فضاءات دعوية : أهمية فقه الواقع في الممارسة الدعوية


الصحوة الدعوية والحاجة إلى الوعي بمنعطفات المرحلة

من الحقائق التي لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد ما تشهده ساحة الصحوة الاسلامية من ا تساع في رقعة المنتمين، وتجديد في خطاب الدعوة إلى الله، تم خلالها تجاوز العديد من الممارسات الدعوية التي أضرت  بمسار الدعوة ، في وقت يشهد على تشابك العلاقات بين العقيدة والالحاد، بين الاسلامية والعلمانية، على المستوى العالمي برمته، كان من أبرز نتائجه تصنيف العاملين في حقل الدعوة في خانة الأصوليين تارة أو الإرهابيين تارة أخرى، كما صنف الاسلام ذاته في خانة الخطر الأخضر الذي يهدد مصالح القوى العظمى في العالم.

وعلى الرغم من التحول المشهود الذي عرفته مسيرة الصحوة في الوقت الراهن، فإن المتتبع لمسارها، والمدقق في واقعها، سيلاحظ، لامحالة، الحاجة الماسة إلى المزيد من الوعي على كافة المستويات، عقيديا وتشريعيا وفكريا ومعرفيا ومذهبيا وسياسيا واجتماعيا.. كان لغيابه في العقود السالفة آثار خطيرة كرست غياب الممارسة الدعوية الصحيحة، وفتحت المجال على مصراعيه لبروز التيارات المنحرفة والمعلمنة والمغربة، التي استطاعت بما منحته إياها قوى الاستعمار الداخلي والخارجي، من امكانيات مادية ومعنوية، من السيطرة على القطاعات الحيوية في البلاد الاسلامية، تحولت معها الكثير من هذه البلدان من مرحلة المطالبة بالوحدة العربية تحت رابطة الاسلام، إلى المطالبة والدفاع عن خيار الوحدة القومية التي كانت سببا في بروز المجتمعات الاقليمية والقطرية.

وحتى أولئك الذين دافعوا ولا يزالون، عن تطبيق الشريعة الاسلامية وتأسيس دولة الخلافة، تنقصهم الكثير من عوامل تحقيق الوعي، إذ لا يكفي أن يحفظ الانسان آيات القرآن الكريم ومتون الأحاديث النبوية الشريفة ليصبح مؤهلاً للدعوة بمختلف وجوهها. وإنما الحاجة ماسة إلى جانب ذلك، إلى وصول المرء إلى مرحلة الفقه الذي هو هنا بمعنى الفهم العميق للشيء، ولعل هذا ما تفصح عنه متابعة العديد من تجارب بعض العاملين في حقل الدعوة الاسلامية، الذين تبَيَّن فشلهم، أو دخولهم مرحلة الأزمة، عمق الحاجة إلى هذا اللون من الفقه، الذي بالنظر في السيرة النبوية الشريفة، وسيرة الخلفاء الراشدين والصحابة التابعين، يمنحنا الرؤية المبصرة للاسلوب العالي الذي سلكوه جميعا في الدعوة إلى الله، وما كان لهم أن يحققوا هذه المرتبة لولا إدراكهم للمعاني والدلالات والمقاصد التي صاغ من خلالها القرآن الكريم مجال الممارسة الدعوية، قنن منهجها، وأوضح معالمها وقيد أسلوبها حتى تكون موافقة لهدي الشرع الحنيف.

الصحوة وضرورة العلم بالأفقاه الدعوية الضرورية

وبالنظر في الأصول الجامعة لمنهجية الدعوة إلى الله من جهة، وكذا في تجارب العديد من الحركات والممارسات الحديثة والمعاصرة، يمكننا التأكيد على أن المطلوب توفر الداعي الى الله، على ثلاثة أنواع من الفقه، وهي : فقه الدين، وفقه الدعوة، وفقه الواقع، وهي الأفقاه الضرورية لاقامة الجسر القوي بين ما هو نظري وما هو تطبيقي، بين ما هو تشريعي وما هو ممارس على مستوى واقع الفرد والجماعة والأمة. وإذا كان المقصود بفقه الدين مجموع الطرائق والقواعد التي بها يقع فهم المراد الالهي في هدي الانسان كما جاء به القرآن والسنة المطهرة، إذ للوحي مجموعة من الخصائص والمواصفات، بعضها يرجع إلى طبيعة اللسان العربي، وبعضها يرجع إلى صفة الخاتمية التي منها انبثقت صفتا العموم والكلية. وتقتضي هذه الخصائص والمواصفات مجموعة من الآداب في فهم الخطاب الالهي لعباده فيما كان صريحا ومقصوداً، وما كان غير صريح، وفيما كان منصوصاً عليه أو غير منصوص عليه، وهي آداب تستمد قوامها من قانون اللسان العربي، ومن المقاصد الكلية للشارع، ومن أسباب النزول، بناء في ذلك كله على قانون العقل في الإدراك، ومن ذلك كله يتكون فقه الدين.

