التأصيل الشرعي والواقعي لمفهوم التغيير الاجتماعي


بأقلام  القراء أحمد الابيض

إن الحديث عن التغيير الاجتماعي حديث طرقته نظريات كثر، كل من موقعها الفكري وتوجهها الايديولوجي، وهنا نشير في غمار حديثنا إلى كل من النظريتين الليبرالية والشيوعية. وقد يدعي كل من لم يفتح الله قلبه للاسلام أن الاسلام غفل هذا الموضوع وضرب عنه صفحا، وهذا خروج عن جادة الطريق إذ أن المتأمل في القرآن الكريم يجده قد أولى اهتماما بالغا لمسألة التغيير الاجتماعي لسبب بسيط وهو أن القرآن بحد ذاته كتاب تغيير من أجل “إخراج” الناس من الظلمات إلى النور. وإذا كان الأمر كذلك، فما موقع التغيير الاجتماعي من الشرع والواقع؟

أ- التأصيل الشرعي :

لعل من نافلة البدء الوقوف عند ضبط المصطلح وتحديده. فالتغيير هو التحول من حال إلى أخرى. والمجتمع في معناه البسيط : تجمع أفراد ذوي عادات متعددة، يعيشون في ظل قوانين واحدة، ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة. يقول مالك بن نبي(1) (المجتمع هو الجماعة التي تغير دائما خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير)، ويصنف مالك المجتمع إلى مجتمعين : أحدهما ساكن والآخر متحرك وهذا الأخير هو الذي يخضع لقانون التغيير التاريخي. يقول أحد علماء الاجتماع الانثربولوجيين، (الكينجزلي ديفيز) في تعريفه للتغيير الاجتماعي(2) : (هو التحول الذي يطرأ على التنظيم الاجتماعي، سواء في تركيبه وبنائه أو في وظائفه، وهذا يعني أن التغيير الاجتماعي جزء من التغيير الثقافي ).

وقبل أن نطرق الموضوع نلفت الانتباه إلى أن السر في تناولنا للموضوع بالذات مرده إلى ما ينص عليه القرآن من ضرورة الاجتماع(3) >يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم<. ومن ثم فالاجتماع الانساني ضروري بعبارة ابن خلدون. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن سنة الاستخلاف في الارض التي أنيطتْ بالانسان واختير لها لاداء الامانة وتبليغ الرسالة تفترض المسؤولية والاحساس بالواجب، ولا وجود لهذا الأمر في غياب روح الجماعة حتى يصدق على الانسان قوله تعالى {إني جاعل في الارض خليفة}(4).

أما من جهة التأصيل الشرعي، فقد نُصَّ على ذلك في أكثر من آية وحديث، ولعل الآية 11 من سورة الرعد {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} لأكبر دليل على ذلك وأصدق بيانا للتغيير المراد. يقول سيد قطب(5) في شرح هذه الآية الكريمة : “فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير ما بأنفسهم وأحوالهم فيرتب الله عليه تصرفه بهم، فإنه لاَ يُغَيِّرُ فَرَحاً أو بُؤْساً، ولا يغير عزّاً أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة… إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون، ولكن مايقع عليه يترتب على ما يكون منهم، ويجيء لاحقا له في الزمان بالقياس إليهم (…)”. ويقول جودت السعيد(6) : “إن السنة الموجودة في الآية، سنة عامة تنطبق على كل البشر، وليست خاصة بالمسلمين ولابغيرهم وإنما هي عامة”. إن كلمة (قوم) كما وردت في الآية نكرة، لم تأت مخصصة بقوم بعينهم، وإنما هي لكل قوم. ومن ثم نصل إلى تأسيس قناعة بديهية تلخصها كلمة جودت السعيد(7) “فمن هنا تظهر الحاجة إلى تغيير ما بأنفس المسلمين عن الاسلام، في قليل أو كثير ولا سيما بعد هذا الركود الطويل الذي جعل كثيرا من الخرافات والنظرات الخاطئة تحمل قوة قداسة الاسلام والقرآن عند المسلمين”.

