عناق الأطلس والقوقاز


عناق الأطلس والقوقاز

غادرت محطة قطار موسكو الشمالية الشرقية عشية يوم الأربعاء(1) الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة 1415هـ الموافق للحادي والثلاثين من شهر غشت سنة 1994م متيمما وجهة مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشاشان الإسلامية(2)

يسر لي الله تعالى على يد طالب مغربي مُجد مقيم بموسكو رفقة آمنة. وكان المرافق شاشانيا. إسمه منصور لا يعرف من العربية إلا ما يقيم به صلاته. فألفته وألفني رغم قلة زادي من اللغة الروسية التي يتحدث بها إلى جانب لغته المحلية (نوغشو)(3). لقد ذكرني هذا الإنسجام الذي حصل لي مع منصور، ومع كل من قدر لي أن ألتقي بهم في هذا البلد المضياف، ومع كل مسلم من أرض الله الواسعة بقوله تعالى : >لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم.<(4)

كانت الرفقة بحق رفقة ممتعة أنستني تعب الرحلة التي استغرقت أربعين ساعة ومكنتنا جميعا من أداء الصلوات في أوقاتها، ودلتني على بعض معاني الإيمان والرجولة والكرم التي يتحلى بها إخوة لنا تحتضنهم السفوح الشمالية لسلسلة جبال القوقاز العتيدة (5).

زاد ذلك كله من شوقي لتلك الديار الذي صرفني عن (آلماآطا) عاصمة الديار القازاقية حيث كنت قد خططت لزيارتها من قبل فغيرت وجهتي لحكمة أرادها الله سبحانه.

وشاءت الأقدار الإلهية أن توافق الرحلة احتفالات الشاشان بمرور ثلاث سنوات على إعلانه الإستقلال عن موسكو..

حل بنا القطار في تراب هذه الأصقاع البهية من “دار الإسلام” الواسعة بعيد صلاة الصبح مع إشراقة شمس يوم الجمعة 26 ربيع الأول الموافق ل2 شتنبر من نفس السنة. وكم كانت نشوتي كبيرة حين استنشقت هواءها المنعش من نافذة القطار، وبدأت تترامى لي معالم الديار الإسلامية، مآذن ذات طابع خاص هنا وهناك، ومقابر يعلو شواهدها الهلال بدل الصليب في مقابر النصارى، وترتسم على ألواحها ملامح الخط العربي. قال لي مرافقي بعد أن استفسرته : >إنها بلاد الأنغوش، ونحن الآن قرب قوسين أو أدنى من الشاشان، ومن عاصمتها غروزني< كم كانت دهشتي كبيرة لما رأيته من اخضرار الروابي في هذه الفترة من الصيف على مرمى البصر! وزالت الدهشة حين ارتسمت في الأفق البعيد ثنايا ذرى القوقاز الشاهقة ومررنا على الأودية والجداول الغزيرة المنحدرة من سفوحها. ويزيد المشهد جمالا اختيال قطعان الماشية الراتعة فوق المروج السندسية. طفق مرافقي يردد أسماءها العربية مستحضرا بعض ما لقنته منها في اليوم الثاني من الرحلة…

مر القطار ببعض المحطات الصغيرة دون توقف، وأتأمل الوجوه المصطفة على جانب السكة فترتسم لي ملامح وتقاسيم ليست غريبة عني تسكب رؤيتها في النفس اطمئنانا وأنسا…

ويلتفت إليَّ منصور بعد أن بدت في الأفق شرارات نارية منبعثة من الأرض هنا وهنالك قائلا باعتزاز >أرضنا المعطاء غنية بالنفط (6) والغاز الطبيعي ونفطنا من أجود الأنواع، إن بعضه من النوع الخفيف الخاص بالطائرات(7)< وأنظر إلى وجهه المطمئن بالإيمان فأرى ثقة كبيرة بالله تعالى وإنعامه لا يزعزعها الحصار الروسي المضروب على هذه الديار منذ أعلنت استقلالها. ولا إغلاق المنافذ أمام هذه الخيرات التي طالما استنزفتها الدولة السوفييتية.

كيف يفت هذا الحصار من عزم شعب صمم على انتزاع استقلاله من المحتلين الروس وآمن بأن النصر من عند الله تعالى وأوكل الأمر إليه سبحانه، خاصة وأن الله تعالى قد حباه برصيد جهادي كبير (8) وثروات زراعية لا يستهان بها وروح تكافلية منقطعة النظير.(10)

وأخيرا يصل القطار إلى غروزني حوالي الثامنة صباحا يوم الجمعة هذا بعد المرور على منشآت نفطية للتكرير. محطة جد متواضعة بجانبها بناية ضخمة من الآجر المشوي بلونه الأحمر المتميز.

