الثابت والمتحول في الكتب المدرسية


مادة( اللغةالعربيةللسنة الثانية من التعليم الثانوي الإعدادي نموذجا)

مما لا شك فيه أن العمل الذي قام به فريق إعداد الكتب المدرسية عمل جبار وعظيم، ولاشك أيضا أنهم بذلوا في تهييئه واختيار نصوصه وإخراجه جهدا كبيرا، وصرفوا من الوقت أثمنه،ومن سواد الليل جله . وككل الأعمال التي تنشد الإصلاح وتحمل على عاتقها مسؤولية التخطيط لجيل الأمة القادم، يحتاج إلى مشاركة كل الفاعلين في إبداء آرائهم للرقي بالعمل قصد تحقيق الغايات المنشودة التي تطمح إليها وزارة التربية الوطنية

وقد استوى العمل على سوقه، يعجب البعض ويجدون فيه مطالبهم الأساسية، ويجد فيه البعض نقصا؛ فيهبون لممارسة حقهم المشروع في النقد، وما هذه المحاولة إلا مساهمة منا لإبراز بعض جوانب النقص في العمل الذي بين أيدينا، متسلحين في ذلك، بالنقد البناء الإصلاحي الهادف الذي لا يقف عند حدودإظهار السوءات، بل يتجاوزه إلى تقديم البدائل المنطقية وسينصب عملنا على البحث عن الثابت والمتحول في الكتب المدرسية للسنة الثانية من التعليم الثانوي الإعدادي، وذلك عبر تقسيمه إلى مستويات أربعة، واقفين عند بعض الملاحظات حول الاختيارات المدرسية، مشيرين إلى الإصلاح المنتظر.

فعلى مستوى الشكل

تم، كما السنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي، جمع فروع اللغة العربية في كتاب واحد، وهي حسنة من حسنات المؤلفات الجديدة،إذ ستساهم هاته البادرة في تقليص حجم المشاكل التي ظلت تتخبط فيها دروس اللغة العربية من جراء امتلاك التلاميذ لكتاب ، وفقدانهم لكتاب آخر. كما تم إصدار أدلة للكتب المدرسية التي أصبحت بمثابة التوجيهات الجديدة التي ستخلف، لاشك . بعد استوائها السنة القادمة ، التوجيهات الرسمية الحالية الصادرة عام 1990م ومن المظاهر الشكلية التي ارتقت بوجه كتاب اللغة العربية، تغطيته بالصور المناسبة . للقيم المدروسة، وتزيينه بالألوان المزكرشة.

على مستوى المصطلحات

إن التجربة الجديدة دخلت في سياق تغيير المصطلحات المعتادة، لكنها لم تفلح في تقديم الجديد باعتبار أن هذه المصطلحات من الأصالة ما يجعلها ترتفع عن كل تجديد يضيف إليها خصوصيات أخرى ؛ ومن الأمثلة على ذلك : أصبحت قواعد اللغة في الاختيار الجديد دروسا لغوية ، والنصوص بمختلف أشكالها ؛ سواء أكانت ظيفية أم شعرية أم مسترسلة أم استماعية ، قراءات وظيفية . وشعرية وهلم جرا.

على مستوى المنهجية

ارتضى المؤلفون واهتدوا أخيرا إلى ضرورة العمل بالكفايات كاختيار جديد من حيث غرابة مصطلحه على المدرسين. وماهو في واقع الأمر، إلا مجموعة أهداف، وماهو بالفعل شيء جديد إنها خمر قديمة في قوارير جديدة على . حد تعبير الدكتور عبد العزيز حمودة في حديثه عن البنيوية والتفكيكية فإلى متى نظل حبيسي سجن المصطلحات ووهمها المتجدد؟ ألم يأن الأوان أن نغربل المصطلحات ونمحصها وندقق في مدلولاتها، ونستعين في ذلك كله بالمختصين في هذا العلم الذي أصبح قائما بذاته وله علماؤه وأهله العارفين بدقائقه وتلوناته عبرتعاقب الأزمنة والعصور؟ ثم هنالك سؤال آخر: ألم يكن المدرسون يطبقون الكفايات؟ والجواب يثبت والواقع أيضا، أن التسمية هي التي تأخرت عن العمل البيداغوجي،أما العمل به فقد كان قائما على قدم وساق بوعي المدرس أم بغير وعي منه . وهنا تتدخل . سلطة ثقافة المدرس ومدى بحثه المستمر لإفادة مجاله العملي.

على مستوى المضمون

التحول الوحيد، على مستوى المضمون، شمل فرع التعبير والإنشاء. وتم التركيز فيه على إكساب التلاميذ جملة مهارات مهمة جدا كالتلخيص والتقرير والتصميم والتحويل والمحاكاة. وهذه المهارات على أهميتها، فإنها تشكل عائقا أمام التلميذ في الاستمتاع بالحصة الوحيدة التي يطلق فيها خياله سارحافي عوالم المكنونات، ليعانق ذاته بشيء تنتجه ذاته ليحس بلذة التعلم من جهة، والتفوق من جهة ثانية . الأمر الذي لم تسمح به المهارات المقترحة وذلك في تقييد التلميذ بالصرامة المنهجية والخطوات النظرية. بل إن التلميذ لا يستطيع أن يميز بين ماهو نظري وماهو تطبيقي. وقد أشرت إلى هذه الصعوبات في مقال سابق لاحاجة لنا هنا إلى تكراره. (انظرجريدة المحجة العدد 207/206) وما عدا هذا التحول الواضح في مادة الإنشاء، فإن التغييرات الأخرى لا يمكنها أن تخرج عما هو مسطر من قيم نتوخى جميعا تربية المتعلم على احترامها كالوطنية . والتسامح والحوار والنقد البناء. . . إلخ.

