خطب منبرية: “اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب” “اللهم حوالينا، لا علينا”


الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يعلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، خير من دعا إلى الله، صلى الله عليه وعلى أصحابه، أهل الجد والتشمير وسلم تسليماً كثيراً

أما بعد :

إخوة الإسلام : إن هذه الأمة أمرها الله أن تعتبرمما وقع للأمم الغابرة، وتتفكر فيه، لتكون على بينة من أمرها، حتى لا تقع فيما وقعت فيه هذه الأمم من ويلات ودمار.

فإن العاقل من تذكر واعتبر، والسعيد من وُعظ بغيره، قال تعالى : {فاعتبروا يا أولى الأبصار}، وقال : {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها}.

عباد الله : لاشك أنكم سمعتم ما جرى في بعض مناطق البلد من كثرة الأمطار التي تسببت في هلاك كثير من الأنفس، وتلف الكثير من الأموال والممتلكات، حتى أصبح أهلها بلا مأوى ولا مال، وليس عندهم ما يلبسون ويفترضون ولا ما يأكلون ويشربون.

ألا يذكرنا هذا  بما جرى للأمم السابقة مما قصه الله علينا من القرآن العظيم لنعتبر به ونتعظ، ولكن أصحابنا لا يحبذون سماع هذا الكلام، ويعتبرونه تخلفاً، وينسبون هذه الحوادث إلى الطبيعة والظواهر الكونية أو الحركات الفلكية.

ونقول لهؤلاء : إن كل ما يقع في هذا الكون من حوادث وظواهر وحركات لا تخرج قيد أنملة عما قدره الله وأراده.

فمن الذي أعطى الأمر بإغراق قوم نوح حتى عمّ الطوفان قمم الجبال، ولم ينج منه إلا نوخ عليه الصلاة والسلام، وأصحاب السفينة ومن الذي أرسل على قوم عاد الريح العقيم{ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعله كالرميم}.

ومن الذي أرمل على سبأ سيل العرم فدمر مزارعهم وأهلك أموالهم وأغرق ديارهم، ودكّ حصونهم، فذلّوا بعد عزة وضعفوا بعد قوة. قال تعالى : {لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من زرق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم جنتيهم جنتين ذواتيْ أكل وخمط وأثل وشيء من سدر قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل يُجازى إلا الكفور}.

عباد الله : إننا إذا تفكرنا فيما يجري من الحوادث وربطناها بمثيلاتها مما ذكره الله في كتابه، نجد أن سنة الله لا تتغير، كما قال تعالى : {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً}.

يجب علينا نحو هذه الحواردث والكوارث عدة أمور :

الأول : أن نستدل بها على قدرة الله سبحانه، وشدة عقوبته للعصاة والمذنبين، فنخشى أن يصيبنا ما أصابهم فنتوب إلى الله من ذنوبنا، لكن مع الأسف الشديد البعض منا لا يعتبر بها ويعتبرها حوادث عادية قال تعالى في مثل هؤلاء : {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}.

إن نسبة هذه الحوادث إلى الطبيعة وإلى غضب الطبيعة كما نسمع ذلك في وسائل إعلامنا كفر بالله تعالى : فقد روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن زيد بن خالد ] قال : صلى بنا رسول الله  صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء أي مطر كا نت من السيل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال : >هل تدرون ماذا قال ربكم؟< قالوا : الله ورسوله أعلم قال : >أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب<.

ففي هذا الحديث دليل على أن إنزال المطر وحدوث الحوادث من الله عز وجل هو الذي خلقها وقدرها، فمن نسب ذلك إلى الله فقد آمن بالله وشكرنعمته، ومن نسبها إلى غير الله فقد كفر بالله ولم يشكر نعمته، وهذا الكفر فيه تفصيل، فإن كان يعتقد أن الكواكب والطوالع والحركات الفلكية والظواهر الكونية هي التي تتصرف في نزول المطر أو انحباسه، فهذا كفر أكبر، وهو قول أهل الطبيعة الذين لا يومنون بالله.

وأما إن كان لا يعتقد أن لهذه الأشياء تأثيراً في نزول المطر وانحباسه، وإنما ذلك إلى الله، ولكنه أضاف حدوث هذه الأشياء إليها من إضافة الشيء إلى سببه فهذا كفر أصغر، لأنه نسب أفعال الله إلى غيره.

والواجب نسبة نزول المطر وجميع النعم أو النقم إلى الله سبحانه قال تعالى : {ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله}الآية.

