هل من دور مؤثر للعلماء اليوم؟! مواقف مشهودة للعلماء


احتفظ التاريخ للقيادات العلمية الشرعية بمواقف بطولية في استنهاض الأمة الإسلامية، وإشاعة روح الجهاد للدفاع عنها، ونحن في أشد الحاجة اليوم إلى استحضاره والنسج على منواله، خاصة في هذه الظروف العصيبة التي تجتازها الأمة الاسلامية وتهدد فيها مشاعرها ومقدساتها.

فليكن العلماء -ورثة الأنبياء- في موعدهم مع التاريخ من جديد، تبليغا للرسالة وأداء للأمانة.

يحدثنا التاريخ عن تعظيم بعض الخلفاء للعلماء والفقهاء الأئمة الأعلام ومكانتهم المتميزة عندهم، مما يظن اليوم نوعا من الخيال، كما يحدثنا عن مواقف مشهودة للعلماء.

ابن المبارك رحمه الله

فهذا الخليفة هارون الرشيد (147- 193) يقدم الرّقة : المدينة المشهورة على الفرات- فينجفل الناس حول العالم الشهير ابن المبارك، وتقطع النعال لرؤيته، ويرتفع غبار الأتباع وراءه من كثرة ما هبوالمشاهدته، فتشرف أم ولد للخليفة من برج من قصر الخشب وتتساءل في اندهاش : ما هذا؟ حتى إذا قيل لها : عالم أهل خراسان قدم، قالت : “هذا والله الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَط وأعوان”(1).

إنها المكانة المرموقة، والحظوة العليا التي تجلب اهتمام الناس وطاعتهم، وتوجب احترام الخلفاء للعلماء وإجلالهم، وليس في ذلك من عجب أو استغراب، فقد كانت فتوى العالم المخلص لدينه وعلمه تُزلزل العروش وتُسْقط الرؤوس وتحرك الأمة، وكان الأئمة العلماء يتعهّدون الحكام بالنصح والتوجيه، وإنكار ما لا يبيحه الشرع أو يضر بالمسلمين، فيعلنون مخالفتهم حتى لا تغترَّ العامة بسكوتهم، وتظن أنه إقرارٌ وموافقة.

كما يحدثنا نفس التاريخ عن تحمُّل العلماء والفقهاء لرسالتهم، واستماتتهم في الدفاع عن الدولة الإسلامية وحمايتها، عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على الكيان والهوية وشرف الأمة، لضمان استمرار وجودها وحمايتها من أعدائها.

حدث هذا في أواخر العصر العباسي الثاني (232- 335هـ) عندما ضعفت دولة الخلافة وقوي نفوذ الأتراك وانتشرت الفتن في كل مكان وذر قرن الدويلات وأصبحت الخلافة القوية في يد الأتراك، فقام العلماء والفقهاء، يستنهضون الشعب المسلم المهزوم، ويشيعون في النفوس المكلومة روح الجلد والدفاع عن الأمة والإسلام، حتى استطاعوا أن يجعلوا من الشعب المغلوب على أمره سيدا، ينظر بعين الأمل إلى المستقبل الأفضل للأمة -التي عبث عدد من الحكام والأمراء المتسلطين بماضيها.

شيخ الاسلام ابن تيمية

وحدث مثله في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية حيث كان لموقفه البطولي دور عظيم في دفع التتار عن الشام وهزيمتهم في وقعة (شقجب) حين تأخر السلطان عن الدفاع عنها خوفا وإرجافا، فخرج للقتال وحث الناس عليه قائلا للسلطان : إن كنتم أعرضتهم عن الشام وحمايته، أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه، تاليا لقوله تعالى : {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

أما في العصر الإسلامي الأول، فقد كان العلماء العارفون بشرع الله تعالى، ينطلقون في توجيههم للأمراء والحكام ونصحهم لهم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا فلم يكونوا يترددون في الإنكار عليهم أحيانا دونما تهيب أو حرج، فقد روى الحسن البصري أحد كبار التابعين، أن عائذ بن عمر الصحابي ] دخل على عبيد الله بين زياد -المعروف بزياد بن أبيه قاتل الحسين ووالي العراق زمن بني أمية- فقال : أي بُنيّ! إني سمعت رسول الله  يقول : >إن شر الرعاء الخطمة (العنيف على الرعية) فإياك أن تكون منهم<(رواه مسلم)، فقال له زياد : “اجلس، فإنما أنت من نخالة (قشور الدقيق) أصحاب محمد، فقال عائذ : وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم”. وهو في قوله يقصد أن النخالة أنت ومثلك.

إنها شهادات ومواقف للعلماء الأفذاذ سيظل التاريخ يحتفظ بها للقيادات الشرعية الإسلامية عبر الزمن، ارتقى فيها العلماء إلى مستوى المسؤولية المطوقين بها لينهضوا برسالتهم يوجهون وينصحون وينكرون مالا يقره الشرع حتى لا تغتر العامة بسكوتهم فيظنون في ذلك إقرارهم، ورحم الله الإمام الغزالي الذي ذكر في سياق مقارنة له بين علماء السلف الصالح وبين علماء زمانه فقال : فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين، لكونهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم.. اخلصوا لله النية فأثر كلامهم في القلوب..

وأما الآن فقد قيدت الأطماع أَلْسُن العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم، وفساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه على قلوبهم(2).

——

(1) الخطيب البغدادي في التاريخ /10 165

(2) إحياءعلوم لدين ج 357/2

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>