ما أن نزلنا من القطار حتى تهافت علينا مجموعة من سائقي السيارات يعرضون خدمتهم.

طلب مني منصور أن أناوله بطاقة عنوان زكرياء الذي دلني عليه أحد الطلبة المصريين المقيمين في معهد اللغات بموسكو حيث كانت إقامتي من أجل تعلم اللغة الروسية قبل أن أرحل إلى هذه الديار…

سلم الشيخ منصور البطاقة إلى السائق… وبعد أن اطمأن علي طلب مني الاتصال به في حالة مصادفة مشكلة ما.

انطلقت بنا السيارة إلى قرية كَيرمانشوك حيث يقيم زكرياء، وهي قرية كبيرة عدد دورها حوالي 700 دار تقع إلى الشرق من غروزني في منطقة فلاحية سقوية وتبعد عنها بحوالي 43 كيلومترا.

بداية الطريق إليها ذات اتجاه مزدوج وفسيح والحقول حولها خضراء يانعة، اخترقنا نهر أركون أحد روافد نهر ترك، بالقرب من مدينة صغيرة أنيقة تحمل نفس الإسم (أركون) ففوجئت لأول مرة بمجموعة من المتارس والدبابات على جانبي الطريق.

همس سائق السيارة مشيرا إلى تلك المواقع العسكرية بكلمات من اللغة الروسية فهمت منها استياءه من اقتتال أبناء الشعب الواحد.(11)

وصلنا أخيرا إلى “كيومانشوك” وبحث مرافقي عن زكرياء فلم يجده في القرية التي أنبأنا ابنه أنه غادرها إلى العمل في غروزني. وحيث أننا لم نجده هناك أيضا ألح مرافقي على استضافتي في بيته ريثما نجد ضالتنا.

لاحظت أثناء الطواف بين الحي السكني الذي يقيم به زكرياء والحي الذي يقيم به السائق وجود ثقب من أثر الرصاص على عمارات الحي الأول واهتراء البنية التحتية للمدينة : طرق معبدة تآكل إسفلتها وامتلأت حفرها ببرك الماء التي خلفها مطر الليلة الماضية فيما يبدو، وخطوط الترام المتصدعة والعمارات التي تبدو عليها آثار الإهمال… الأمر الذي يمس بجمالية المدينة الخضراء.

غادرني مرافقي للبحث عن زكرياء بعد الغداء والصلاة فخلدت إلى الراحة في غرفة الضيافة. وما أن استيقظت حتى جاءني مبشرا برجوع زكرياء إلى بيته فحملنا الأمتعة ورحنا للقائه.

استقبلني الرجل مرحِّّّّّّبا وما أن استوثق مني حتى فتح لي قلبه بعد أن فتح لي بيته وراح على التو يطلعني على ذخائر من الإرث العلمي الذي خلفه خال له من الولاية الداغستانية المجاورة حيث تقيم أمه : كتُبُ في الفقه والتصوف (12) ومصحف فاخر، والكل مطبوع طبعة حجرية فيما يبدو بمدينة تيمينشورة الداغستانية (13) ولكم كانت فرحتي كبيرة حين علمت بوجود أسرة لزكرياء في الولاية الداغستانية التي وعدني باصطحابي إليها. لكن صوارف حالت بيننا وبين ما خططناه ولله في أمره شؤون، فلعل ذلك يكون حافزا لمعاودة الكرة وزيارة هذه الديار والاستفادة أكثر من المقام فيها!

وفي اليوم الموالي زرنا قرية كيرمانشوك وأقمنا بها عند شيخ كبير كان رفيقا لزكرياء في أداء شعائر الحج وحملنا له معنا مصحفا من مجموعة مصاحف حملني إياه ذلك الطالب المصري المقيم بموسكو قصد توزيعها على بعض الناس هنا، فكانت غبطته كبيرة بالهدية ولما علم بأصلي العربي فاضت عيناه واحتضنني بحنان الأب وبالغ في إكرامي (14) وبعد الصلاة ذهبنا إلى بيت أخ لزكرياء، وفي الطريق وقفنا على مسجد القرية الجامع، وهو أحد خمسة مساجد بها كان قد حوِّل في العهد السوفييتي إلى نادي وملهى ثم فتح من جديد بعد البيريسترويكا (15)