وإلى جانب هذا، إذا كان المقصود بفقه الدعوة، مجموع الآداب والقواعد التي بها يقع فهم المراد الشرعي في ممارسة الدعوة إلى الله جل جلاله، أو لنقل بصيغة  أخرى إن المقصود بفقه الدعوة مجموع مناهج تبليغ رسالة الله جل جلاله إلى المكلفين، والتي تقتضي الالتزام بالأخلاقيات العامة التي وردت في القرآن والسنة النبوية باعتبارهما أصل هذه المناهج وضابطها.

إذا كان هذا هو المقصود، بصفة عامة، بفقه الدين وفقه الدعوة، فإن المقصود بفقه الواقع، الفهم العميق بما تجري عليه حياة الناس، في مجالاتها المختلفة من أنماط المعيشة، وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وعادات وما يستجد فيها من نوازل وأحداث، ولا يتم هذا الفقه بالوجه المطلوب إلا بالانخراط الفعلي في واقع الناس ومعايشتهم ومعاملتهم؛ إذ الفقه في هذا الباب، من حيث العلم والفهم، لا غنى عنه لمن يريد فهم الواقع، سواء كان فقيها مشرعاً، أو مفكراً فيلسوفا أو مؤرخا.. ويحتاج فقيه الواقع إلى ثلاثة مكونات أساسية لفهم الواقع  وهي :

-1 المكون الديني، بحيث يقتضي ا لأمر استحضار العامل الديني، العقيدي في تكوين هذا الواقع.

-2  المكون التاريخي، بحيث يقتضي الأمر كذلك استحضار ما تراكم عبر التاريخ الاسلامي من معطيات وتجارب، إيجابية وسلبية، استصحبها المجتمع الاسلامي لتصبح عناصر مؤثرة في واقعه الحاضر.

-3 المكون الحضاري الخارجي، بحيث يقتضي الأمر أن يتم استحضار ما للحضارة الغربية المعاصرة من تأثير على البناء النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتربوي… للمجتمع العربي(1).

فقه الواقع جزء من فقه الخطاب الشرعي وآليات تنزيله

تمنحنا هذه التعريفات الموجزة إمكانية القول على أن المطلوب إعطاء الواقع، المحلي والدولي، ما يستحق منعناية بداخل الممارسة الدعوية؛ إذ كثيراً ما يؤدي تغييبه أو سوء فهمه؛ إلى بروز الكثير من الاختلالات في ميزان العمل. وعليه فإنه إذا كان فهم الدين وفقهه هو الأصل في التدين الصحيح، بل وهو الذي يتوقف عليه انجازه، فإن فهم الواقع والعلم به، هو القاعدة الضرورية التي ينبغي مراعاتها في عملية تنزيل النص الشرعي على واقع المكلفين، إذ لا يمكن فهم الدين مجرداً عن واقعهم، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الخطاب الشرعي ما أنزل إلا من أجل معالجة قضايا واقع الناس وترشيده لتحقيق القصد من الخلق، وأن تمثله يقتضي مبدئيا، تحقيق الفهم العميق لهذا الواقع الذي من أبرز سماته ا لتعقيد والتشابك ،وعليه يصبح فقه الواقع عاملاً مهما في عملية تحقيق التدين المطلوب شرعاً. يقول ابن القيم رحمه الله : >لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم : أحدهما فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلاقات حتى يحيط به علما. والنوع الثاني، فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك، لم يعدم أجرين أو أجراً<(2).