الأمر الثاني : يجب علينا أن نعتقد أن هذه الحوادث من فيضانات وغيرها تجري من الله سبحانه وتعالى لينبه بها العباد، ويذكر بها المؤمنين قال تعالى :{ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}.

الأمر الثالث : يجب على كل المغاربة أن يتعظوا ويعتبروا بهذه الحوادث المروعة، ويتوبوا من ذنوبهم حكاماً ومحكومين ويشكروا الله على نعمه العظيمة بالاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وصرفها في طاعة الله، ولا يسرفوا في استعمالها، ويبذروا في إنفاقها.

في الأمس القريب كان المسؤلون يتحدثون عن موسم آخر من مواسم الجفاف، فاضطربت القلوب واقشعرت الأبدان، وإذا الولي الحميد يستجيب دعاء عباده الصالحين وأوليائه المتقين، رغم كثرة الظالمين وجسارة الفاسقين.

ولولا دعاء الصالحين المتقين، وتبتل المومنين القانتين، وبراءة الصغار القاصرين، والبهائم الراتعين، لصب العذاب على هؤلاء الظلمة صبّا فليرفقوا بهؤلاء الصالحين وليتقوا الله في البلد والعباد، نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من عباده المعتبرين ومن أوليائه المتقين.

آمين والحمد لله رب العالمين.

üüüüüüü

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على نبي الرحمة والهدى وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار

وبعد :

عباد الله : لم يترك النبي  خيراً يعْلَمُه إلا علّمه لأمته حتى لا يصيبها أي مكروه، وقد كان النبي  يقول عند المطر : >اللهم سُقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق< فهل نحفظ هذا الدعاء وأمثاله في استقبال المطر. وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله  : إذا رأى المطر قال : >اللهم صيّبا نافعاً< أخرجه البخاري وأحمد والنسائي.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : إذا تخيّلت السماء -أي تهيأت لإنزال المطر- تغير لونه ، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرِي عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسألته فقال رسول الله  : لعله يا عائشة كما قال قوم عاد {فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا}.

وعن أنسبن مالك ] أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة ورسول الله  قائم يخطب فاستقبل رسول الله  قائما ثم قال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطت السبل، فادع الله يغثنا، قال : فرفع رسول الله  يديه ثم قال اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال، والله ما رأينا الشمس سبتا، قال ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله  قائم يخطب، فاسقبله قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، قال : فرفع رسول الله  يديه ثم قال : اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال : فانفعلت وخرجنا نمشي في الشمس< أخرجه البخاري ومسلم.

هكذا علمنا رسول الله  كيف ندعو عند استقبالالمطر ونزوله، فالدعاء يدفع البلاء أو يخففه إذا كان سيقع.

عباد الله  : إن هذه النصوص تدل على أن المطر قد يجعله الله عذاباً يهلك به من يشاء من المدن والمزارع، وقد يجعله الله رحمة يحيي به الأرض بعد موتها، وهذا دليل على قدرة الله الذي يصرفه كيف يشاء قال تعالى : {وهو الذي أرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهوراً لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيراً، ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراَ}

نسألك اللهم العلي العظيم أن تجعلنا من الشاكرين لنعمك المشفقين من عذابك ونقمك فإنك فعّال لما تريد.

اللهم أنبت لنا الزرع وأدِرّ لنا الضرع، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يشكفه غيرك.

اللهم اكشف ما نزل بإخواننا من بلاء، فإنك أنت الكاشف للبلوى، وعوضهم خيراً عما فقدوه من أهلهم وأموالهم. اللهم اجعل هذا البلد آمنا من كيد الكائدين ونفاق المنافقين وتربص المتربصين.

اللهم من أراد لهذا البلد خيراً فأعنه عليه، ومن أراد لهذا البلد شراً، فافضحه على رؤوس الأشهاد.

اللهم انصر الاسلام والمسلمن، وأذل الشرك والمشركين. اللهم سلط مقتك وغضبك على اليهود المارقين وأنصارهم من الصليبيين، فإنك أنت القادر على محقهم وإبادتهم. اللهم إنهم فتنوا عبادك وقتلوا أولياءك فسلط عليهم ما يستحقونه من عذاب فإنهم لا يعجزونك ولا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء.

اللهم ثبت المجاهدين في كل مكان وشد أزرهم وقو عزائمهم وارزقنا معهم الثواب الجزيل في الدنيا والآخرة.

محمد الرحاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>