كانت زيارة بيت أخ زكرياء مناسبة تعرفت فيها على شريف حسين ابن زكرياء الذي كان قد دلنا على عنوانه بغروزني بالأمس، حمل شريف حسين كتابه وأخذ يستعرض علي بعض دروسه العربية وما يستحضره من كلماتها وعباراتها التي تعلمها في مدرسة عربية بغروزني أقامتها إحدى جمعيات البر والإحسان من الكويت الشقيقة. -وكم لها من أيادي بيضاء في الكثير من بلاد الإسلام فجزى الله المحسنين خير الجزاء وكثر من بوادرهم في هذه الأيام العصيبات من حياة الأمة الإسلامية – والحق أن عناية زكرياء وحرصه على تعلم العربية وتعليمها لابنه إنما هو نموذج لشغف هذا الشعب المسلم باللغة العربية وتقديره للعنصر العربي، لاقتران الإسلام وتعاليمه بالعربية والعروبة لغة الإسلام التي بوعد بينه وبينها حينا من الدهر.

خصصنا يوم الأحد لزيارة معالم مدينة غروزني قصد التعرف عليها فزرنا مسجدا من مساجدها القليلة وبازارها (السوق المركزية) ومقر المعهد الإسلامي ومعهد البترول ومقر البرلمان والحكومة وإحدى ساحاتها الكبرى التي تحول فيها نصب لينين بعد إعلان الإستقلال إلى برج صغير يعلوه “بيرق”(16) الشاشان الأخضر المخطط بخطين أحمرين متوازيين أعلى العلم وأسفله متكئا على بندقية(17).

وكان أهم عمل قمنا به يوم الإثنين زيارة المدرسة العربية حيث استقبلنا بعض الطلاب من روادها ورافقونا الى بيت مديرها. وهو رجل وقور يبدو عليه سمت التقى والوقار ويتكلم بطلاقة عربية رصينة قل ان يضاهيه فيها كبار مثقفينا. وبعد التعارف العميق ودعني على أمل اللقاء مرة ثانية علها تكون في زيارة اخرى بإذن الله تعالى فالشوق الى الرجل كبير وحبه في قلبي عميق…

كان يوم الثلاثاء يوما مشهوداً اصطحبني فيه زكرياء إلى الساحة الكبرى المركزية للعاصمة أمام مبنى الحكومة والبرلمان حيث أقيم مهرجان خطابي كبير عشية الاحتفال بالذكرى الثالثة للاستقلال وقد توالى على منصة الخطابة كل من سماحة مفتي الجمهورية وإحدى النساء المجاهدات التي خطبت في الناس فبكت وأبكت… والسيد نائب رئيس الجمهورية. وكانت كل الكلمات تصب في الاصرار على الصمود أمام التعنت الروسي والعزم على المضي في الطريق مهما كانت التحديات والحق أن أجهزة الاعلام الروسية كانت تقود حملة مسعورة على بلاد الشاشان التي تعتبرها جزءا لا يتجزأ من الفيدرالية الروسية…

راح مضيفي يخترق بي الحشود المتجمهرة ويدفعني دفعا إلى منصة الخطابة. وحيث أنني كنت أرتدي الزي المغربي الأصيل التفت إلي سيادة المفتي، وبعد التعارف فسح لي المجال وطلب مني أن ألقي كلمة بالمناسبة وألح في الطلب رغم اعتذاري. توكلت على الله وألقيت كلمة موجزة في مقاطع كنت أتوقف بينها لأفسح المجال للسيد المفتي الذي كان يترجم من العربية إلى الشاشانية فيرتفع التكبير من الجماهير الغفيرة، لقد كان مشهدا رهيبا هزني هزاً عنيفا ونقلني نقلة بعيدة مطوحا بي في آفاق لا يعلم مداها سوى الله عز وجل. كانت الدروس التي تلقيتها من محيا تلك الجماهير الصادقة أبلغ من الكلمات التي فهت بها في الجماهير وما أن انتهيت من كلمتي التي استوحيت عناصرها من الحدث ومن المشاعر التي ألهبها الحدث، حتى تزاحم الناس للسلام علي وود كل الحاضرين ذلك ووددته معهم لولا أن السيد المفتي أشفق علي وانتزعني انتزاعا. وخلال ما تبقى من أيام إقامتي كان الناس يبادرون بالسلام علي في الطريق، وبقي في النفس شيء من ذلك بعد الرحيل! وفي اليوم الموالي، يوم الأربعاء يوم الذكرى نزلنا إلى نفس الساحة، وفي الطريق إليها التحقنا بحشود غفيرة من الناس المتوجهين إلى مقبرة الشهداء… وهي مقبرة صغيرة جمعت فيها شواهد قبور الشهداء من مختلف أنحاء البلاد الشاشانية ورتبت ترتيبا بديعا ووضع على حائط المقبرة نصب رخامي نقشت عليه أسماء مواطنهم وعدد شهداء كل قرية(18)

