افتتاحية: جاءكم المطهر فاجعلوه شهْرَ الأُلْفة والأخوة


أهَلّ على المسلمين شهر رمضان، شهر الصيام والقيام، شهر الإخبات والابتهال والتضرع الخاشع، شهر الصفاء والنماء، شهر التزكية والتصفية للروح، شهر الذكر والقرآن، شهر المغفرة والرضوان، شهر الإخلاص والخُلوص للرحمان، شهر التخلص من نزعاتِ الهوى ووساوس الشيطان. كيف لا، ورسول الله  يقول فيه في الحديث القدسي : >قال اللّهُ عز وجل : كُلُّ عَملِ ابن آ دَم له، إلا الصيام، فإنَّهُ لي وأنا أجْزِي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يومُ صَوْمِ أحدكم فلا يرفُثْ ولا يَصْخَبْ فإن سابَّهُ أحدٌ أو قاتَلَهُ فليقُل : إنّى صائِم، والذي نفْسُ محمد بيده لخلُوف فَمِ الصّائِم أطْيَبُ عند الله من ريح المسك، للصائِم فرحَتَان يفرحهما : إذاَ أفطَر فَرحَ بفطره، وإذا لقِيَ ربّه فرح بصوْمِه<(متفق عليه).

فهل مازال المسلمون يدركون هذا الفَضْلَ الرَّبَّانِيّ المتجلِّيَ في إتاحة الفرصة كل عام للمومنين ليجددوا إيمانهم، ويجدِّدُوا عبادتهم، ويجدّدوا نظرتهم إلى عظمة هذا الدين الذي يُْعْتَبَر هذا الشهر المبارك أحد مزاياه، وأحد معالمه التي لا توجد عند أية أمة، كما لا توجد في أي دين أو ملّة، هل يدركون هذا فيفرحون بقدومه كما فرح به المسلمون الأولون، ويصومونه صيام مُوَدِعٍ مُلتاعٍ، وكأنه فرصتهم الأخيرة، ورمضانهم الأخير، فيجوعون لله، ويظمأون لله، ويقنتُون لله، ويجتمعون لله، ويستغفرون الله لله، ويكبّرون الله لله، ويذكرون الله لله، ويحبسون ألسنتهم عن الغيبة والنميمة لله، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وقريباً وجاراً ومحتاجا لله، ويعفّون عن الخنا والفحش لله، ويكثرون من الدّعوة لدين الله لله.

هل يستحضرون كل هذا وأكثر من هذا فيُعِدُّوا أنفسهم الإعداد الجيد لتحقيق صفة >العَبْدِيّة< التي هي أشرف وسام يتقلّده المُخْلصون المحسنون حينما يصطفيهم الله تعالى ويصبحون عنده من المتقين الأبرار، ومن المصطفيْن الأخيار، الذين إذا تجرَّأَ على إذايتهم أيُّ مخلوق آذنَه الله بحرب مُدَمِّرة لكيانه، سواء كان هذا المخلوق شيطانا أو جنا، أو إنسا، فرداً أو جماعة، قوة كبرى، أو قوة صغرى.. كل ذلك لا يساوي شيئا أمام قوة العزيز الجبار الآخذ بالنواصي والأقدام.

فهل يفهم المسلمون بمناسبة شهر الإخلاص أن قوة الله عز وجل هي القوة التي لا تقهر وهي القوة التي لا تَعْلُو فوقها قوة فيحرّروا أنفسهم من الخوف الموهوم، ويعتقوا أنفسهم من هيمنة البشر الذي لا يملك نفعا ولا ضراً. ويعدوا أنفسهم للتحصّن داخل أسوار الصدق والإيمان التي توَفر لهم بكل يقين ما يطلبون من الفوز والفلاح، وما يتمنون من النصر والفتح المبين. إلا أن ذلك لا يتحقق إلا بتحقّق شروط أساسية على رأسها :

-1 أن تعزم الدّول الإسلامية على إزالة التناقض الصارخ بين دسترة الإسلام وتشريع وتشجيع كل مايُهَدِّم أركانه.

-2 أن تعي الشعوب بمخاطر الخنق الاستعماري والنفاقي فتعرف كيف تختار مسؤوليها في كل المستويات، وتعرف كيف تتصالح مع ذاتها وتتعايش مع مكوّناتها، فالعدو لا يفرق بين أبيض وأسود.

-3 أن تعمل الطائفة الظاهرة على الحق من أمة سيدنا  على جمع الكلمة، ونبذ الفرقة، وزرع بذور المحبة والأخوة بين كل الطوائف المتساكنة على اختلاف التزامها بالاسلام واستظلالها بلوائه. فالحزبية والعصبية والأنانية كلها شر مستطير، ولذلك حذرنا الله تعالى من هذا الشر العاصف، فقال : {ولا تَكُونَوا كالذِين تفرَّقُوا واخْتَلَفوا من بعدِ ما جَاءهُم البَيِّنات وأُولئِك لهُم عذابٌ عظيمٌ}(آل عمران : 105) وقال : {ولا تَنَازُعُوا فتفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُم}(الأنفال : 47). بينما الخير كل الخير في الألفة والالتحام والاتحاد حِسّاً ومعنى، دنيا وأخرى، روى أبو عمرو الأوزاعي.. أن عَبْدة بن أبي لبابة لقي مجاهداً، فأخذ بيده، فقال مجاهد : >إذا الْتَقى المُتحابّان في الله فأخذَ أحدُهُما بِيَدِ صاحِبِه، وضَحِكَ إلَيْه، تحاتَّتْ خطَايَاهُ، كمَا تحَاتَّ ورَقُ الشَّجَر< قال عبْدَةُ : فقلتُ له : >إنَّ هذا لَيَسِىرٌ< فقال : لا تقل ذلك، فإن الله تعالى يقول : {لوْ أنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاَ ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِم ولكِنَّ اللَه ألَّفَ بَيْنَهُم إنَّهُ عَزِيز حَكِيمٌ}(الأنفال : 63) قال عبدة : >فعرَفْتُ أنَّهُ أفْقَهُ مِنِّي<.

فهل يكون هذا الشهر المبارك شهر الفقه الجيد للألفة، والفقه الجيد لثمرات الألفة، والفقه الجيد لشرور الفتنة والفرقة. ليس ذلك على الصائمين الصادقين بمستحيل، وليس ذلك على الله ذي الفضل العظيم ببعيد.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>