تفسير سورة التغابن


قرناء الشياطين من المسرفين من أكبر معاول الخراب   لاقتصاد الشعوب

صار الإنسان قرينا للشيطان، حيث يجد الشيطان ضالته وبُغْيَته في المسرفين أكثر مما يجدها في البخلاء. البخلاء لا يطاوعونه لأنهم بخلاء، أما المسرف فإنه أخ للشيطان قرين له أينما يذهب به يتبعه. فأكثر أنواع الشر مصدرها المال في يد السفهاء من العرب وغيرهم الذين ينفقون بلا حساب على أشياء غير مشرفة.

الإسلام حذر من آفة الاسراف واتباع المسرفين

الإسلام حذر من هذه الآفة، ومع ذلك فالإسراف موجود عند الغربيين وعند الأمريكيين والأوربيين وفي جهات أخرى، وهو موجود أيضا عند الشعوب المتخلفة، وله مخاطر عليهم هم وعلينا نحن، لكن مخاطره علينا تأتي مضاعفة، لأننا تابعون لهم.

إن الإسراف عند الغربيين، هو جزء من عقليتهم الاستهلاكية لأنهم لا يجدون ملجأ، ولا يجدون متعة في شيء إلا في الإنفاق، الأوربيون لا يعرفون الله، لا يعرفونالفضيلة وإن كانوا يحاولون هم والأمريكيون أن يرسموا في أدمغتنا صورة لماعة يريدون أن يحفروا في أدمغتنا صورة النزيه، صورة الانسان الذي دائما يتصرف وفق الحق، ولكن الأمر عكس ذلك، فنحن رغم تخلفنا ألطفُ وأنظفُ الناس على وجه الأرض لما نتوفر عليه من ضمائر الإيمان، فنحن كمسلمين يأكل بعضنا بعضا فعلا لغفلتنا وبلادتنا، ولكننا نحن لسنا طغاة كما هم الآن طغاة، لسنا أناسا يتلاعبون بالحق، لا، لسنا أناسا ننفق على المنكر كما ينفقون، ا تفقوا على الباطل بالبوسنة والهرسك، ووقفوا مع الباطل في فلسطين والعراق والشيشان و…، يلبسون الباطل أثواب الحق، لهم تاريخ سيء في مختلف بقاع العالم، ولا عجب في ذلك، فهؤلاء الغربيون لا يعرفون الله ولا يتلذذون كما نتلذذ نحن بتقوى  الله، أنت تتلذذ بالصيام، إذا صمت يوما عشت فرحا، وحين تفطر تفرح، فأنت تغالب نفسك وتثبت لها أنك قادر على فعل شيء، إذن فأنت تجد متعتك في الصيام، تجد متعتك في الصلاة، في الحج، إذن المسلم لديه فرص كثيرة للمتعة.

عقلية الكافر عقلية استهلاكية لخواء روحه

أما الكافرون فماذا لديهم؟ ليس لديهم شيء من هذا، لذلك تنشأ لديهم هذه النزعة الاستهلاكية، ويحبون التغيير بكثرة، لديه اليوم ثلاجة، غدا يريد تغييرها، لديه هاتف يريد تغييره، لديه تلفاز يريد أيضا تغييره، إذن فهم يكذبون على أنفسهم بهذا النوع من الحياة، نحن نشتري الأشياء لنقضي مصالحنا ونحقق من خلالها مآربنا لا غير، ليست لدينا تلك النزعة الاستهلاكية التي لديهم.

فالإسراف عندهم له سببان :

> السبب الأول هو إرضاء الذات، إرضاء الإنسان، وتلبية داعي الشهوة فيه، الإنسان لا يتوقف عن الشهوة، لذلك دائما يبحث عن مجال جديد للاستمتاع، والشركات المتخصصة تعرف في الانسان هذه الرغبة، لذلك تحدث برامج وصحفاً تظهر للناس أحدث شيء، هناك جرائد إشهارية توزع على البيوت مجانا تعرض لأحدث المنتوجات الصناعية في عالم السيارات والأثاث وغيرها من المواد الاستهلاكية، الشيء الذي يدفع بالغربي إلى الذهاب واقتناء منتجات هذه الشركات، فهذا نوع من إمتاع الذات وتلبية أكبر ما يمكن من رغباتها بشكل أحمق.

> أما الباعث الثاني فهو إظهار التفوق على الشعوب الأخرى، وإظهار احتقار الشعوب الأخرى : كثير من المنتجات الآن ومن التجارب ليست البشرية في حاجة إليها، ومع ذلك تحرص أمريكا والغرب على التسابق نحوها من أجل إظهار تفوقها، ومن أجل غرس التبعية والذيلية والخوف في الشعوب الأخرى حتى لا تفكر في أن تقوم ضدها. لقد كان بعض الأمريكيين في أمريكا -وحتى عندنا وعند غيرنا من الدول- يقودون سيارات فخمة تستهلك وقودا كثيرا، لكنه إذا تعطلت به في الطريق يأخذ رخصته وأوراقه ويتركها ولا يعود إليها أبدا، ذنبها أنها تعطلت.

