حملة التضامن مع الفقراء، هل هي بداية لإيقاف سبل التفقير والتجويع والترف؟


التضامن عقيدة دينية

يعرف المؤمنون منذ أن عرفوا دينهم وعقيدتهم أنهم “أمة”، بل هم خير أمة أخرجت للناس ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وآمنوا بالله وأنهم أمة من دون الناس كما عبر كتاب رسول الله  الذي أعلن قيام أول دولة للإسلام على أرض المدينة المنورة.

ويعرف المومنون منذ أن عرفوا دينهم وعقيدتهم أن بعضهم من بعض، وأن بعضهم أولياء بعض {يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، ويوتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}-التوبة : 71-.

ويعرف المومنون حق المعرفة >أن المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة<-رواه البخاري في كتاب المظالم عن عبد الله بن عمر-.

ويعرف المسلمون من حديث رسول الله  المعلوم الذي يقول فيه : >الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله< وأحسبه قال : وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر<-رواه البخاري من حديث أبي هريرة-.

كل ذلك وغيره يعرفه المسلمون، وإن التاريخ لم يعرف حضارة دأبت منذ نشأتها على محاربة الفقر وإزالة العوز والحاجة من المجتمع مثل الإسلام، ففي مكة والدعوة الإسلامية في بدايتها كان هاجس الفقر يحتل مكانه المناسب في فكر النبي  .فحينما كان النبي  وأصحابه مطاردين قلة ومستضعفين، جاء إليه  من آمن به من الفقراء والعبيد من قريش ومن حولها يشكون إليه ضعف قوتهم وقلة حيلتهم فيأمرهم بالصبر، ثم يبشرهم بالأمن والاستقرار الاقتصادي فيقول : >والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسيرالراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون<-رواه البخاري-.

ولذلك نجد أن من بين القضايا الهامة التي تناولها القرآن الكريم الأمر بالإنفاق على المحتاجين والبذل في سبيل الفقراء والمعوزين وإطعام اليتامى والمساكين، ففي سورة المعارج نجد قول الله تبارك وتعالى في وصف المصلين المومنين {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}-المعارج : 24، 25-.

وفي سورة الماعون نجد الصورة المقابلة للمكذبين بالدين الذين يتصفون بظلم اليتيم، ولا يحثون غيرهم على اطعام المحتاج والمسكين فقال تعالى : {آرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدُعُّ اليتيم ولا يحض على طعام المسكين}-الماعون : 1، 3-.

ومن هذا المنطلق كانت دعوة الإسلام إلى محاربة الفقر ونبذ الحاجة من المجتمع مرتبطة بالعقيدة والسلوك والإيمان، وليست هذه الدعوة مجرد مواعظ وخطب وتوصيات في المناسبات فحسب، بل هي أشمل من ذلك، ولو تحلت البشرية بأخلاق الإسلام ما كانللعالم أن يصل إلى ما نراه اليوم قال تعالى : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}-الأعراف : 96-.

الفقر والندرة

لقد تحدث القرآن الكريم عن الفقر في حوالي أربعة عشر مرة، فمرة بلفظ الفقر في قوله تعالى في سورة البقرة {الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء}-آية : 268- وخمس مرات بلفظ فقير أو الفقير، ومنها قوله تعالى في سورة آل عمران : {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغيناء}-171-.

وقوله تعالى في سورة القصص : {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل وقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}-24-.

وسبع مرات بلفظ “الفقراء” كقوله تعالى في سورة التوبة : {إنما الصدقات للفقراء..}-60-.

ثم مرة واحدة بلفظ “فاقرة” وهي قوله تعالى في سورة القيامة : {أن يفعل بها فاقرة}-25-.

كل هذه الآيات جاءت إما في سياق ذم الفقر أو الدعوة إلى مساعدة الفقراء، وهذا كلهبالإضافة إلى كون الإسلام قد ضمن للإنسان حقه في الخدمات الأساسية، مهما كانت الظروف والأحوال واعتبر هذا الحق مشروعا ومحافظا عليه بقوة القانون فقال تعالى : {ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا}-البقرة : 168-.

وفيما رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري ] أن رسول الله  قال : > من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر أصنافا من المال حتى رأينا أنه لا حق لأحدنا في فضل<-رواه مسلم-.

بل إن الرسول  بين حق ابن آدم في المسكن والملبس والمأكل والمشرب في قوله  : >ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء<،.

