العمل الجماعي تحصين للذات وتقوية للدعوة 2/1


عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((مَا مِنْ ثلاَثَةٍ في قَرْيَةٍ ولا بُدَّ، ولا تُقَامُ فِيهمُ الصَّلاَةُ إلاَّ قدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ فعَلَيْكَ بالجَمَاعَةِ فَإِنَّما يَأْكُلُ الذِّئْبُ القَاصِيَةَ))(رواه أبو داود والنسائي وأحمد).

توطئة :

إن المتأمل في نصوص القرآن الكريم وفي سنة سيد المرسلين لابد وأن يلحظ أن هذه الشريعة الخاتمة جاءت داعية هادية مرشدة إلى الإيمان بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبياً ورسولا لأنه هو الطريق الأقوم، والسبيل الأسلم لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة. غير أن التدين في المجتمع لا يمكن أن يتصور إلا بتمثل قيمه في الجماعة المؤمنة الصالحة المصلحة؛ لأن مما ينبغي ألا يعزب عن البال هو أن نظام الاستخلاف في الأرض لا يمكن أن يتغير ويتبدل بمجهود فرد أو أفراد صالحين مشتتين في الدنيا، ولو كانوا في ذات أنفسهم أولياء الله تعالى بل ومن انبيائه ورسله. إن الله تعالى لم يقطع ما قطع من المواعيد لافراد متفرقين مشتتين وإنما قطعها لجماعة منسقة متمتعة بحسن الإدارة والنظام قد أثبتت نفسها فعلا أمة وسطاً أو خير أمة ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولائك هم الفاسقون))(النور : 55).

حرص الإسلام على لزوم الجماعة :

بما أن الفرد يخلق ضعيفاً لا قدرة له على الاستقلال بنفسه فهو في حاجة إلى غيره من الناس ليستعين بهم في استكمال مابه من ضعف ونقص وقضاء حاجات، والاهتداء إلى معرفة الصراط المستقيم لا يمكن أن يصله الإنسان إلا بالتعلم ومصاحبة العارفين، وملازمة الصالحين، ويكون بذلك في حاجة ملحة إلى التعاون مع أهل الخير على البر والتقوى ليحصن نفسه وذاته من سلطان الغفلة، ويقهر دواعي التفريط في جنب الله فيكون عنصراً صالحا في جماعة تتقوى به ويتفيّأُ ظلالها ويتقوى بها. فالاستمساك بالجماعة هو استمساك بالعروة الوثقى، وخيرما تجتمع عليه الجماعة هو الدعوة إلى الله؛ لأن الداعية إلى الله وهو يتلو القرآن الكريم ويعظ الناس يعلم بالضرورة أن المواعظ تِرْياق القلوب، وأنه ينبغي أن يسقي الترياق طبيب حاذق معافى، فأما لذيع الهوى فهو إلى شرب الترياق أحوج من أن يسقيه، ولذلك قيل :

وغير تقي يأمر الناس بالتقى

طبيب يداوي الناس وهو سقيم

فأول ما يستفيده المنظم إلى الجماعة أنه يجد نفسه مع توالي الأيام والشهور يمارس عملية التخلي والتحلي بصورة تدريجية، يتخلى عن مجموعة من الانحرافات والسلوكات الموروثة من العادات والتقاليد الفاسدة التي تشربها من الاعرافالمجتمعية المنغمسة في الشعوذة والخرافات الى الاذقان، وأن الحرص على الاستمرار في العمل الجماعي والمداومة عليه والترقي في درجات سلمه فهو مما يجب الثبات عليه للمحافظة على تقوية الجماعة المؤمنة بقوة أفرادها المحسوبين عليها؛ ولأن التفكير في خلق ربقة الانضمام هو مساهمة في انفراط عقد الجماعة، واستحقاق للوعيد الشديد للمنشقين عن سبيل الجماعة المؤمنة ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً))(النساء : 115).

الجماعة وواقع تلقي الدين :

الجماعة الواحدة هي واقع السبيل الوحيد الجامع لكل أنواع العبادات، التي شرعها الله وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم، فسائر العبادات ملاحظ فيها الممارسة الجماعية، وإظهار الشعائر في المجتمع من مقاصد هذا الدين الذي جعل صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. وفرض صلاة الجماعة بالمسجد الجامع. ومن ترك ثلاث جمع متواليات فقد طبع الله على قلبه، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العيد في المصلى من أجل تكثير سواد الأمة باشراك النساء والأطفال فيها تعميماً للفرحة، وما السر في توحيد الميقات الزماني والمكاني لأداء مناسك الحج إلا اجتماع لاعلى هيئة للمؤتمر الاسلامي السنوي يوم الحج الأكبر فوق جبل عرفات.

وباعتبار أن الجماعة هي واقع تلقي الدين. وأن هذه حقيقة حتمية كان قيام الجماعة قدراً إلهياً خالصاً ((لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم))(الأنفال : 63).

كما اتضح من الآية أن قيام الجماعة قدر الهي خالص فقد اتضح أيضاً أن قيام الجماعة كان على أساس التآلف القلبي وهو الواضح من الآية.

وكما يؤكد النص على أن الجماعة تآلف بين القلوب تؤكد السنة أن البيعة هي عطاء ثمرة الفؤاد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع…))(مسلم في الإمارة) وعلى هذا الأساس يسقط من تعريف الجماعة ويخرج عن حدها مجرد الوحدة الفكرية أو التحالفات السياسية. صلى الله عليه وسلمانظر قدر الدعوة لـ : رفاعي سرور، ص : 200رضي الله عنه.

الجماعة ليست هدفا لذاتها :

عندما ترتفع أصوات المصلحين بالاعتصام بالجماعة والعمل الجماعي فإنها لا تدعو إلى اتخاذ الأخبار والعلماء وشيوخ الدعوة أربابا من دون الله، وإنما يدعون إلى الالتفاف حولهم من أجل أن تتراص صفوف الأمة على أساس أن الجماعة المكونة لا ينبغي لها أن تنغلق على ذاتها، وتنكمش على نفسها أو تشهر سلاحها على جماعات المسلمين بالنقد والقذف والسب وانتشار الخصومات بين الجماعات الاسلامية، فإن الجماعة التي تربي أفرادها على الحقد والضغينة تجاه الجماعات الاسلامية المخالفة لها في الاجتهاد والتنظيم هي جماعات مدسوسة بين جماعات المسلمين، فإن هذه الجماعات من قول الله تعالى : ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))(الأنفال : 46) ومن قوله تعالى : ((إنما المومنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم))(الحجرات : 10).

ومعنى هذا فإن الجماعة دائما ينبغي لها أن تمد ذراعيها لتعانق جماعات المسلمين وتساند وحدة الجماعة الكبرى لتصير الجماعات روافد للنهر الذي تصب فيه كل الجداول، والجماعة أنما هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها. وينبغي أن تكون الجماعة وسيلة ندعو بها ولا ندعو إليها، لأن الأمر في خاتمة المطاف من كل تجمع حركي هو ربط الناس بالله حتى إذا جاء آجلهم ماتوا على عقيدة التوحيد وفازوا بما وعدهم الله به.

التفاعل بين الفرد والجماعة :

إن الواقع الذي يجب أن تكون عليه حركة الجماعة الدعوية إلى الله عز وجل هو أشبه بعمل النحل في بناء خليته ومن منطلق التماثل في الاختصاص القدري بين واقع الدعوة والنحل كان تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم للدعاة بالنحل في قوله عليه الصلاة والسلام : ((مثل المؤمن مثل النحلة لا تأكل إلا طيبا ولا تضع إلا طيباً))صلى الله عليه وسلمأخرجه ابن حبان والطبراني في الكبيررضي الله عنه.

ولهذا يقول ابن القيم : ولما كانت النحلة من انفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته بما لم يشاركها فيه غيرها؛ وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام. والنور الذي يضيء في الظلام (مادة الشمع) بمنزلة الهداة من الأنام، وكانت أكثر الحيوان أعداء، وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم، وأساس التماثل في الاختصاص بين الدعاة والنحل هو حقيقة العلاقة بين الاداة والغاية في قدر الله سبحانه، وتفسير هذه العلاقة : إن الغاية عندما تكون قدراً إلهيا خالصاً فإن الدعوة هي أداة البقاء لهذا الدين، لابد هي الأخرى أن تكون قدراً إلهيا خالصاًصلى الله عليه وسلمانظر قدر الدعوة، م. ش : ص : 168رضي الله عنه.

وهذه العلاقة التفاعلية من شأنها أن الفرد والأفراد الصالحين تنتج عنهم جماعة صالحة مصلحة لما في التربية التي يتلقاها العضو من تكسير عوامل الخوف من الأشباح التي كانت تراوده يوم كان عرضه للاعتزال وكان أسير الغفلة. وهذا العامل من شأنه أن يصرف الناس عن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

العمل الجماعي المحكم يشتمل على فوائد دعوية :

إن للعمل الجماعي ثماراً يانعة وقطوفاً دانية أكلها دائم وظلها، ومن هذه الثمار ما يلي:

أ- يرشد إلى معرفة الخلل الموجود في الواقع على نحو أسرع وأقرب إلى الصواب، وهذا القصد هو ما تعالجه الجماعة في منظومتها التربوية من خلال محاكمة الواقع الاجتماعي المعيش بواسطة أحكام الشريعة ومثلها وقيمها، و”فقه الواقع” هو حاجة ضرورية لكل اصلاح مرتقب وتقييم هذا الواقع من شأنه أن يبصر الداعية بالمسافة الفاصلة بين تعاليم الدين كما هي في الكتاب والسنة واجماع علماء الاسلام، وبين الممارسات اليومية للمكلفين في مزاولة أعمالهم في بعد تام عن هذه التعاليم. ويعتبر “فقه الواقع” بمثابة وصف للداء ورصد لمواطن الخلل والزيغ والانحراف عن شريعة رب العالمين.

ب- هذه الفائدة من شأنها أن تفضي بالدعاة إلى معرفة كيفية إزالة ذلك الخلل اسلاميا على نحو أسرع وأقرب إلى موافقة الشرع كذلك عن طريق فقه آخر يسمى بـ : “فقه الأولويات” بحيث يقع ترتيب وتصنيف أنواع الاختلالات والانحرافات ليقع علاجها تدريجيا مع إعطاء الاسبقية في العلاج لما يعتبر أصلاً لباقي الاختلالات الأخرى الفرعية. صلى الله عليه وسلموعلى سبيل المثال فإن معالجة ظاهرة انتشار الخمور في الأحياء لا تقتصر على مقاومة فتح الخمارات بها ما دام المصنع ينتج كمية الخمور لتسويقها، فالعلاج لهذه الظاهرة هو التصدي بكل الوسائل لمنع تصنيع الخمور بالبلاد الاسلامية التي يحرم دينها الخمر بالنصوص القطعية، وإذا جف المنبع وأصبح عصيره غوراً، قال المدمنون، انتهينا، انتهينارضي الله عنه.

جـ- إن من شأن العمل الجماعي أن يكشف عن مواهب الأشخاص وإبداعاتهم وقدراتهم فتعمل الجماعة على تنمية هذه القدرات وصقلها وتوجيهها نحو التخصصات المطلوبة ليكون كل فرد في جبهة من الجبهات وخندق من الخنادق لا تؤتى الجماعة من جهته وفي ذلك تحصين للجماعة من عوامل الضعف، وتحصين للأفراد من الخمول والكسل والاستيلاب، وحتى لا يبقى في الجماعة فرد كلاّ على جماعته، فإن الدور التربوي للجماعة يجعل كل الأفراد منتجين للخير مصدرين له فهم الذين يحملون الجماعة ولا تثاقل الجماعة بحملهم وأضعف الإيمان في خيرية هؤلاء الأفراد الا يصدر منهم الشر.

ذ. محمد بن شنوف

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>