الإخلاص لله تعالى ومتابعة رسوله  تحقيق للشهادتين


من المعلوم أن الإسلام قام على أساسين عظيمين، الأول : أن يُعبد الله وحده لا شريك له وتلك شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني أن يُعبد بما شرعه على لسان رسوله ، وتلك شهادة أن محمداً رسول الله.

1- فالأساس الأول ينفي الشرك. والشرك (أو الاشراك) ضد التوحيد وهو يناقض العبودية الحقة، وهو في الدين ضربان :

أحدهما : الشرك الأعظم وهو اثبات شريك لله تعالى، وذلك أعظم الكفر وأظلم الظلم، وأقبح القبائح وأنكر المنكرات وهو أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتّب عليه من العقوبات في الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفر {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِر أن يُشْرَكَ بِه}(النساء : 116) وقال سبحانه : {ومن يُشْركَ باللَّهِ فقَد ضلّ ضلالاً بعيداً}(النساء : 48) وقال على لسان سيدنا لقمان لولده : {يا بني لا تُشْرك باللّه، إنّ الشرك لظلمٌ عظيم}(لقمان : 13).

والثاني : الشرك الأصغر، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور وهو الرياء والنفاق المشار إليه في قوله تعالى : {.. شركاء فيما آتاهم فتعالَى الله عمَّا يشركُون}(الأعراف : 190)، {وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهم باللَّهِ إلاّ وهُمْ مُشْرِكُون}(يوسف : 106)..

فالواجب إذن أن يحذر المؤمنون من جميع صور الشرك الظاهرة والخفية وأن يتأكدوا من سلامة العقيدة وذلك بمعرفة جميع صور الشرك الواقعة في الأمة، سواء منها ما كان شركاً في الأسماء والصفات أو شركاً في ربوبيته أو ألوهيته سبحانه.

2- أما الأساس الثاني فينفي الابتداع لأنك لا تجد متبدعاً إلا وهو منتقص للرسول  وان زعم أنّه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب أو يزعم أنها هي السنة إذا كان جاهلاً وإذا كان مستبصراً في بدعته فهو مشاق للّه ورسوله، ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى، قال تعالى : {قُلْ إنّما حرَّم رَبِّيَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإِثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأن تُشْرِكُوا باللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سلطَاناً وأن تَقُولُوا على اللّه ما لاَ تَعْلَمُون}(الأعراف : 31)، فالاثم والبغي قرينان والشرك والبدعة قرينان.

3- إن مقتضيات الشهادتين -الركيزتين الأساسيتين للاسلام- تتلخص وتتركز في الابتعاد عن الشرك بكل صوره والتخلي عن الابتداع بكل أنواعه، والابتعاد عن الشرك يعني التجرد لله تعالى في كل الأعمال، والتوجه إليه بها وحده، أما التخلي عن الابتداع فمأتاه التمسك بالسنة المطهرة وهو يعني متابعة رسول الله  في أقواله وأفعاله وتقريراته.

3. 1- الإخلاص لله تعالى :

>الإخلاص هو تصفية العمل من كل شوْبِ<(1) والمراد أن يكون عمل العبد صافياً نقيا مراداً به وجه الله عز وجل، لا أثر فيه لرياء أو سمعة أو ابتغاء ما سوى الله مما يغلُب فيه حظّ النفس أي >لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس: إما طلبُ التزيُّن في قلوب الخلق، وإما طلب مَدْحِهِم والهرب من ذمِّهم، أو طلبُ تعظيمهم، أو طلبُ أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه<(2).

فمناط الأمر في الاخلاص هو : >ما تنعقد عليه مجامع القلب من إرادة الله في العمل، فإن انعقد القلب على إرادة ما سوى الله، أو خالطه شيء من ذلك انتفى الاخلاص عن العمل، وكان عرضة للاحباط والبطلان، وقد يجر صاحبه الى الرياء ثم إلى النفاق وهو أبشع أنواع الانسلاخ عن الدين، وهو موجب لأشد أنواع العقاب، وأنكى أصناف العذاب، {إنّ المُنَافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِن النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}(النساء : 145)<(3).

والسبيل الى استرداد معيّة أهل الإيمان مشروط باستعادة الاخلاص، وتنقية العمل، من كل الشوائب، يقول تعالى : {إلاَّ الذِين تَابُوا وأصْلَلحُوا واعْتَصَمُوا باللّهِ وأخْلَصُوا دِينَهُمْ للَّه فأُولَئِكَ مَع المُؤْمِنِينَ}(النساء : 146).

>فالتوبة إلى الله هي الخطوة الأولى، ومفتاح الباب، لكن الذي يؤكدها ويصدقها ويحققها هو إصلاح حال العبد، وتدارك نفسه بما فاتها من صالح الاعمال، وتزكيتُها وتطهيرُها مما علق بها من قبيح الخصال.

ثم الذي يضمن استمرار هذا الإصلاح والإقبال عليه، ويجلب نفعه، ويجني ثمرته هو الاعتصام بالله، والاستمساك بحبله، والالتزام بدينه، والدوام على ذك والمواظبة عليه، ومجاهدة النفس عليه يوصل صاحبه إلى الإخلاص للّه عز وجل<(4).

والاخلاص مراتب حيث يتفاوت الناس درجات بحسب تصحيح العزم عليه والأخذ بأسبابه وتحصيل موجباته.

ويمكن جمع هذه المراتب المتعددة في أصول ثلاثة :

< الأصل الأول : إرادة وجه الله تعالى ، وذلك بـ>إخراج رؤية العمل عن العمل، والخلاص من طلب العوض عن العمل، والنزول عن الرضا بالعمل<(5) والذي يؤهل الإنسان للخلاص من هذه الآفات الثلاث هو معالجتها بأضدادها، فالذي يخلصه من رؤية عمله إدراكه لفضل الله عليه وتوفيقه إياه وشكر نعمه وفي الدعاء (اللّهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك له فلك الحمد ولك الشكر)، أما الذي يبعده من طلب العوض عن العمل، تفطنه إلى أنه عبد مملوك لله تعالى، فالتوفيق منه والأجر والمثوبة عنده {ولَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُم ورحمتُه ما زكَا مِنْكُمْ من أحدٍ أبداً ولكنَّ الله يزكي من يَشَاءَ}(النور : 21).

والذي يخلِّصه من آفة الرضى بالعمل عِلْمُه بما يجب للّه عز وجل من حقوق العبودية -حق الله على العباد، وحسن تبصُّره بعيوبه وتقصيره.

< الأصل الثاني : الوجل من العمل مع بذل المجهود(6) يقول تعالى في سورة المؤمنون {والذِينَ يوتُون ما أَتَوْا وقُلُوبهُم وجلةٌ أنَّهُم إلى رَبِّهم راجِعُون}(الآية : 60)، وقد أوضح معناها النبي  حيث قال : >هو الرّجُل يصومُ ويَصلّي ويتصدق ويخافُ ألاَّ يُقبل منه<.

< الأصل الثالث : إرادة نفع الآخرة(7) والمعنى أن يكون العمل بقصد الفوز بنعيم الآخرة -جنة النعيم -والنجاة من الجحيم -نار جهنم، فزينة الإنسان علمه، وثمرة العلم العمل، وقبول العمل بالإخلاص، فعلى المكلف أن يحرص على تحقيق شرط قبول الأعمال، وهو الحد الأدنى من الإخلاص والرقي في مدارجه ومراتبه إلى حين حصول التجرد الكامل، وهي درجة خاصة الخاصة من الأصفياء والأولياء وعباد الله المخلصين.

ومن فوائد الإخلاص نورد ما يلي :

> أن مع الإخلاص ينمو الثواب ويكثر وذلك لقول الرسول  >أخلص العمل يكفيك القليل<.

> أن مع الإخلاص يكون إتقان العمل >أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك< فاستحضار معيّة الله تعالى ومراقبته وإرادة وجه الأعلى يحقق التفاني في العمل والرجاء والتقرب إليه بأحسن الأعمال.

> أن مع الإخلاص يدوم العمل، لأن العبد حين يعلم أن العمل إنما يريد به وجه الله ومرضاته، يداوم عليه لأنه يتعامل مع الحي الدائم جل وعلا.

> الرقي في مراتب الإيمان، لأن المخلص في عمله، يقوِّي صلته باللّه وبالتالي يقوي تعلقه بربِّه فيرجو رحمته ويخشى عذابه ويخجل من عمله.. وهذا يعني قوة الإيمان بالله..

المطلوب إذن الإخلاص في كل شيء (وهذا هو سر وجوب النّية في مستهل كل العبادات)، الإخلاص في العبادة، الإخلاص في المعاملات، الإخلاص في الأخلاق، الإخلاص في الدعوة.. {قُلْ إن صلاتي ونُسكي ومحيايْ ومَمَاتِي للّه ربِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْت وأنا أوَّلُ المسلمين}(الأنعام : 162).

3. 2- متابعة رسول الله  :

إذا كان الإخلاص هو الشرط الأساسي والأول لقبول الأعمال فإن طريقة انجاز هذه الأعمال تُعد الشرط الثاني حيث الواجب أن تكون وفق السنة.

والسنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم من مصادر التشريع الإسلامي، وهي الترجمة العملية للوحي على لسان رسوله ، كما أجمع فقهاء المسلمين على الاحتجاج بها واعتبارها مصدراً للفقه الإسلامي، وقامت الأدلَّة على إثبات حجيتها، منها قوله تعالى {من يطع الرّسول فقد أطاع الله}(النساء : 80).

ومنها أيضا {أطِيعُوا اللَّه وأطِيعُوا الرّسول}(النساء : 59)، وقال تعالى : {وما كَان لمومِن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}(النحل : 44)، وقال : {فآمِنُوا باللَّه ورسُولِه النبي الأمي الذي يومِنُ باللَّه وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}(الاعراف : 158).

والرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك مناسبة للتنبيه إلاّ نبّه ولا للوصية إلا أوصى.. فنجد في أحاديث عديدة الدعوة للتمسك بالسنة والتحذير من الاختلاف والابتداع.

> عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله  : >من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ<(رواه البخاري).

> عن أبي نجيح العرباض بن سارية ] قال : وعظنا رسول الله  موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا : يا رسول الله : كأنها موعظة مودّع فأوصنا، قال : >أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعَلَيكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة<(رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح).

وتعريف البدعة هو >ما أُحدث مما لا أصل له في الشرع يدل عليه، وأما ما كان له أصلٌ من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة، قال ابن العربي : ليست البدعة والمحدث مذمومين للفّظ بدعة ومحدث ولا معناهما، وإنما يذم من البدعة مايخالف السنة ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة اهـ<(8).

وروى الحافظ أبو نعيم بإسناد عن ابراهيم بن الجنيد قال : سمعت الشافعي يقول : البدعة بدعتان :بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها اعتبار الأمر المبتدع هو نفسه ردّ من قبيل، المبالغة أي باطل غير مُعتدٍ به، وصاحبه ليس له من الأجر شيء إنما يجهد نفسه مادّيا وجسديا ويضيع وقته وذلك كنذر القيام، وعدم الاستظلال في الصوم.. فهو غير مشروع وبالتالي فلا يطمع صاحبه في الأجر مطلقاً<(9).

وكذلك يدخل في الابتداع/البدعة كل عمل يراد به التقرب إلى الله تعالى على غير ما شرعه سبحانه على لسان رسوله الكريم .. فهو سبحانه يريد أن نعبده بما شرع لابما تمليه علينا أهواؤنا أو اجتهاداتنا غير المبنية على الشرع.. وأضرار البدعة كثيرة لأنها عندما تشيع في الأمة تصبح هي التديّن وهي الأصل، وأي محاولة لارجاع السنة في التدين تكون محاطة بالعراقيل والصعوبات… والواجب على أبناء الحركة الإسلامية المعاصرة أن يحذروا من كل ألوان وأصناف البدع وألاّ يتركوا لها المجال لكي تنتشر في صفوفهم لأنها سبب للتفرقة والاختلاف المذموم، وعليهم -وهم طليعة هذه الأمة- أن يقوموا بحملات للتوعية ونشر العلم بين الناس لملاحقة صور البدع والتحذير منها، وأن يكون اعتمادهم على الأصلين الخالدين -الكتاب والسنة- وكل كلام أو خطاب يصدر منهم يجب أن يكون مؤصلاً وموثقاً..

خاتمة :

إن تحقيق الشهادتين رهين بعبادة الله تعالى عبادة خالصة ومتابعة رسوله الكريم .

الهوامش

(1)،(2) مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله.

(3) المحجة عدد 47/مقال للدكتور محمد الروگي : الاخلاص روح العمل وأساس قبوله.

(4) نفس المرجع السابق.

(5) مدارج السالكين.

(6)،(7) نفسه.

(8) ايضاح المعاني الخفية شرح ح 28 ص 242.

(9) ايضاح المعاني الخفية، شرح ح 5 ص53.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>