وليس كل مسرف أمريكي مستغنيا إلى هذه الدرجة، ولكنها الحرب النفسية على الشعوب الأخرى التي حين ترى مثل هذا الفعل تَعْظُم أمريكا في عيونها، وتظن أنها قوة لا تقهر، ولا يجب أن يُعصى لها أمر.

فهذا الإسراف عند الغربيين له هذه البواعث والأسباب، وله هذه الرسالة المشفرة والمفتوحة لتضييع أموالنا فيما لا يزيدنا إلا خرابا.

انعكاس هذا الإسراف علينا جعل كبار قومنا سفهاء في حاجة للحجر والترشيد:

هذا الإسراف عندهم ينعكس أيضا علينا، ولكن بطريقة أحدّ وأشد، لأننا لا نقتبس من ديننا، ولذلك فنحن أيضا نسرف وننفق في أشياء يعتبر إنفاق درهم فيها ليس أبدا إلا من قبيل الإسراف، فمثلا الاسلام ليس ضد الحديث عن الفن والرياضة وممارستهما، ولكن ما معنى أن تنفق على إصلاح مسرح. كمسرح محمد الخامس الذي أُعيد تنظيمه وتشييده وإصلاحه -منذ سنوات خلت-، ثم فتحه للفنانين الذين أعجبهم الأمر وفرحوا لذلك وهللوا لهذا الإنجاز الذي صرفت فيه أموال طائلة من أجل ذلك، إلا أن السفاهة تتجلى في عرض أشياء هابطة، لا فكرة فيها، ولا تصور، ولا مضمون، مع أن المسرح عند غيرنا له رسالة، ولكننا نحن نُلهي الناس بمسرحيات تافهة.

لسنا ضد المسرح، ولكن ضد العبث، والتفاهة، وتضييع الأموال بدون توفير فرجات هادفة تجعل الشعب يترقى في وعيه سواء مرة في الأسبوع أو في الشهرخصوصا إذا كانت تلك الأموال الضائعة تضيع على حساب مجموعة كبيرة من الشباب تريد خبزا وكساء، وعملا، وتأسيس أسرة، وليست في حاجة إلى مسرح لا روح فيه، ولا دور له في حياة الناس بل هذه الطائفة العريضة المحرومة لا تريد رفاهية ولا كماليات، وكلها تريد الحد الأدنى  من العيش، وحينما نلبي حاجات هذه الفئة العريضة، آنذاك يمكن أن نفتح بهدفٍ وتصَوُّرٍ مسارح ومسابح وغيرها، ولكن في وجود من لا يجد طعاما، ولا يجد مأوى، ولا يجد علاجا فإن إنفاق المبالغ الطائلة على المسارح والملاعب والمسابح هو ضرب من الإسراف والسفه.

نحن يشرفنا أن تكون لدينا جامعة تضاهي جامعة “كامبردج” مثلا، تأطيرا وبناء، يعجبنا أن يكون عندنا مستشفى على مستوى الوطن كأحسن المستشفيات في العالم، ويعجبنا أيضا أن تكون عندنا مكتبة وطنية أكبر من مكتبة “الكونغرس” مثلا، لكن لا يعجبنا أبدا أن يكون عندنا مسرح نضاهي به الأوبرا التي عند البارزيين، هذه الأوبرا التي لها أكثر من قرن من الزمن وأتت في ظروف معينة فهل ظروفنا مثل ظروف البارزيين؟ وهل شعوبنا مثل شعوب الفرنسيين؟. ينبغي أن نكون واقعيين، لسنا ضد أحد ولكننا لا ينبغي أن نقدم المتأخر ونؤخر ما يجب أن يقدم. فهذا التصرف يعتبر إسرافا، وهو إسراف منشؤه التقليد، أي يجب أ ن يكون عندنا مسرح لأن الأوربيين عندهم أوبرا، يجب أن يكون عندنا ملعب كبير لأن الأوربيين عندهم ملاعب كبيرة، ولماذا لا نقلدهم في توفير كفاية العيش لكل عاطل.

على أي حال فنحن نعيش تناقضا لا نشعر به، وهو خطير على مستوى  سلامة الأمة ككل، وهل هناك تناقض أكبر مما يُشاهد فعلا حينما نأتي بسيارة آخر صيحة في عالم السيارات في ألمانيا ـ مثلا ـ ربما نجد بعض الأوربيين لم يركبوها بعد، وهي عندنا نحن هنا في المغرب، وبمحاذاتها تجد امرأة بدوية أمية حافية تمتطي حمارا يمر بمحاذاة هذه السيارة، منظر فظيع التناقض والتباين لو أننا التقطنا صورة بهذا الشكل لبدا التناقض صارخا من خلالها.

وهذا نوع من التبذير الذي يؤدي إلى  هذه الصور الفاضحة.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *