نظرات في مسألة الخلق من سورة العلق


إن المؤمن ليتساءل وهو يقرأ سورة العلق ما هي العلاقة بين الأمر بالقراءة والتذكير بالخلق في شكله المطلق أولاً ثم خلق الإنسان نفسه على وجه الخصوص في أول لقاء للوحي مع قلب رسول الله ، {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق.

لقد كانت صيغة التذكير بصفة الآمر بالقراءة والذي يجب أن تتم باسمه كل قراءة، على أنه رب المأمور محمد  {الذي خلق}. فهو الذي خلق محمداً وغير محمد  من بني الإنسان وخلق كل ما دا ذلك مما سخر للإنسان وما لم يسخر له وما سخر ضده كإبليس عدوه الأول في دائرة التسخير والإستخلاف.

لقد كان جواب رسول الله  >ما أنا بقاريء< تعبيراً فطريا وطبيعيا عن غياب خاصية العلم أو التعلم السابق في حق شخصه وهو جواب صادق ومقبول بكل المقاييس.

ولكن الرد عليه لم يكتف بتكرار الأمر بل دشن معه دخولاً إلى مختبر الخلق ليخرجه ابتداء من تلك اللحظة بالذات خلقاً آخر قارئاً بإذن الله خلقه أول مرة.

والأمر الإلهي هنا إذ يقترن بالتذكير بالخق يفتح مدرسة قرآنية تعود بالإنسان، أي إنسان، مؤمنه وكافره إلى أصل وجوده وخلقه لعله يسلم بكليته لخالقه خلقا ووظيفة وهدفا في الحياة {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا}.

لقد كانت صيغة الأمر الإلهي في ذلك اليوم العظيم في تاريخ الكون >اقرأ باسم بك الذي خلق} تختلف عن صيغ الأمر العادية إفعل أو لا تفعل وذلك من وجهين :

أولاهما أنها أمر باستعمال طاقة لم يسبق الإستخلاف فيها وهي القراءة.

وثانيهما أن الصيغة تتضمن إضافة إلى الأمر بالفعل قراراً بالإمداد بما يلزم للقيام بالفعل بمجرد الإشارة اللطيفة إلى أن الأمر صادر من الذي أمد بمقومات أي فعل أو خلق سابق في الإنسان أو من حول الإنسان.

إن الجواب على الإقرار بعدم القراءة يعود بمحمد  إلى قصة الخلق بشكلها المطلق أولا {اقرأباسم ربك الذي خلق}، وحتى لا تيه أمام ضخامة الخلق وتنوع المخلوقات يدخله مباشرة في دائرة خلق الإنسان نفسه {خلق الإنسان من علق}. وتستمر العودة بالرسول  إلى مصدرية العلم بعد مصدرية الخلق لتذكره أن الرب الذي خلق هو نفسه الذي علم الناس قبل محمد  وسيعلمهم بعده {اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}.

إنه أمر بتلقي إمداد إضافي في عالم الخلق والعلم يخص الله بها عبده ورسوله محمداً  كمعجزة تصغى إليها قلوب المؤمنين فيما بعد وينحني أمام جلالها جحود المنكرين.

إن أهم درس نستخلصه من ورود الكلام عن الخلق في سورة تناولت أساسا من بدايتها الأمر لرسول الله  بالقراءة دون سابق تكوين يحمل في طياته دلالات عظيمة في الربط بين القدرة على الخلق وعلاقتها بالإمداد الرباني في كل لحظة زيادة أو نقصانا.

وكأن صيغة الأمر هذه تقول لمحمد  كن قارئا أو صر قارئاً بإذن الذي خلق وعلم الإنسان ما لم يكن يعلمه وهو يفد إلى الأرض.

{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون}.

هو سبحانه كما خلق وأودع خاصية التعلم في الإنسان بإكرامه بالعقل والبصيرة، فهو في كل لحظة قادر على التصرف زيادة أو نقصاناً في الكيان البشري بأمره العلوي كن فيكون {يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير}(فاطر : 1).

< ذ. عبد الخالق التازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>