تحية إكبار إلى علماء الجزائر وحكماء البصائر


 

كانت الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية المختطفة والأنظمة الوارثة للاستعمار الفاسدة وبالاً على العلم والعلماء والدين وأهله.

لقد كان الأزهر مزدهراً في ظل ملكية وُسِمَتْ بالفاسدة، فلما جاء حكم العسكر أصاب الأزهر ما أصابه من تدهور وإذلال العلماء وازدراء للعلم. وقد كان مصير جمعية العلماء في بداية استقلال الجزائر محزناً وكان يظن المناوئون للعلماء أنهم بالقضاء على مؤسستهم لن تقوم لهم قائمة، وإذا ببقايا العلماء يصمدون في وجه الأعاصير وينجحون في بث الوعي الاسلامي، إلا أن الوعي بهذا الدين كان في صورة انفجار اجتماعي قوي. وقد تأثر ببعض النماذج الخارجية دون الاستفادة من تجارب العلماء وحكمتهم وتبصرهم، فوقع ما كان متوقعاً عند المراقبين والملاحظين، وقد ظن من لا يفقه النفسية الجزائرية والمجتمع الجزائري أن الأمور تسير وفق ما تشتهي الأنفس المريضة، وإذا بصوت العلماء الجزائريين صار يعلو بعد خفوت، وبأقلامهم تحتد بعد هدوء، كل ذلك في أناة حكيمة وصراحة أديبة وآراء سديدة وحماسة مؤثرة وغيرة نبيلة ودعوة للحق هادية وتصَدٍّ للباطل صارم وانتصار للشرع الشريف صريح وحاسم ونصح جميل وإرشاد رفيق.

وقد اختار العلماء أن تكون “البصائر” منبراً لدعوتهم تذكيراً بالبصائر يوم كان الاستعمار جاثما على البلاد المغربية كلها والتزاماً بما التزمت به آنذاك وقَفْواً لخطواتها المباركة واستلهاما لروحهاالتجديدية الوثابة.. لذلك كانت هذه البصائر الجديدة صورة مشرقة للبصائر القديمة فترى في “سانحة” سماحة الشيخ شيبان وفي “على بصيرة” للمفكر الكبير الدكتور عبد الرزاق قسوم، وفي وراء “الاحداث” للأستاذ عبد الحميد عبدوس و”الصحة والفقه” لمعالي الدكتور سعيد شيبان و”في رحاب  القرآن والسنة” للشيخ محمد الأكحل شرفا والدكتور محمد عبد النبي، وغيرها من الأبواب والأركان والأعمدة.. ترى في ذلك إحياء لروح البصائر في أثواب جديدة اقتضتها ظروف طارئة وأحوال ناشئة، وكم نود أن نرى هذه البصائر وقد هبت أهم أقلام الجزائر تساندها. فالكتابة فيها ليست من باب فروض كفاية وإنما هي من فروض عين، لأنها نوع من أنواع الجهاد وأربأ بالأعلام الشريفة والعقول الكبيرة أن تغمد أقلامها في معركة يجب أن تسلّ في سبيل الله، وإني لأحيي هذه الثلة من الأولين والآخرين الذين استمروا في الميدان والذين عادوا إليه عزماً أن يلقوا ربهم مقبلين غير مدبرين متفائلين غير متشائمين مُكَلَّلين بالنصر المكين والفتح المبين {وإن جندنا لهم الغالبون}.

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *