وبالصبر على المعصية وأخطرُها وأصعبُها  الصبر على العِشرة، لما يتولد فيها من خلاف ونزاع وفرقة وجدال وعناد وتسابٍّ وتشاتم  قد يؤدي إلى ضياع الحج. وبالحرص على حل المشاكل بهدوء وبلا نزاع.

فاحرص على الرفقة الصالحةالتي تعينك عند عجزك، وتنصحك عند خطئك، وتحفظ سرك وتَسْتُر عيبك، وتصبر على خطئك. وكن لها كما تكون لك.

إن الشوق إلى تلك الديار المباركة ليَهُز المشاعر ويُفعم القلوب، وإن من ذاق طعم الحج ليس كمن سمع به. فابذلوا جهدكم لاقامة هذا الفرض العظيم على الوجه الذي يُرضي الله، ويكون موافقا لسنة رسول  الله .

وفقكم الله وجميع المسلمين لأداء فريضة الحج على الوجه الذي يغفر الله به الذنوب ويستر به العيوب ويكفر به عن السيئات ويحقق فيه المطلوب والمرغوب.

اللهم اجعل حج حجاجنا مبرورا وسعيهم مشكورا وذنبهم مغفورا وأعمالهم متقبلة.

اللهم يسر للفقراء والمحتاجين سبل الاستطاعة لحج بيتك المحرم، ووَفّق المستطيعين لمغالبة الأنفس والشهوات حتى يتمكنوا من أداء هذا النسك العظيم. اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا وتلم بها شعثنا، وترد بها أُلْفتنا، وتصلح بها ديننا، وتحفظ بها غائبنا، وترفع بها شاهدنا، وتزكي بها عملنا، وتبيض بها وجوهنا وتلهمنا بها رشدنا وتعصمنا بها من كل سوء.

د.عبد الله الهلالي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *