بارقة : الليل الذي إصباحُه أسوأ منه


يقول الشاعر الجاهلي امرؤ القيس في معلقته :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

بصبح وما الإصباح منك بأمثل

وكأنه يشاهد أحوال المسلمين اليوم، فقد طال ليلهم بل لياليهم، فليس في آفاقهم مشارق، فقد خيم الظلام ورتع في ديارهم مطمئنا من الإصباح الذي لم يألف بعدُ آفاقنا، وقد كاد الفجر يؤذن بانبلاجه في أفغانستان بعد اندحار الروس فإذا بالقيادات الرعناء والمطامع الحمقاء ترهب الفجر فيلملم خيوطه وتباشيره ويرتد على أعقابه فزعاً وآسفا..

ثم انتشرت الحضارة الأمريكية وديمقراطيتها التي تعكسها المجازر الفظيعة، وكذلك الأمر في السودان التي استوى فيها حكم العسكر وغير العسكر وتبين أن المؤامرات الخارجية بلغت من المكر ما تزول منه الجبال، وأن التمزقات الداخلية والأهواء المتضاربة لا تسمح للفجر أن ينبلج في آفاقها، فانتصر الاستعمار بواجهة كركك الذي لا يقل حقداً علىالمسلمين عن شارون..

وفي البوسنة ما يزال المسلمون مشغولين باكتشاف المقابر الجماعية التي تنافس في إحداثها الصرب والكروات وقد سألت الدكتور حارث سيلاجيش أن يصف لي واقع المسلمين في تلك البلاد فقال :

>لقد حققنا أقل مما كنا نطمح وأكثر مما كان العدو يريد<

أما العراق، وما أدراك ما العراق، وما سجن أبو غريب إلا مثال صغير يعكس فظاعة الاستعمار بقيادة أمريكا.. وقد سألت أحد كبار المفكرين العراقيين أن يصور لي واقع تلك البلاد العزيزة في جملة مبتدإ وخبر فقال حفظه الله :

>أما المبتدأ فسيئ وأما الخبر فأسوأ<

وأحوال المسلمين في باكستان والتايلاند وسيرلانكا وساحل العاج ونيجيريا حيث تكون الأقلية النصرانية 10% أكثرية بما تملك من أسلحة وعتاد لا تملكها الدولة نفسها، ومنذ نحو من شهر قتل أكثر من ألف مسلم في هذه البلاد لا يختلف ليلها عن ليل باقي البلاد الاسلامية.

إن ظلامنا هذا آت من ظلمبعضنا بعضاً، ولولا أن الحوت يأكل الحوت ما استطاع أعداؤنا أن يدخلوا علينا حتى بيتاً من عنكبوت كما قال الشهيد الحراز الشريف العلمي المشهور في التاريخ الاسباني لأنه جندل الكولونيل طابلاس الذي يوجد تمثال له في وسط سبتة.. وقد حذرنا الرسول  من أن يقاتل بعضنا بعضا وأن يسبي بعضنا بعضا، ولكن بعض المسلمين ما يزالون منهمكين في تعذيب إخوانهم المسلمين والفتك بهم وانتهاك أعراضهم ومحاربة دينهم والتآمر على اغتيال بعض زملائهم من الحكام… بالأمس القريب طرد بومدين أكثر من أربعين ألفاً من المغاربة من الجزائر مفرقا بين المرء وزوجه والأم وأولادها، ثم أليس من العار دينا وخلقا وانسانية أن يظل في الجزائر أسرى مغاربة مسلمون قضوا أكثر من عشرين سنة في ذلك الأسر الفظيع.

ثم أليس من العار أن يسجل في تاريخنا “سجن تازمامارت” وسجون تدمر وأبو غريب أيام صدام وسجون أخرى فقد فيها شباب وأطر كفأة حياتهم، ومن كتب له النجاة أصبح يعيش مثل المعوقين..

أبَعْدَ هذا وغيره من ظلم بعضنا بعضا ننتظر ذهاب ليلنا وإقبال صبحنا..

ألا أيها المنتظر للفجر وَطِّنْ نفسها أن تقضي حياتك في ظلام هذا الليل الطويل وإياك أن تتمنى بزوغ الفجر، فإن إصباحه سيكون أسوأ من ليله وأقسى من نهاره لأننا عكسنا الآيات القرآنية : {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم..}.

فنحن الآن أشداء على المسلمين رحماء على الكفار أذلة على الكافرين أعزة على المؤمنين.

لا ولاء بيننا ولا محبة ولا تسامح ولا رحمة ولا عطف لا نحسن إلا العنف والهرج والفتن فيما بيننا، إلى أن نعود إلى الله تائبين خائفين نادمين خاشعين.. وعندئذ ينتهي ليلنا ويشرق صبحنا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>