وموازاة مع ضمان حق الإنسان في الخدمات الأساسية، فإن القرآن الكريم يقرر كفاية الأرض بمواردها وامكانياتها لتغطية احتياجات البشر والمخلوقات كافة على ظهرها، قال تعالى : {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين}-هود : 6-.

وكلمة الرزق تشمل كل ما يمكن أن يحتاجه الإنسان وما يناله من خيرات شتى، ولذلك يؤكد القرآن الكريم هذا المعنى في آية أخرى بقوله : {وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار}-ابراهيم : 34.

من أسباب الفقر

أ- التقصير في طلب الرزق :

إن تحقيق الكفاية المتوسطة لكل أفراد المجتمع تحتل مكان الصدارة في الإسلام الذي يتوسل إليه بوسيلتين : العمل عند القدرة والإحسان عند العجز، قال تعالى : {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون}-التوبة : 106 ولما كانت الأرض هي المنبع الأول لغذاء الإنسان بما تنتجه من محاصيل وثمار فقد أولت الشريعة زراعة الأرض عناية شديدة حتى إذا تيقن الغارس أنه لن ينال من ثمار غرسه شيئاً، ففي الحديث : >إن قامت الساعة وفي يد أحدكمفسيلة فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها<-رواه البخاري ومسلم-. ثم جعل هذا الهدف مرتبطا بالقيم الأخلاقية التي تتمثل في طلب الأجروالثواب من الله عز وجل على استثمار الأرض فقال  : >أفضل الصدقة أن تشبع كبداجائعا<-رواه البيهقي في شعب الإيمان-.

ب- الانحراف في التوزيع وطريقة الكسب :

إن الانحراف في التوزيع والمبالغة في الاستهلاك من طرف أدى إلى نقص وحاجة الطرف الآخر، وإن الانحراف في طريقة الكسب كان سببا رئيسيا في إيجاد الفوارق الاجتماعية الشاسعة والتناقض المخيف بين من يملكون الملايين والذين لا يملكون الفتيل، بين الذين يملكون البيوت الفخمة والذين يقطنون في الأكواخ الخشبية، بين الذين يعيشون وسط الحدائق الغنّاء والذين يقطنون بين أكوام القمامات والأوساخ والأزبال وتجمعات المياه الراكدة والحفر والحشرات والفئران، بين الذين يلبسون ثيات الحرير النظيفة الأنيقة والذين يسترون أجسادهم الضعيفة الهزيلة المريضة الجائعة بالخرق البالية.

كل هذه الفوارق الموجودة في العالم الإسلامي أوجدها سوء التوزيع وإدارة المال وكذا الانحراف في طريقة الكسب.

ولذلك نجد أن الإسلام حارب الترف الاستهلاكي واعتبره رذيلة خلقية وسببا لدمار المجتمع فقال تعالى : {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا}-الإسراء : 17- فالقرآن الكريم يتحدث عن الترف والمترفين في حوالي ثمان آيات وجلها يربطها القرآن الكريم بالكفر والظلم والاجرام والعذاب قال تعالى : {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين}-هود : 116-.

وقال تعالى : {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا..}-المومنون : 33-.

ثم يصف الحق سبحانه وتعالى عذاب هؤلاء المترفين بقوله : {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذاهم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون}-المومنون : 66-.

لذلك نجد أن المترفين كانوا دائما سبب دمار الأمم وسقوط حضارتها وأقنية القاذورات والأمراض الجنسية والانحلال الذي يتسرب إلى جسم الأمة.

أما الفقراء فهم دائما سواعد الانتاج في السلم، ودروع البلاد في الحرب ولذلك يقول الرسول  : >إنما ترزقون وتنصرون بفقرائكم<.

مواقف بطولية للدفاع عن الفقراء

فهذا أبو مسلم الخولاني (عبد الله بن ثوب) رحمه الله سيد التابعين وزاهد العصر يقوم لمعاوية بن أبي سفيان في المسجد وكان قد منع العطاء عن الناس ليتكلم عنه بكل شجاعة وثبات، فيقول له : >يا معاوية، إنه ليس من كدِّك ولا كدِّ أبيك، ولا كد أمك< حتى يغضب معاوية، وينزل عن المنبر، ثم يعود ]، بعد أن اغتسل ليضرب أروع أمثلة في قبول النصحية، مهما كانت مرة فيقول : >إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول الله  يقول : >الغضب من الشيطان،و الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل< وإنما دخلت فاغتسلت، وصدق أبو مسلم : إنه ليس من كدِّي ولا كدّ أمي فهلموا إلى عطائكم<-ابن كثير، الجامع للأصول في أحاديث الرسول 52/ وسير أعلام النبلاء للذهبي 7/4 نقلا عن كتاب الأمة عدد 71/49.

وروي أن الإمام مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله دخل يوما على هارون الرشيد فحثه على مصالح الفقراء والمسلمين فقال له : لقد بلغني أن عمر بن الخطاب ] كان في فضله وكرمه ينفح لهم عام الرمادة النار تحت القدور، حتى يخرج الدخان من لحيته، وقد رضي الناس منكم دون هذا..< القاضي عياض، ترتيب المدارك 95/2 نقلا عن المصدر السابق-.

واقعنا المؤلم

إن الناظر في واقعنا المؤلم ليلحظ بجلاء أننا ابتعدنا عن ديننا الحنيف أشد البعد، فغاب من واقعنا مفهوم الرحمة التي هي الغاية التي نزلت من أجلها الشريعة الإسلامية {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.

وغاب مفهوم الإحسان أي التنازل للناس عن حقوقنا {إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى..}-النحل : 90-.

وغاب مدلول المحبة التي هي من ثمرات الأخوة {إنما المومنون إخوة}-الحجرات : 10-.

وغاب مفهوم الإيثار الذي كان يحكم جماعة المسلمين {ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}-الحشر : 9-.

وحسبنا أن نعلم أن المسلمين في جيش العسرة (غزوة تبوك) بعد أن نفذ زادهم في طريق العودة اشترك العشرة منهم في امتصاص التمرة الواحدة، فكان ما كان من النصر والتمكين، فأين واقعنا اليوم من التحقق بشروط النصر؟

واجب الأغنياء

لقد شرع الإسلام قواعد إلزامية لتحرير البشر من الفقر فقال علي كرم الله وجهه : “لو كان الفقر رجلا لقتلته” وكان من دعاء الرسول  : >اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر<، ومن هذا المنطلق طلب الشارع من الأغنياء أن يؤدوا شكر النعمة، بإعطاء الفقير حقه، ذلك أن الله عزوجل جعل حقوق الفقراء أمانة عند الأغنياء، فإذا جاع الفقير أو عري فبظلم من الغني، وإذا كان هناك دابة في الأرض لا يصلها زرقها فلابد من وجود تقصير في طلب الرزق أو انحراف في طريقة الكسب وسوء التوزيع، وإذا حاول الأغنياء الاقتصار على الصلاة والصيام والحج وأداء النوافل وقعدوا عن إعطاء الفقراء حقهم وظنوا أنهم خرجوا من عهدة التكليف فقد أخطأوا فهم التكليف الإسلامي خاصة وأن النفقة تصبح فريضة عندما تكون الحاجة ملحة تدعو لإنقاذ حياة الآخرين أو لتخفيف ضيقهم.

ولقد أخبر الرسول  بأن الله غفر لأمرأة مومسة مرت بكلب على رأس زكي(بئر) يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها فنزعت له الماء، فغفر لها بذلك، فقيل : وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال في كل ذات كبد رطبة أجر<-متفق عليه-.

وفي حديث آخر بين فيه الرسول  الصورة المعاكسة لهذه الحالة، إذ يقول : >عذبت امرأة في هرة أمسكتهاحتى ماتت من الجوع، فلم تكن تطعمها ولا أرسلتها فتأكل من خشاش الأرض<-متفق عليه-.

وهذا كله يوضح بجلاء النظرة الأخلاقية الانسانية في المذهب الإسلامي التي تعتبر إطعام الحيوان واجبا يعاقب القانون مانعه، فمن باب أولى إذا تعلق الأمر بغذاء وقوت الإنسان الشيء الذي يتجاوز يوم أو أسبوع الفقر إلى أبعد الحدود.

ويبقى أسبوع محاربة الفقر أسبوعا للتحسيس واستنهاض روح التضامن والتآزر وبادرة طيبة لسد حاجة واقعة.

وهل سيكون هذا الأسبوع بداية لإيقاف سبل التفقير والتجويع والترف؟

ذ. عبد العالي معگول

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>