كان الاحتفال بالاستقلال جليلا مفعما بالمشاعر الجياشة ومظاهر الفخر والاعتزاز. وبعد خطاب جوهر دوداييف من على المنصة المنتصبة في الساحة المركزية المكتظة بالجماهير الغفيرة أمام مبنى البرلمان والحكومة الضخم وكان خطابا حماسيا باللغة الشاشانية يتخلله التكبير والتهليل بين الفينة والأخرى وسط هتاف الجماهير.

وبعد الخطاب الرئاسي وخطاب سماحة المفتي مرت أمام المنصة الرئاسية تشكيلات رمزية من القوات المسلحة الشاشانية تلتها تشكيلات أخرى من فعاليات البلاد الفتية يتقدمها طلاب المعهد الاسلامي وأساتذته. وعند حلول وقت صلاة الظهر أذن المؤذن من فوق المنصة الرئاسية وصلى الجميع في الساحة المركزية فتذكرت قوله تعالى : >الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور<(19). كانت الصلاة مناسبة التقيت فيها من جديد بسماحة المفتي الذي قدم لي سماحة مفتي الديار الداغستانية ومفتى أنغوشيا وشخصيات أخرى…

عدنا إلى البيت في المساء حيث زارنا ضيوف علمت منهم أن رحلة القطار الرابط بين غروزني وموسكو قد علقت إلى أجل غير مسمى وأن التذكرة التي حجزتها من موسكو قد أصبحت لاغية ومعنى ذلك أنني لن أتمكن من العودة عشية الغد كما كان مقررا. لكن الضيوف طمأنوني إلى إمكانية تأمين مواصلات بديلة…

قضيت يوم الخيمس في القرية وفي المساء عدنا إلى بيت مضيفي حيث قضينا ليلة ممتعة كدر صفوها قرب الفراق والطلقات النارية التي كنت أستيقظ عليها حين هرعت إلى فراشي، لقد كانت هذه الطلقات النارية التي لازلت أحتفظ بصداها في ذاكرتي إيذانا بالشرارة التي فجرها العملاء العاجزون       ==>>> ==>>> ==>>> وألهبها الغزو الروسي بعد ثلاثة أشهر وبضعة أيام.

شاء الحق سبحانه أن أشاطر هذا الشعب الباسل لحظات من نومي أقتسم خلالها بعض ما يعاني من ضريبة الانعتاق والكرامة.

ألا ما أحلى نعمة التآخي والاستقرار!!!… وبينما أنا سابح في دعاء السحر لهذا الشعب الأبي الكريم من شعوب أمتنا المستضعفة ولكل الشعوب الأخرى في مشارق دار الاسلام ومغاربها انطلق صوت خافت ينساب في هدوء بعد انقطاع مؤقت لدوي المدافع معلنا حلول وقت الفجر وكانت أول مرة نعمت فيها بهذا الصوت في هذه الديار من بُعد..

انطلقنا بعد الصلاة إلى محطة المسافرين حيث استقللت حافلة إلى مدينة مينيفود بإقليم ستافروبول الروسي المجاور مرت بنا على مقربة من مدينة نصران عاصمة بلاد الانغوش وقطعت بنا وسط أوستينيا الشمالية وبلاد القبرطاي البصارية مارين بعاصمتها الجميلة فالشيك قبل الوصول إلى وجهتنا النهائية….

الملامح البشرية في كل هذه البلاد وأشكال المباني والمآذن والقبور بطابعها المتميز تذكرك بوجودك في جزء عزيز من دار الاسلام اقتطع منها اقتطاعا وألحق إلحاقا بفيدرالية روسيا…

وفي الحدود مع أوستينيا الشمالية لمحت في الأفق البعيد قمم القوقاز الشاهقة تعلو هامتها الثلوج الدائمة فهرعت إلى آلة التصوير لالتقاط مشهد تذكاري أختتم به شريط الصور التذكارية التي حملتهامن هذه البلاد لكني فوجئت بدرك الجمارك الروسية الذين حسبوني صحفيا أنقل تقريراً صحفيا أكسر به الطوق الاعلامي المضروب على المنطقة فجن جنونهم وهاجموني يريدون انتزاع آلة التصوير، فألهمني الله إلى سحب الشريط وأسحب معه صورا ومشاهد ان محاها الضوء فلن تمحى من ذاكرتي بإذن الله تعالى وسيظل القلب معلقا بتلك الديار وبكل بقعة من دار الاسلام يراودني الحنين إليها حتى تطأها الأقدام مرات ومرات وحتى أصل الرحم بإخوة لي في العقيدة تحتضنهم… إن أذن بذلك صاحب القدرة والمشيئة.

(1)- وكان قد فاتني قطار يوم الثلاثاء في نفس الموعد لاعتمادي على سيارة الأجرة بدل الميترو في التنقل إلى محطة القطار وهو خطأ فادح في التقدير!

(2)- وهي جمهورية صغيرة تقع شمال منطقة القوقاز كان قائدها جوهر دوداييف (ابن داود) قد أعلن استقلالها التام عن موسكو في مطلع نونبر من سنة 1991 كتتويج لحركة وطنية بعد نزاع مرير مع روسيا المجاورة خلال قرون منذ العهد القيصري ثم الشيوعي، وإن كانت ثورة أكتوبر 1917 قد حملت شهادة الجمهورية استقلالا ذاتيا. وبعد انهيار الامبراطورية السوفيتية في شهر غشت 1991 تململت القوميات التي ناءت تحت الحديد الروسي وكانت جمهورية الشاشان من بين القوميات المتبرمة من نير الاحتلال فهل تريد موسكو اليوم ان تلعب دور بيتير سبورغ في القرن 19؟ وإن كانت المحاولة الأولى قد باءت بالفشل فأنى للثانية بالفلاح!!!

(3)- وهي لغة من مجموعة اللغات القوقازية الشمالية كانت حروفها تكتب بالعربية قبل الاحتلال الروسي؛ ولازالت الكثير من المخطوطات التي اطلعت عليها في الفقه والتصوف وغيره،والتي يحتفظ بها السكان في بيوتهم مما ورثوة عن أسلافهم من العلماء والفضلاء والصلحاء، شاهدا على ذلك رغم محاولة التذويب الروسي.

(4)- الأنفال : 63

(5)- ومن المعلوم أن مندوبين من شعوب شمال القوقاز الاسلامية (انظر الخرائط والجدول المرافق) كانو قد اجتمعوا في غروزني وقرروا باجماع تشكيل كونفيدرالية اقترحها دوداييف وذلك ما يقلق الدب الروسي المتربص الذي يخشى ضياع هذه المنطقة الحساسة من يده، ويخسر التحرشات الروسية الأخيرة التي باءت وسائلها غير المباشرة بالفشل عن طريق تحريك مجموعة من العملاء المنشقين فجاء التدخل العسكري السافر الأخير.

(6)- فلقد انخفض انتاج النفط المستخرج من هذه البلاد من 20 مليون طن سنويا خلال السبعينات إلى 5 ملايين طن فقط خلال نهاية الثمانينات (مجلة العربي ع : 342 ص : 140 ماي 1987)

(7)- وشركة النفط في غروزني ومنطقتها من أقدم الشركات في الاتحاد السوفييتي سابقا تأسست زمن القياصرة سنة 1893 (انظر المرجع نفسه)

(8)- من مقاطع النشيد الوطني الشيشاني :

لن نستكين أو نخضع لأحد إلا الله

فإنها إحدى الحسنيين نفوز بها

الشهادة أو النصر

لا إله إلا الله

جراحنا تضمدها أخواتنا بذكر الله

ونظرات الفخر في عيونهن  تثير فينا

مشاعر القوة والتحدي

لا إله إلا  الله

إذا حالوا تجويعنا

سنأكل جذور الأشجار

وإذا منع منا الماء

سنشرب ندى النبات

لا إله إلا الله

هذا المقطع من النشيد الرسمي للجمهورية حل محل النشيد الروسي المفروض من قبل روسيا، وهو من كلمات الكاتب الشيشاني  >إىواميذ أبوذر< لحنه >لحيماييف علييوف< وترجمه للعربية >فاروق توبولات< مندوب جمهورية الشيشان في الأردن والدكتور أحمد الشيشاني المدرس في جامعة الملك سعود. (جريدة المسلمون ع : 444 ص : 3)

(9)- من قمح وذرة وتفاح وعنب وخضر وفواكه متنوعة وثروة حيوانية كبيرة  (العربي ع : 342 ص : 140)

(10)- هناك طريقة متعارف عليها بين الشيشان تسمى >بلحنى< يساهم بموجبها مجموعة من الأصدقاء في مساعدة بعضهم بعضا في أية ضائقة تصيبهم أو احتياجات يحتاجون إليها (انظر العربي ع : 342 ص : 150)

(11)- والحق أن روسيا عمدت بعد فشل الحصار البري والجوي الذي فرضته على الجمهورية المستقلة إلى تأليب مجموعة من العملاء المحليين ضد جوهر دوداييف أبرزهم رسلان حسبلاتوف  و لابازانوف. ولم تتورع في الأونة الأخيرة من التدخل المباشر انطلاقا من قاعدة نزران عاصمة الأنغوش وموزدوق وفلاديكافكازنا وستينيا الشمالية المجاورة غربا لصالح المتمردين العملاء على الجيش النظامي الشيشاني.

(12)- ومن المعلوم أن الشاشان شافعية وطريقتهم قادرية (75%) ونقشبندية : (25%)

(13)- ن الخريطة

(14)- ذكرني ذلك ببعض ما ذكره الأستاذ محمود شاكر في سلسلة مواطن الشعوب الاسلامية : ومن ذلك قوله وهو يصف زيارة أحد المهاجرين إلى الشاشان من اللاجئين إلى الأردن بعد قضاء مدة كبيرة فيها : أنه استقبل بشكل منقطع النظير… وبقي ثلاثة أسابيع محجوزا في غرفة لا يمكنه مغادرتها لكثرة الوافدين للتحية بالمئات يوميا… وقد جاء بعضهم من مسافات بعيدة جدا… ليرى أحد الدين أتوا من بلاد النور العربية… عندهم ميل غريب للإسلام والتفقه فيه… والشيء الذي يحز في نفوسهم  قلة الأئمة والعلماء وقد كان السكان هناك يوجهون إليه أسئلة فقهية ويفترضون أنه على علم بها ما دام يعرف العربية ويقطن مع أهلها… يعتبرون البلاد العربية بلاد النور ما دام الاسلام منها نشأ ومنها خرج، ويظنون بأهلها أحسن الظنون ويعتبرونهم المثل الأعلى في الكمال والجمال والعلم والخلق والفضيلة أو أهم المتدينون فعلا، كما يعتقدون أن الأسلام في البلاد العربية هو الحاكم فيها لا المحكوم عليه… وقد طلب منه شيخ كبير يزيد على الثمانين أن يؤمه في ركعتين وقال إن أمله الأول والأخير قبل أن يواري قبره أن يقتدي ولو بركعتين بإنسان قادم من البلاد العربية…  (الكتاب الثالث : قفقازيا لمحمود شاكر ص : 82-85)

(15)- والحق أن هذه الفترة كانت رحمة على المسلمين، وقد صرح غورباتشوف في زيارة أخيرة له للخليج عن مساندته لمبدأ استقلال الكيانات الاسلامية الصغيرة في القوقاز تلافيا لحرب دينية جديدة بالمنطقة

(16)- وهو اسم العلم في لغة نوغشو.

(17)- وكان الجمهور المحتشد ببندقياته في الساحة يومئذ قد صب جام غضبه على النصب ولنفسه بالرشاشات في مشهد رهيب بثته التلفزة الشيشانية يوم ذكرى الاستقلال ضمن اشرطتها الوثائقية بالمناسبة.

(18)- والجدير بالذكر أنه بعد تراجع الفرس والعثمانيين (1215-1228هـ) ألف مسلمو القنقاس حكومة في بلاد الداغستان كان على رأسها العلماء وبرز بينهم الشيخ شامل الذي أرسل العلماء إلى المناطق الأخرى يستنهض الهمم وبدأ القتال سنة 1256هـ واستمر إلى حدود 1281هـ حيث أُسِر الشيخ وتفرقت الجيوش القفقاسية ودخلت روسيا المنطقة وأخذت تمارس شتى صنوف الاضطهاد والانتقام من كل الجماعات التي نالت على أيديها من الهزائم ما نالت وهرب العديد إلى قمم جبال بلاد الشاشان واستمروا في حرب عصابات من الروس دامت خمس عشرة سنة أخرى  (التاريخ الاسلامي لمحمود شاكر 21/69-70 والمسلمون ع : 444 ص : 3)

(19)- الحج : 41.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>