في ظلال مدرسة الوحي والنبوة – قال السامري الكستينستار: دخان أسود كثيف يغشى الناس 1


بعد ركعتي الفجر جلس مؤمن قوي من الجن تحت ظل شجرة طيبة مباركة فروعها في السماء وأصلها ضارب في أعماق الأرض فقال محدثا نفسه : ليل الحداثة والضلالة وعذاب القبر والمجتمع المدني والجوع والفقر وحقوق الإنسان والظلم والفساد والقهر والحرية والرقص والخلاعة وشرب الخمر والفجور وتعاطي الربا واقتراف فاحشة الزنا في البر والبحر، ليل مظلم عبوس قمطرير قد حل منذ أمد بعيد بعالمنا الإسلامي العريض الممتد من شرق الأرض إلى غربها. وما ارتحل، بل تفشى وانتشر، فما أبقى لنا شيئا و صاحبه تولى و أدبر، بل على أبواب إبليس انتحر، حينها نهض الضال العُتُلّ الزَّنِيمْ الذي غضب عليه ربه متعثرا وجهه كالصريم وقال : وما أدري ما سقر؟ قال له المؤمن القوي من الجن : سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر… لم يفقه الشقي اللئيم القول لأن قلبه امتلأ بالنكت السوداء، ثم ذهب يتمطى فأكل أموال المستضعفين بالباطل ،واستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. ثم طغى وتجبر، ومِنْ خَلْفِه تبعه كل غافل أضاع الصلاة واتخذ إلهه هواه واتبع الشهوات ،وكل معتد أثيم هماز لماز مَشَّاء بنميم . قال المؤمن القوي من الجن : جميع أولئك يأكلون بدينهم الفتات، فلا كرامة ولا حياة،  أولئك قوم تعرف في وجوههم عذاب الجحيم ، ويسقون غدا من الحميم، ومهما طال ليل الذي تجبر ورقص وغنى وتكبر، سيظل أبد الدهر أعور، ويوم القيامة سوف يحشر أعمى وأبتر، يومئذ يسأل أين المفر؟

صبح المؤمنين إخوان  النبي في  سجون أهل الحداثة والضلالة والمجتمع المُحْدِث قد أشرق وأسفر، فقال موسى ممتطيا صهوة جواده في جمع من أصحابه : أفلا تنظرون إلى الموتى الغافلين عن ذكر الله وإقام الصلاة، هم الآن قيام ينتظرون في أرض فلاة لا ماء فيها ولا نبات تحت حر الشمس حفاة عراة، فأين أنت يا صاحبي يا ذا القرنين..؟ وجاءهم السامري ومعه ياجوج وما جوج من أرض الحداثة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني يسعى قال : يا قوم اتبعوني شبرا بشبر وذراعا بذراع وخطوة بخطوة أهديكم سبيل الرشاد ، فتصبحون أكثر الناس أموالا وأعز نفرا، أنصحكم يا قوم أن تتعلموا جيدا الفن والرقص والغناء تحت  : شعار “لا حشمة ولا حياء” و”مكارم الأخلاق موت وفناء” بهذا أوصى جدي السامري الآباء.

الفن يا قوم زهرة  يافعة تستلزم من الجميع رعايتها بالحكمة والبذل والعطاء كي تكونوا أحرارا سعداء .

وما إن أتم السامري الجزء الأول من خطابه الطويل حتى قامت فتاة فائقة الجمال من بين الحضور فقالت له : أنسيت يا سامري ما قاله موسى لجدك السامري حينما أضل بني إسرائيل وصنع لهم عجلا من ذهب له خوار فقال لهم :هذا إلهكم وإله موسى كذبا و بهتانا، وكذلك سولت له نفسه الخبيثة، فقال له موسى: اذهب أن تقول لا مساس، فتاه في الصحراء ،فأنت يا سامري الحداثة والمجتمع المدني الوجهُ الكالحُ  البشعُ للفئة الضالة المستكبرة المتمالئة مع فئة أقزام الفكر والفن والأدب المتبرج تبرج الجاهلية. فئة الوطاويط المعششة في ليل العتمة المبحرة في بحر الحداثة اللُّجيِّ الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يبتغ غير نور الوحي ومنهاج النبوة سبيلا و صراطا سويا في الأولى والآخرة ما له من نور. واعلم يا سامري أن المفْرِدين الأُسُود إخوان الآخرة المتحابون في الله الذين يجتمعون من شعوب و قبائل وأقوام  شتى وبلاد شتى على ذكر الله يذكرونه، هم على نور من ربهم يستظلون تحت شجرة طيبة المنبت ثابتة الأصول باسقة الفروع مباركة الثمار .

أراك سكتت، فما جوابك يا سامري الحداثة والضلالة والمجتمع المدني؟ فما كان جوابه ومن معه إلا أن قالوا :أخرجوها من أرضنا هذه. إنها من الذين يتطهرون.

عندما أرخى  الليل سدوله واشتد الظلام جلس السامري على عرش عظيم ومن حوله يا جوج وما جوج العصر، فجأة خرجت فتاة جميلة فاتنة بيضاء وهي في ذروة الفرح ترقص وتغني كاسية عارية تحت الأضواء الكاشفة: أغنية أنا حرة لا أرض تقيدني ولا نجوم السماء تغويني ولا عادات ومقدسات قومي تلفني، أقترف في وضح النهار كل ما تريده نفسي ويزينه لي هواي، لا أميز بين حلاله وحرامه. فجأة  تعثرت وسقطت على وجهها، فصارت ممددة على الأرض فاتحة ذراعيها نحو السامري وهي تقول له:أنت سيدي بالنسبة لنا الكمال الأرضي لئن خرجت لنخرجن  معك ولا نطيع أحدا من أبناء أمتنا، نحن معك في السراء و الضراء حتى لو دخلت جحر ضب لدخلناه معك ،فاهتزت باحة القصر طربا وقالت لها :أعد. وانفجر هو ضاحكا من قولها حتى أوشك أن يسقط من مقعده. فذبلت أوراق الشجر في غير فصل الخريف وأصبحت تذروها الرياح شرقا و غربا، و بكت الطيور والعصافير ودخلت أوكارها حزينة تئن، ونهض القوم من أماكنهم فقالوا :قل لنا يا سيدي: كيف أصبحت مفتونا بفن الحداثة وفَاتِنا و فتَّانا وفنَّانا عظيما.

قال لهم:الفضل يا قوم يرجع كله لجدنا الأكبر، فقد مشيت على أثره، فقبضت قبضة من أثر إبليس وكذلك سولت لي نفسي، ومن ذلك الحين أنا قدوة الفنانين، أرقص في الهواء وأغني فوق الماء. وها أنتم أينما اتجهتم تجدون رقصاً وغناءاً. لقد تعودت آذانُ الناس على لهو الحديث وعيونُهم على التمايل وهز البطون حالمين بسماء الصفو والحداثة الممتدين في الآفاق وفي الزمن، وجاء المستضعفون في الأرض والفقراء والذين يفترشون  الثرى  ويلتحفون السماء يبحثون عن خبز و ماء، فلم يجدوا غير الرقص والغناء، فرقصوا طويلا هم أيضا للفن والحداثة والحياة بعدما جمعوا كل الفتات من موائد قارون وفرعون والمترفين والسامري والفتانين.

واقتربت من السامري فتاة ساحرة الجمال في زينة تَصِف وتشفُّ، فبدت له كحورية ترقص على أمواج الضوء، قال لها: أرحل إليك عبر كل البحار وعلى شفتيك أرسو وفي عينيك أروي عطشي، قالت له فرحة بنفسها: أنت بالنسبة لي تمثل الكمال الأرضي، قل يا سيدي ماذا يعني لك الكنستينستار: ابتسم في وجهها قائلا لها: كلمة في لغتنا تعني غراباً و ذئاباً تطير، ولا صوت غير أصوات الحمير، وإن لكم في الخمر والميسر والطلاق والربا و الرقص و الغناء حياة يا نجوم الفن والمترفين والمستضعفين والفقراء.

تهالكت الفتاة على الأرض و قالت لنفسها: كذب من قال: الحياة رقص وغناء، وصدق من قال: الفنانون إما قردة أو ببغاء، حمير ترقص وتعوي وذئاب تنعق وتغني، كلاب تنهق وغراب يلعق، ولنا في الذكر والصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقصاص حياة طيبة يا أولي الألباب.

وبُهت القوم من قول السامري فانقلبوا على أدبارهم خاسئين تغشاهم ذلة ومهانة، ولما خرجوا هم والمستضعفون والفقراء ألفوا الشوارع تمتد أمامهم كأفاعي زرقاء فوقها سحب غريبة تجوب  السماء وعلى الأرض وتحت الأرض سراديب معتمة تتناسل في حركة خشية مقرفة، السرداب لا يحيل إلا على آخر أشد وحشة منه وأكثر قبحا، تنبعث منها أصوات مجنونة تتطاير كالشهب وروائح نتنة تزكم الأنوف، وضوضاء وأنين وخدوش يكشف عنها ضوء باهت وسط سديم الحداثة والمجتمع المدني الديمقراطي المهول، وجاءهم صوت من وراء الغيب يقول : {ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}. أولئك أصحاب الحداثة والنار الذين استحبوا العمى على الهدى والبصيرة،  فهم يتخبطون في ظلمات الباطل ليسوا بخارجين منها حتى يلج الجمل في سم الخياط، و من أظلم ممن اتخذ غير دين الإسلام منهج حياته و رضي بالعيش داخل جحر الضب مع اليهود و النصارى و المجوس ليضلوا عن سبيل الله أولئك {قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور}.

أبو بكر الحنفي


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “في ظلال مدرسة الوحي والنبوة – قال السامري الكستينستار: دخان أسود كثيف يغشى الناس