ملاحظات حول الاختيارات المدرسية

أ- الحضور الباهت للمرأة في الكتب المدرسية : إن على مستوى الاختيار أي تأليف الكتب المدرسية. وإن على مستوى الإبداع الشعري أو غيره من النصوص الوظيفية.

وسأصرف أمثلة على ذلك :

– في المرجع في اللغة العربية : غياب تام للمرأة المغربية والعربية والأجنبية على حد سواء

– في مرشدي في اللغة العربية : حضور شاعرة واحدة هي الدكتورة سعاد الناصر (أم سلمى)

– في رحـاب اللغة العربيـة : نص تطبيقي لكاتبة مغربية الشاعرة (مليكة العاصمي) ونصان للمرأة العربية؛ وهما: الدكتورة عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ (مصرية)ونازك الملائكة (عراقية) كيف يمكن تفسير هذا الحضور الباهت للمرأة المغربية ؟ فهل للأمر علاقة بقلة إنتاج المرأة؟ أم إن الفهم الحقيقي لدور المرأ ة في التنمية ما يزال لم يستوعب بدرجة النضج الذي يمكن المجتمع من الاعتراف لها بوزنها الاجتماعي في تحريك دواليب المجتمع إلى الأفضلية؟ فإلى متى تظل حقوق المرأة شعارات جوفاء نوظفها متى شئنا ونطمرها متى شئنا ؟ ألم يكن هذا هو الوقت المناسب لفتح المجال رحبا أمام المرأة لتحسيسها بوجودها وبمسؤوليتها؟ ثم إن المقرر الدراسي ،كما هو موجه إلى التلاميذ الذكور فهو موجه إلى التلميذات ، ولابد من تقديم للإناث نماذج للمرأة من خلال معانقة إنتاجها قصد الاقتداء بها وتشجيعها على الإبداع . والخلق، حتى لا تظن أن الأمر حكر على الذكور فقط.

ب- قلة المحفوظ الشعري :  ستة نصوص شعرية هي الحصيلة التي ينتهي إليها التلميذ طيلة موسم دراسي. و إذا كانت أهداف القراءة الشعرية تنمية رصيد التلميذ اللغوي، فهل كم النصوص المدروسة كفيل وحده بتحقيق مفعولها وتحقيق الكفاية اللغوية؟ قد يقول قائل: إن الكفاية اللغوية كما تطلب من القراءة الشعرية تطلب من غيرها من القراءات الأخرى التي تسير في الاتجاه نفسه. فأقول إن الأمر صحيح. لكن القراءة الشعرية تنفرد بأهداف أخرى لابد من استحضارها كطريقة الإلقاء والإنشاد، . والتعبير عن مختلف التموجات الأسلوبية بانفعال مماثل وما إلى ذلك.

ج- الحضور المخجل للشعر المغربي  : باستثناء في رحاب اللغة العربية الذي اختار خمسة شعراء من ما مجموعه اثنا عشر شاعرا، فإن المرجع في اللغة العربية يغيب فيه الشعراء المغاربة غيابا مطلقا، كتلك الغيابات التي تحصل للمبدعين المغاربة والمفكرين  في بعض المؤتمرات، مع تسجيل غياب شعر التفعيلة أيضا. وهنا نتساءل هل هذا الغياب له علاقة بمواقف الرفض؟.

أما مرشدي في اللغة العربية فقد اقتصر على ثلاث شعراء مغاربة والثالثة امرأة.

د- غياب الدعم في كتاب :  في رحاب اللغة العربية والمرجع في اللغة العربية وانفراد مرشدي في اللغة العربية به.

ما الإصلاح الذي نرومه

إن الإصلاح الذي نرومه يهدف إلى ما يلي :

– إصلاح المؤسسات التعليمية أولا وأخيرا بتفعيل التوجه الجديد لمفهوم السلطة، وإعطاء المدرس هامش الحرية لتفعيل الإصلاح الجديد في ظل احترام الخطوط الرئيسة لميثاق التربية والتكوين، وذلك بإتاحة إمكانية اختيار الكتاب المدرسي الملائم وإسناد المهمة لمجلس التدبير وتفعيل دوره بنقله من السلبية الموروثة عن مفهوم . المجلس الداخلي إلى الإيجابية التي جاء بها ميثاق التربية والتكوين.

-ضرورة الاستفادة من البرامج الإعلامية للرقي بتدريس مادة اللغة العربية.

– تطبيق مفهوم الجهوية في الآختيارات المدرسية، وإلا فما فائدة تنوع التأليف ما دام واحدا في أعلامه ومآثره ومدنه. . . إلخ.؟.

– ربط القراءة الشعرية في تدريسها واختيار نصوصها بجانبها الموسيقي قصد تحبيب التلاميذ فيها. وذلك بالاستفادة من أغنية الطفل والتربية الموسيقية.

– إيجاد حيز مكاني وزماني ضمن خريطة الكتب المدرسية وداخل الفضاء المؤسسي  للمسرح دراسة وإنجازا.

وزبدة القول إن هذه الاختيارات لن ترقى إلى الدرجة المطلوبة إلا إذا أخذت كل الملاحظات التي يبديها رجال التربية والتعليم، والعمل على  تداركها في الإصلاحات القادمة.

وأقول إن اللغة العربية لن تستطيع أن تعيد حيويتها وعافيتها إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار التطورات الحاصلة في تدريس اللغات الحية العالمية ونفيد منها، . وذلك بتوظيف التكنولوجيا الحديثة وما حققت من إنجازات على المستوى العالمي.

ذ.محمد بن الصديق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *