خاطرة : البحر


اتجهت نحو الشمال، اخترقت جبال الريف، وصلت الى طنجة،  أمشى فى شوارعها مطأطىء  الرأس. .

كلما اقتربت من أروبا، زادت معاناتى، أحس بشىء يجرنى إلى الوراء يحاول منعى من المضى،منظر غريب. جثتى تتقدم إلى الأمام، تفكيرى ووجداني بقيا مع الأهل  ورفضا فراق الاحبة.

بداخلى صراع حام بين واقع ينفرنى، وتاريخ يجرنى إليه، يضمنى بين أحضانه

أمشى فى الطريق بين حشود من الناس فى ازدحام الشارع، ولكنى رغم ذلك وحيد، غريب.

انحرفت عن الشارع الرئيسي، اتخذت طريقا ضيقا مظلما بعيدا عن الأنظار، قصدت وجهة البحر. خطواتى بطيئة، رجلى مثقلة، فى حيرة مع نفسى، وصلت إلى الشاطىء على مشارف البحر. التفت إلى الوراء والدمع على خدي ، ألقي نظرة على بلاد نبت  فيها وترعرعت، قضيت فيها زهرة عمرى، وها أنذا اللحظة أفارقها، أرحل عنها أتركها.

صعب علي ذلك لا أطيقه .

اضطررت لأصارح نفسى وأدخل معهافى حوار، طرحت عليها هذا السؤال : لماذا يا ترى ترحلين عن وطن فيه ولد ت وكبرت ،قضيت فيه أحلى الساعات بين الأهل والأحباب، تحت  رحمة الأب وعطف الام  الحنونة، لماذا تهجرين مجتمعا تقاليده وعقائده تجرى مجرى  الدم فى جسمك عشت فيه حتى أصبح جزء منك واصبحت جزء منه

فردت علي قائلة : أناأيضا لم أشِْأ هجران وطنى. هو جزء منى صحيح، أنا لا  أريد الانسلاخ عنه، لكنه أبى أن يحتضننى ، أبى أن يوفر لي لقمة عيش، بخل علي بعيش  زهيد. طرقت كل أبواب العمل،طرقت كل باب يمكننى من خلاله أن أوفر كسرة  خبز

للأسف لم أجد ولو بابا واحدا مفتوحا فى وجهى. أجلس بين أقرانى واصحابى  فأحس بالنقص لأننى عاطل. أبى وأمي وإخوتي الصغار ينظرون إلى، فأقرأ فى أعينهم. الحاجة وواقع حالهم يقول لى : أنقذنا من غول الفقر.

وجدت حجتها أقوى من حجتى فسرت فى رأيها  امتطيت القارب، تناولت مجدفيه،وجهته قبل الشمال واستدبرت الجنوب. كانت الشمس فى مغربها تستعد لتودعنا، والليل يتأهب ليرخي سدوله ويغطينا بظلام قاتم.

غابت الشمس وحل الظلام، لكن القمر على خلاف عادته لم يظهر

ركبت القارب وسرت فوق موجات البر أشق طريقى نحو الحلم، شيئا فشيئاً أبتعد عن الوطن، لم أعد أرى أضواء طنجة ،أصارع أمواج البحر وظلمات الليل الحالكة، ياللأسف هاج البحر ، أمواجه تتقاذفنى فأحاول السيطرة على القارب وأمسك جيدا بمجدفيه، لكن دون جدوى، الأمر أهول مما كنت اتوقع، أصبحت فى خطر حقيقى، حركات البحر غير عادية.

شعرت بالموت يهاجمنى من كل جانب وأنا أقاومه لوحدى يا إلهى يا الهى .

فإذا بموجة ليست كباقى الامواج ترمى بي إلى الأعلى، فسقطت، لكن هذه المرة ليس فوق.، القارب بل تحته، وتركنى أقاوم الموت بيدى. .

وأخيرا تمكنت من رفع سبابتى نحو السماء فنطقت بالشهادتين ليضمنى البحر بين ذراعيه ويقول لى : اضطررت لأمنعك من المسير إلى الجحيم. قال لى : اسألني أنا الذى شاهدت مأساة الاندلس ومحاكم التفتيش وما زلت أشاهد معاناة المهاجرين فى أوربا الذين يكتوون بنار. الوحدة والغربة والعنصرية التى يمارسها الجنس الابيض.

. . . ويأبى البحر أن تتكرر مأساة الماضى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>