إن الآىة كما وردت تحوي في مدلولها تغييرين : تغيير القوم وتغيير الله، مع مراعاة التراتبية بين حدوث التغييرين أي أسبقية تغيير القوم على تغيير الله، على أن مجال التغيير الذي يحدثه الله، هو ما بالقوم والتغيير الذي خص الله به القوم مَجَالُهُ ما بالانفس، كما يشير إلى ذلك جودت السعيد في كتابه “الانسان حين يكون كلا وحين يكون عدلا”، ولا جرم من أن تغيير ما بالانفس أو المحتوى الداخلي أساس في تغيير البناء العلوي للمجتمع، ولعل الآية الكريمة {ذلك بأن الله لم يَكُ مُغَيِّراً نِعمة أنْعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(8)، لاتقل أهمية عن سابقتها. وهكذا، فتغيير النعمة أساسه تغيير ما بالانفس، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكد على ضرورة التغيير في أكثر من حديث، وذلك نظرا لجسامة الموقف. قال : {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان}(9). ونخلص إلى القول أن ما سقناه من آيات قرآنية وأحاديث نبوية لغني عن الدليل على أن التغيير الاجتماعي فريضة شرعية.

ب- التأصيل الواقعي والعقلي :

إن المتأمل في واقع الناس والحياة يجده غنيا عن الوصف من حيث فسادُ حاله واضطرابُ وضعه، وذلك بسبب ما آلت إليه نفوس الناس من حال سيئة، وهذا الأمر إنما مرده إلى ما علق بأذهان الناس من ثقافة منحرفة وتصورات شاذة وأفكار لا تنسجم وطبيعة الانسان ولا تجيب عن تساؤلاته. ومهما يكن من أمر فتغيير المجتمع البشري عموما وتجدده سنة جبلية. يقول صاحب كتاب “مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ومصطلحاته”(10) : (ومن ثم فإن المجتمعات البشرية في تغير مستمر، وهذا التغيير هو سبب بقائها ونموها، فبواسطته تتكيف مع واقعها، وتسد من خلاله حاجاتها وترضي مثالياتها في مختلف وجوه الحياة، وبواسطته تتخلص من القديم الذي يعرقل تطورها وتقدمها، ومن ثم تبتدع الجديد الذي يلائمها، وتقتبسه، بحيث ينشأ عنه مركب معقد له خصائص جديدة). من هنا يتضح ان التطلع إلى التجديد في الحياة كلها قائم على أساس إصلاح البنى الثقافية للمجتمع، وهذا لا ينفي الجانب المادي الذي يشكل عنصرا أساسيا في قيام المجتمع، وإنما كان التركيز على البعد الأول نظرا لما له وما عليه من وقع بالغ في الإصلاح والافساد. وإذا كان هذا المقال ينطبق على حال المسلمين اليوم، فما أحوجهم؛ في واقع هذه الغفلة والتيه وما هم عليه من حال الضعف والوهن والغثائية؛ إلى تجديد ما بأنفسهم من تصورات وأفكار ومفاهيم خاطئة ساقطة، ومن ثم تكون حاجة إنسان اليوم إلى ثقافة بديلة وجادة أكبر من حاجته إلى الأكل والشرب. وعلى أية حال فلا يليق بعاقل ذي بصيرة يحمل مهمة الرسالة أن يضرب صفحا من الإهمال والاحجام، خصوصا وأن له من المقومات ما يستطيع بها زعزعة البنية الاجتماعية وإعادة بنائها وتشكيلها على نهج يليق بها وهو منهج الله.

ومن ثم فإن التغيير الاجتماعي ضرورة يفرضها الواقع المتردي المنكسر حتى تحصل النقلة الى واقع الرقي الحضاري والاستقرار الاجتماعي، حيث سعادة الانسان وإنسانيته وكرامته. وصدق الله العظيم حيث يقول : {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}(11).

————

1- ميلاد مجتمع.

2-مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ص : 106.

3- الحجرات : 13.

4- البقرة : 30.

5- الظلال ج : 4، ص : 49.

6- حتى يغيروا ما بأنفسهم ص : 31.

7- نفسه ص : 36.

8- الانفال : 53.

9- رواه الترمذي.

10- مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ومصطلحاته ص : 107 – 108.

11- الاسراء : 70.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>