إن من المكملات الضرورية لقيام فقه الواقع، وهو ما نريد التأكيد عليه في هذا المقال، الاهتمام بمختلف العلوم، والاستئناس بمختلف مناهجها ما لم تخالف الشرع؛ ولعل خطورة توقف العلوم الاجتماعية والانسانية في حياتنا ما  حرم المفكر والمجتهد من التعرف على ساحة عمله وأضاع عليه خارطة الطريق التي يحاول أن يسكلها، لتنزيل المراد الإلهي على واقع الناس، وتحقيق تقويم سلوكهم بدين الله، وامتلاك شروط التغيير السليمة. ولا مناص من الاعتراف اليوم بأن آليات العلوم الاجتماعية تطورت تطوراً كبيراً على أيدي غير المسلمين، وبلغت شأواً واسعاً، في معرفة الانسان، الأمر الذي لا مندوحة منه لبسط الاسلام على حياة الناس، وإلا كان التعامل مع مجهول. لقد توقف العقل المسلم عن السير في الأرض، والتعرف على تاريخ الأمم في النهوض والسقوط، واكتشاف آيات الله في الأنفس والآفاق وآليات التغيير الاجتماعي، التي وردت في القرآن الكريم بشكل لافت للنظر، وهي أشبه ما تكون بالمعادلات الرياضية بعد أن أصبح القرآن مجرد تراتيل للتبرك، فظن كثير من المجتهدين أن العملية الاجتهادية تكفي لها الرؤية النصفية، وهي الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، أما دراسة محل الحكم، والكيفية التي يتم بها بسطه على الواقع وطبيعة هذا الواقع، بتركيب المعقد، وأسبابه القريبة والبعيدة، فلم تأخذ الاهتمام المطلوب، فانفصل الدين عن الحياة، وانتهى الفقه إلى تجريدات ذهنية وأراجيز حفظية، لا نصيب لها من الواقع<(3).

إن المطلوب من العاملين في حقل الدعوة إلى الله جل جلاله أن يكونوا على علم ودراية بالواقع محل الحكم الشرعي، ولا يمكن تحقيق هذه الخطوة الضرورية في التنزيل مالم ينخرط العامل في حقل الدعوة في هموم الناس، كبيرهم وصغيرهم حتى يتحقق لديه نصيب وافر من المشاهدة الميدانية، وإلا فإنه سيظل مجرد حاطب ليل، لا يدري أين يسير وإلى أين المصير ولا كيف يسير. ولعل في التزود بما يعين على فهم الواقع، من آليات ا لعلوم الاجتماعية ما ييسر المهمة على الداعي، يكون خلالها قادراً على فهم مجريات الأحداث السياسية والتاريخية والاقتصادية والثقافية التي تحتل حيزاً كبيراً في حياة المسلمين المعاصرين.

و يمكن التأكيد في الختام على أن فقه الواقع جزء لا يتجزأ من فقه الخطاب الشرعي وآليات تنزيله. وبما أن المطلوب من العاملين العمل على تصحيح أفهام الناس وتجديد سلوكهم، وتدينهم حتى يصح إسلامهم ويتجذر التزامهم به جملة وتفصيلا، فإن المطلوب، منهجيا في هذا المقام، تصحيح أدوات التعاطي مع واقع الناس بما يسمح بإيجاد الخطاب المناسب للوقائع المستجدة حتى في عصرنا الحاضر الذي تحكمه عدة متغيرات وآليات قضت بشكل ملحوظ على العديد من المرتكزات واحلّت الخلل بتدين الغالبية من المسلمين.

ولتحقيق هذه الغايات، يقتضي الأمر التسلح بالرؤية النقدية، التي يلتمس لتحصيلها العامل في حقل الدعوة العون من مجموعة من الأفقاه الضرورية نوجز أهمها في ما يلي :

< فقه المقاصد وما يدخل تحته.

< فقه النيات والمآلات.

< فقه الأولويات والمراتب.

< فقه التأجيل والاستثناء.

< فقه المرحلية والتدرج والاستطاعة.

< فقه السنن الكونية والتاريخية والاجتماعية والنفسية.

الهوامش

-1 انظر عبد المجيد النجار : فقه التدين فهما وتنزيلا

-2 ابن قيم الجوزية : اعلام الموقعين عن رب العالمين -87/1 88.

-3 عمر عبيد حسنة : كتاب الأمة ع 6 ص -14 15.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>