حاجتنا إلى اعتبار المآل في التصرفات والأفعال 2/4


نماذج تطبيقية لاعتبار المآلات

1-  في عهد رسول الله(ص) :

في عهده عليه الصلاة والسلام وردت كثير من التطبيقات الدالة على اعتبار المآل الشرعي، نكتفي في هذا المقام بذكر بعضها قصد التمثيل فقط :

أـ امتناعه (ص) عن قتل المنافقين مع علمه بهم، وباستحقاقهم القتل، فقال : “أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه” ـ متفق عليه ـ

إن قتل المنافقين فعل مشروع لما فيه من دفع مفسدة كفرهم، وسعيهم في إفساد المسلمين ببثهم الدسائس، لكن الرسول (ص) امتنع عن هذا الفعل مراعاة للمال المتمثل في التهمة التي ستلحق به عليه الصلاة والسلام أثناء التطبيق وهي : أن محمدا يقتل أصحابه، وهي طبعا مفسدة تزيد على مصلحة القتل بكثير.

ب ـ تخليه عليه الصلاة والسلام عن إعادة بناء البيت الحرام على قواعد إبراهيم رغم أنه فعل مأذون فيه، لما فيه من مصلحة رد البيت إلى  قواعده التي أمر الله أن يبنى عليها، لكن بالنظر إلى مآله المتمثل في حصل مفسدة ارتداد الداخلين في الاسلام امتنع (ص) عن ذلك. وهذا ما أكده بقوله عيه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها : “لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت” الموطأ : 1/363.

جـ ـ عندما بال أعرابي في المسجد، وقام الصحابة رضي الله عنهم لزجره ومنعه، فقال عليه الصلاة والسلام : “لا تزرموه ـ أي لا تقطعوه عن بوله ـ دعوه…” (رواه الشيخان وغيرهما).

إن سبب منعه(ص) الصحابة رضي الله عنهم من زجر الأعرابي، ومنعه من التبول راجع إلى اعتباره مآلات هذا الفعل، نذكر منها مثلا : تنجيس البائل جسمه وثوبه، وإلحاق الضرر بصحته، وتنجيس مواضع أخرى من المسجد.

دـ ما عرف عنه عليه الصلاة والسلام من إجابات مختلفة عن السؤال الواحد، من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : “كنا مع رسول الله(ص)، فجاء شاب فقال : يا رسول الله : أقبل وأنا صائم؟ قال : لا، فجاء شيخ، فقال : يا رسول الله: أقبل وأنا صائم؟ قال : نعم، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله(ص) : قد علمت نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه” ـ رواه الإمام احمد في مسنده تحت رقم : 7054ـ

انطلاقا من هذا المثال نستنتج أن رسول الله(ص) كان ينظر إلى حال سائله لمعرفة ما يناسبه، وما ينطبق عليه من أحكام الشرع، وهذا ما سماه الإمام الشاطبي رحمه الله  : “تحقيق المناط الخاص” ـ الموافقات : 4/97ـ بمعنى تحقيق مناط الحكم المتعلق بكل شخص/ ولتحقيق ذلك لا بد من الجمع بين فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها، وبين معرفة أحوال النفوس وخفاياها.. وكل ما سيؤول إليه الفعل أثناء تنزيل الحكم. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : “فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على  حمل أعبائها، أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها. فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف” ـ الموافقات : 98 ـ

2-  في عهد الصحابة رضي الله عنهم :

بعد وفاة رسول الله(ص) جاء عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعا، فساروا على نهجه عليه الصلاة والسلام في تنزيل الأحكام الشرعية، إذ فهموا النصوص واعتمدوا منهج الاستنباط، كما اعتبروا المآلات لما أدركوا بفضل صحبتهم للنبي عليه السلام أن النصوص لها غايات تقصدها، وأن الأحكام وسائل لتحقيق تلك الغايات، فإذا لم تحقق غاياتها في ظرف من الظروف، بأن أدت إلى نقض ما شرعت له، أجلوا تطبيقها، أو حولوا حكمها إلى  مجال آخر. وعندما تتغير الظروف يرجع حكم إلى حالته الأولى إذا كان سيحقق الغرض من تشريعه، والأمثلة على ذلك نذكر منها :

أ ـ ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، حين جاءه رجل يسأله : ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ قال : لا، إلا النار، فلما ذهب السائل قيل لابن عباس، أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة. قال إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، فلما تبعوه وحققوا في الأمر وجدوه كذلك (تفسير القرطبي 4/ 97).

ب ـ ما عرف به عمر بن الخطاب رضي الله عنه من النظر في مآل الفعل ونتيجته قبل إصدار فتوى من الفتاوي، أو تنزيل حكم من الأحكام والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها على سبيل المثال : إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم، وتقسيم أراضي العراق، ومنع قطع يد السارق عام المجاعة، ومسألة الزواج بالكتابيات.. فهذه المسائل وردت فيها نصوص شرعية، لكن تنزيل أحكامها روعيت فيها المآلات من قبل أمير المؤمنين رضي الله عنه، فعدل عن تطبيق تلك الأحكام مراعاة للظروف والملابسات المحيطة.

إن ما يمكن استنتاجه من اجتهاد عمر رضي الله عنه هو : إذا كانت النصوص الشرعية تفضي نظريا وبشكل مجرد عن العوارض والظروف إلى تحقيق المصلحة، فإن العمل بها وتطبيقها في ظرف من ظروف الواقع المتغير يكون مستحيلا ما دام سيفضي إلى مآل متمثل في مفسدة معينة.

3-  في عهد التابعين وتابعيهم رضي الله عنهم :

لقد جاء عهد التابعين وتابعيهم رضي الله عنهم أجمعين، فلاحظنا من خلال فتاويهم أنهم اقتفوا أثر من سبقهم من صحابة رسول الله(ص)، بل إننا لو عدنا إلى التراث الفقهي الإسلامي، وخاصة في عهد ازدهاره لوجدنا فيه صورة واضحة لمراعاة المآلاة أثناء تطبيق الأحكام الشرعية “إذ المذاهب الفقهية في نشأتها وفي تطورها، ليست إلا اجتهادات الأئمة ف تنزيل الدين على واقع الحياة، بما تقتضيه الظروف المختلفة، زمانا ومكانا، ولذلك تلونت هذه المذاهب بألوان الأوضاع البشرية في المناطق التي نشأت فيها، رغم أنها تقوم كلها على تنزيل الأوامر الإلهية الثابتة. ويظهر هذا المعنى جليا في كتب الفقة للأئمة المجتهدين، وكتب تلاميذهم، قبل القرن الرابع خاصة، كما يظهر أيضا في كتب النوازل والفتاوي، حيث تنطق هذه الكتب بالكيفية التي جرت عليها الملائمة بين أحكام الدين، وبين أحداث الحياة”(عبد المجيد النجار، في فقه التدين : فهما وتنزيلا. 2/34-35).

وهكذا بفضل الفهم السديد للنصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها. وكذلك بفضل مراعاة المآلات في تنزيلها، استطاع الأئمة المجتهدون في العصور الذهبية استيعاب الواقع بظروفه المتقلبة وربطه بالشريعة، مما أكسب الفقه الاسلامي الحيوية، والمرونة، والسعة، وعاش الناس بعيدا عن التكلف أو العنت. لكن بعد هذه الفترة الزمنية التي تميز فيها الفقه الاسلامي بالحيوية، سرعان ما آل أمره إلى التقليد، والاكتفاء بما اجتهد فيه كبار الأئمة في تنزيل الأحكام دون الاهتمام بالفقه العملي الذي يراعي ـ بالدرجة الأولى ـ مآلات تطبيق الأحكام الشرعية.. ولقد كان لهذا الأمر انعكاس سلبي على حياة المسلمين في الفترات التي جاءت بعد، مما دفع بالتواقين إلى إقامة دين الله على الأرض إلى النداء بضرورة الاهتمام بهذا النوع من الاجتهاد بغية استئناف الحياة الإسلامية وفق تعاليم الدين في ساحة الواقع المعيش.

ذ. عمر جدية

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>