فرنسا والحجاب.. محاولة لفهم ما يحدث : عداء للإسلام أم علمانية فقدت عقلها؟


ربما لم تثر قضية جدلا ثقافيا وسياسيا داخل فرنسا وخارجها مثلما أثارت قضية منع الحجاب في المدارس الفرنسية العامة؛ فقد تعدى الجدل حيز الحجاب ومشكلات العلمانية الفرنسية؛ ليصل إلى ساحة الصراع بين الإسلام والغرب، والعداء العنصري ضد العرب والمسلمين. وغابت كثير من الجوانب المتعلقة بفهم طبيعة السياق الثقافي والسياسي الذي نوقشت في إطاره مسألة الحجاب التي أثارت مشكلات تتعلق أساسا بطبيعة -وربما أزمة- النموذج الفرنسي أكثر منها مسألة تتعلق بمحاربة الإسلام.

خصوصية في العلمنة والاندماج

استهدف النموذج العلماني الفرنسي منذ تبلور أبعاده السياسية عام 1905 الفصل بين المؤسسات العامة -المدارس والهيئات الحكومية- والدين بكافة مظاهره الثقافية، على اعتبار أن الدولة الفرنسية هي دولة علمانية، وبالتالي لا يفترض أن تنفق من أموال الضرائب التي يدفعها المواطن -الذي اختار بحريته نظامه السياسي- على المؤسسات الدينية، وأيضا لا يفترض أن تضع المؤسسات العامة التي تمثل هذا المواطن أي مظهر ديني على جدرانها.

ومن هنا سنجد أن المدارس العامة في فرنسا والمجالس البلدية ومقر العمد والهيئات الحكومية المختلفة لا تسمح بوجود صلبان أو صور للسيدة مريم أو للسيد المسيح على أي مؤسسة عامة، على خلاف معظم الدول الأوربية التي تسمح بوجود مثل هذه المظاهر، والتي لا ترى فيها تعارضا مع قوانينها الديمقراطية. كما أنه من المستحيل أن تبدأ هيئة عامة أو محلية في فرنسا حديثها بتلاوة بعض آيات الإنجيل أو إدخال أي أحاديث وعظية قبل بدء اجتماعاتها، كما يحدث في كثير من المجتمعات الأوربية الأخرى التي كثيرا ما يبدأ السياسيون والقيادات المحلية حديثهم بذكر أحاديث دينية دون أن تثير أي حساسيات.

وقد أدت معركة بناء النموذج العلماني الفرنسي مع الكنيسة الكاثوليكية إلى فك الارتباط بين الدولة والكنيسة التي لم تخلُ من كثير من الاحتقانات والمصادمات الفكرية والسياسية العنيفة طوال النصف الأول من القرن الماضي.

وقد ثبتت فرنسا في دستور 1946 ثم في دستور 1958 مبدأ العلمانية؛ باعتبارها ركيزة من ركائز الديمقراطية والنظام السياسي الفرنسي، وشددت عليها كقيمة عليا تحكم حركة المجال الاجتماعي والسياسي العام.

وقد توازى مع هذا النموذج العلماني قيمة أخرى هي قيمة الاندماج؛ فالنموذج الفرنسي ينطلق من ضرورة كسر التجمعات العرقية والدينية، ويعطي لها هامشا أقل من التعبير الثقافي المستقل عن نفسها مقارنة بالنموذج الأنجلو أمريكي؛ فمن الصعب أن نجد في فرنسا كنائس مغلقة على السود أو على الآسيويين فقط، كما لا ينظر هذا النموذج بعين الراحة لهؤلاء المسلمين الذين يرتدون أزياءهم التقليدية أثناء ذهابهم إلى المساجد أو أثناء سيرهم في الشوارع، ويعتبر أن التماهي -وأحيانا التطابق مع قيم النموذج الفرنسي- يكسر أولا الانغلاق العرقي، ويعطي ثانيا فرصا كبرى لأبناء هذه الجاليات في الترقي داخل السلم الاجتماعي والسياسي بإعطائهم فرصا متساوية عن طريق دمجهم في قيم الجمهورية الفرنسية، وليس من خلال بقائهم في تجمعات عرقية مغلقة.

ورغم أن قيم الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة والإخاء حارسة لهذا النموذج “الإدماجي” في فرنسا؛ فإن من المؤكد أن هذه القيم لم تمثل عصا سحرية حلت جميع مشكلات الأجانب في البلاد وخاصة المسلمين منهم في فرنسا؛ فقد تعرض بعضهم لمظاهر من التهميش الاجتماعي بسب أصوله العرقية أو الدينية -وإن ظلت أقل كثيرا من عديد من البلدان الأوربية- كما عانى بعضهم من حوادث عنصرية دفعت الرئيس شيراك في خطابه الأخير في 17 ديسمبر إلى أن يشير إليها بصورة واضحة.

وهنا تكمن المعضلة

ولعل معضلة العلمانية الفرنسية تكمن هنا؛ فمنطلقاتها النظرية أكثر رغبة في تحقيق المساواة بين مواطنيها من النموذج الأنجلو سكسوني وخاصة في طبعته الأمريكية؛ حيث يعترف بدور الأعراق والأديان المختلفة في الوجود والتعبير عن نفسها (الملبس واللغة والشعائر الدينية) بكافة صورها المتطرفة وغير المتطرفة، وبطريقة تبدو كأنها لا تعني النخبة السياسية الأمريكية التي اعتبرت عادة أن بقاء هؤلاء المواطنين ذوي الأصول الأجنبية داخل حدود واقعهم الثقافي وتجمعهم العرقي المغلق لن يتيح لهم الارتقاء في السلم الاجتماعي والسياسي، وهو ما اعتبرته قضية اختيار فردي وليس قضية دولة ومؤسسات.

أما في الواقع العملي فالعلمانية الفرنسية بدت وكأنها ترغب في تنميط المجتمع على صورة واحدة تفقده حيويته المعتادة، وتساوي بين الدمج والتطابق؛ فالأولى تعني إعطاء فرص متساوية للجميع، وتطالب المواطنين بالالتزام بنفس الحقوق والواجبات. والثانية تفقدهم حريتهم بفرض نمط معيشة “موحد”، وتأميم القناعات الثقافية التي يؤمنون بها لصالح أمثولة واحدة، تجعل -عمليًّا- النموذج الفرنسي في صورة يبدو فيها أقل تسامحا من البلدان التي أعطت مشروعية للتعبير الثقافي المستقل للتجمعات العرقية.

ويمكن القول بأن النموذج الفرنسي شيّد نظاما علمانيا صارما، بدا في كثير من الأحيان عاجزا عن التطور والانفتاح على الواقع الجديد، سواء في داخل فرنسا أو خارجها، وخلط بين قيمة المدنية والديمقراطية العريقة والإنسانية وبين الميل نحو تقديس نصوص علمانية، بدا أن استمرارها يحتاج إلى قوانين جبرية تقيد من الحرية الفردية للأفراد التي هي جوهر أي نظام ديمقراطي، وتقارنه بعلمانية يحرسها الجيش في تركيا أو الشمولية في تونس.

والحقيقة أن مسألة منع الحجاب في فرنسا تأتي في إطار هذه “الأصولية العلمانية” التي بدلا من استهدافها “للأصولية الدينية” استهدفت قطاعا من المسلمين الفرنسيين، وقطاعا أكبر من الرأي العام داخل البلدان الإسلامية بقرارها منع الحجاب من المدارس العامة.

وقد امتد الجدل حول مسألة الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة إلى أكثر من عقد من الزمان، خاصة حين أقدم بعض مديري المؤسسات التعليمية على منع عدد من الطالبات من الدخول إلى فصول الدراسة نتيجة ارتدائهن للحجاب، على اعتبار أنه يمثل “رمزا دينيا”؛ وهو ما يتعارض مع القوانين العلمانية الفرنسية التي تنظم أوضاع المؤسسات العامة.

وقد أثيرت ضجة كبيرة حول هذه القضية، خاصة بعد إقدام بعض المدارس على فصل هؤلاء الطالبات في ظل غياب قانون واضح ينص على منع الحجاب من المدارس، ولعل هذا ما دفع بالحكومة الفرنسية إلى إعداد نص قانوني يمنع المظاهر الدينية الواضحة واللافتة في المدارس العامة، التي تتضمن القلنصوة اليهودية والصلبان الكبيرة والحجاب.

ورغم أن القانون من الناحية العملية لا يستهدف فقط الفتيات المسلمات المحجبات فإنه بلا شك لم يكن سيخرج إلا نتيجة وجود هؤلاء المحجبات؛ حيث اعتبر أن وصولهن إلى حوالي 1200 حالة من أصل حوالي 13 مليون طالب وطالبة في المدارس الفرنسية يمثل “خطرا” على العلمانية الفرنسية، ودفع الحكومة الفرنسية إلى إعداد قانون لعرضه على البرلمان في بداية العام المقبل، ينص على منع الحجاب من المدارس العامة؛ وهو ما دعمه الرئيس شيراك في خطابه الأخير؛ بما يعني أن فرص تصويت البرلمان الذي يتمتع فيه الرئيس بأغلبية مطلقة باتت مؤكدة.

جمود علماني متجدد!

ولعل معضلة معالجة قضية الحجاب في فرنسا ترجع في جانب رئيسي منها إلى جمود النموذج العلماني الفرنسي، و”ابتكاره” لأساليب متعددة من أجل أن يخسر المنافسة مع نظيره الأنجلو سكسوني؛ فصورة المدارس العامة والخاصة في بريطانيا والولايات المتحدة التي تسمح دون أدنى اعتراض أو تحفظ بارتداء الحجاب باتت أكثر تسامحا وانفتاحا من النموذج الفرنسي الذي لا يرغب في تطوير علمانيته الجامدة، وقبولها درجة من التنوع الداخلي داخل المجتمع الفرنسي لا تجعل الجميع مبرمجين على نموذج قيمي واحد، خاصة أن المطلوب هو درجة كبرى من الانفتاح على سلوكيات ثقافية مختلفة لا يتعارض التعبير عنها مع قيم العلمانية أو النظام الجمهوري.

فليس المطلوب أن يضع المسلمون في المدارس الحكومية آيات من القرآن الكريم على مقاعد الدارسة، ويضع المسيحيون واليهود كتبهم المقدسة على أبواب الفصول وبوابات المدارس؛ فسيظل هذا الحيز العام علمانيا وفق القانون، ووفق القواعد التي ارتضاها الشعب الفرنسي كدستور ينظم حياته السياسية والاجتماعية والثقافية، وهذا يختلف تماما عن أن يسمح بأن يعبر كل شخص عن قناعته الدينية والثقافية بالصورة التي تساعده على الاندماج في المجتمع الفرنسي، لا العزلة عنه.

الخبرة تخالف النظرية

ولعل المعضلة الحقيقية في هذا الفهم أنه يعكس في الحقيقة حكما نمطيا آخر يروج له عادة الإعلام الغربي، ويتمثل في كون “المواطن الصالح” هو بالضرورة هذا المواطن الذي يعيش حياته العامة والخاصة مثل الأوربيين؛ يلبس ويأكل ويشرب مثلهم، وأن يكون بعيدا عن العقل الديني الغيبي حتى يكون ديمقراطيا وحديثا. والحقيقة أن مثل هذه التقسيمات من الصعب قبولها على إطلاقها؛ فكثير من المثقفين والدبلوماسيين الأوربيين الذين عملوا في بلدان عربية وإسلامية أو تفاعلوا مع ثقافات أخرى آسيوية أو إسلامية اكتشفوا من خلال خبرتهم أن هذه المقولة غير صحيحة دائما؛ فكثير من أبناء هذه المجتمعات يعيشون بمظهر تقليدي في زيهم، ولكنْ لديهم تفكير منتج وراغب في المشاركة والمساهمة بإيجابية وعصرية في كل أوجه الحياة داخل مجتمعه، على عكس كثير ممن يبدون في مظاهر غربية، ولا يحملون من الغرب إلا المظهر الخارجي، ويتركون قيمه في الديمقراطية والعمل والإنتاج.

والحقيقة أن النظر إلى هؤلاء المحجبات في فرنسا باعتبارهن “مصدر تخلف”، وأنهن مثال على فشل النموذج الفرنسي في الاندماج يعني في الحقيقة تمسكا بتلك النظرة المغلقة في التعامل مع التعبيرات الثقافية الأخرى، ويحمل حكما قيميا؛ لأنهن اخترن ارتداء الحجاب كتعبير عن قناعة دينية، وبالتالي فهن “نموذج فشل” ولسن طاقة نجاح، رغم أن كثيرا منهن يمثل وجها إيجابيا للمسلمين في فرنسا؛ فمعظمهن اختار بمحض إرادته أن يرتدي الحجاب في ظل مجتمع يدفع نحو تخفيف كل ما أمكن من الملابس، وليس نتيجة قانون كما يحدث في بعض البلدان الإسلامية، أو “موضة” كما في بعض البلدان الأخرى. وهن أيضا أكثر مساهمة في تطوير المجتمع الفرنسي من نظيراتهن من بعض العربيات والمسلمات اللائي انحرفن إلى الجريمة والمخدرات، أو صرن عبئا حقيقيا على المجتمع نتيجة عدم رغبتهن في دخول تحدي التعليم والمنافسة رغم “مظهرهن الفرنسي”؛ لأنهن اكتفين بالقول: إنهن مجرد ضحايا للعنصرية والتعصب.

وقد دخل الإعلام الفرنسي -وخاصة المرئي- في حالة حرب مع “الفتيات المحجبات”، وليس مع نماذج الفشل الحقيقية لأبناء المهاجرين الأجانب في البلاد؛ فقد ربط بينهن وبين الأصولية المتطرفة وثقافة العنف والإرهاب، وحمل على ظهورهن مسئولية كل مظاهر الفشل التي عاشتها كثير من المجتمعات الإسلامية؛ ليعمق من ثقافة الخوف داخل المجتمع الفرنسي المنفتح بطبعه، وبصورة باتت محزنة أمام كثير من المراقبين.

فالمدهش أن عدد هؤلاء الفتيات لا يتجاوز الـ1200 وبقاؤهن في مدارس الدولة الفرنسية يعطي قوة هائلة وحيوية كبيرة للنموذج الفرنسي ولصورته في الخارج، خاصة أن العلمانية في فرنسا غير مهددة، وأن النظام الفرنسي أكثر رسوخا وقوة مما يعتقد بعض من في النخبة الفرنسية، بل وما زال لدية قدرة على أن يستمر، وأن يستكمل ما بدأهفي رحلة بناء “البديل الأوربي” للنموذج الأمريكي، بشرط أن يعدل بعض مفاهيمه ويدمج في علمانيته الصارمة مسألة احترام الحرية الدينية، ويضعها على نفس مستوى احترام القوانين الديمقراطية والمدنية، كما هو حادث في كل المجتمعات الديمقراطية.

——–

(ü) خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية وعضو الجمعية الفرنسية لدراسات العالم العربي والإسلامي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>