التحذير من خطر البدعة في الدين 2/1


التحذير من خطر البدعة في الدين

2/1

عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ< رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم >مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ<. خرجاه في الصحيحين من رواية القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضي الله عنها.

هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، فهو ثالث ثلاثة كما جاء عن الإمام أحمد رضي الله عنه قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر >إنما الأعمال بالنيات< وحديث عائشة >من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد< وحديث النعمان بن بشير >الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّّّنٌ<.

أهمية هذا الحديث :

يعتبر هذا الحديث مِعْيَاراً ومِقْيَاساً لصَلاَح الأعمالِ في ظاهرها. كما أن حديث >الأعمال بالنيات< مِقْيَاسٌ وَمِيزَانٌ لصلاح الأعمال في باطنها، فالحديثان معاً بمثابة وَجْهَيْنِ لِوَرَقَةٍ وَاحِدَة، وَيَهْدِفَانِ مَعاً إلى أَنَّّ كُلَّّ عَمَلٍ لا يُرَادُ به وَجْهَ الله تعالى نِيَّةً وَقَصْداً وإِرَادَةً وإخلاصاً… فليس لعامله فيه ثواب، وهذا الجانب يمثل العقيدة.

وأَنَّ كل عمل لا يكونُ على النهج والطريقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : عِبَادَةً وأَخْلاَقاً وسلوكا ومعاملاتٍ فهو مردودٌ على صاحبه وغيرُ مقبول منه وهذا يمثل جانب الشريعة…

ويجمع معنى الحديثين معاً قوله تعالى : >فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً< الكهف 110. قال الفضيل بن مسعود التيمي في قوله تعالى : >لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً< الملك 2. قال : أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قال : فَإِنَّ الْعَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصاً وَلَمْ يَكُنْ صَوَاباً لم يُقْبَل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصا صواباً، والخالصُ أن يكون لله والصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ على السنة< انظر بن تيمية في شرحه لحديث الأعمال بالنيات في رسالة خاصة ص : 13-14.

شرح الحديث :

هذا الحديث يَنْفِي التَّقَرُّبَ إلى الله بغير ما أمر به الله به أَمْرَ إِيجَابٍ أو أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، وَيُحَذِّرُ من الإبتداع في الدين والإِحْدَاثِ فيه بما يَتَعَارَضُ مع أَصْلٍ مِنْ أُصُولِهِ، أَوْ مَعَ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. وَيَحُثُّّّ فِي المُقَابِلِ على اتِّّبَاعِ السُّّنَةِ والتَّحَرِّي في مَعْرِفَةِ نَوْعِ الأَعْمَالِ التي نُمَارِسُهَا اعْتِقَاداً مِنَّا أَنَّّهَا جُزْءٌ من الدين ومن بِنْيَتِهِ الْعَامَّّةِ. ويكون التَّحَرِّّّّّّّّّّّّّّّّّّّي بعرض الأعمال المُحْدَثَةِ على أصول الدين وعلى سنة الرسول، فما لم يعارض أصلاً وما وافق سنةً فهو مما يقبل،وما لم يكن كذلك فهو مَرْفُوضٌ. وفي هذا المعنى جاء حديث العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيةَ رضي الله عنه قال : >وَعَظَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ : كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّّعٍ فَأَوْصِنَا قال : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، والسَّمْعِ والطَّاعَةِ وَإنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّّّّّّّّّّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٍ< رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح انظر رياض الصالحين ص : 58.

ويُعَضِّدُ معنى الحديثين معاً ويقويهما حديث جابر رضي الله عنه قال : >كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ احْمَرَّّّّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ ويقول : أَمَّ بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تعالى وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّّّّّّّّّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَرَّ الْأَُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٍ<.أخرجاه في الصحيحين.

على أن الإحداث في الدين يتجلى في التزيّد والإضافة أو الحذف والإخلال، أو التعديل والتبديل. وكان مثل هذا يحدث من طرف الصحابة رضوان الله عليهم والرسول بين ظهرانيهم، فكان يرحب بما يرى أنه لا يخالف أصلا من أصول الدين بل ربما يسَّر سبيل إحيائه والأَخْذِ به على خَيْرِ وَجْهٍ. كما رد كثيرا من المحدثات لكونها لا تنسجم مع تعاليم هذه الشريعة السَّمْحَةِ. والعُمْدة في الرَّدِّّ وَالْقَبُولِ كان هو : الإِحْسَانَ والْإِسَاءَةَ كما جاء في حديث جريرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >مَنْ سَنَّ في الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ< رواه مسلم.

وَمِنْ خِلاَلِ وَقْفَةٍ قَصِيرَةٍ مَعَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ نُلاَحِظَ؟

1- نلاحظ في حديث العرباض مقابلة واضحةً -عليكم بسنتي وسنة الخلفاء… وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة <لاحظ التقابل بين السنة والبدعة>.

2- ونجد في حديث جابر مقابلة : المحدثة والبدعة بالهدي النبوي. وإن هدي الرسول هو خيرُ الهَدْيِ… والشر في المحْدَثِ المُعَارِض والمناقض لهَدْيِهِ فهو البدْعَةُ <لاحظ التقابل بين الهدي والبدعة>

3- وفي حديث جرير نُلْفِي مُعَادَلَةً تَامَّةً بين طرفين : (من سن سنة حسنة)… (من سن سنة سيئة) >لاحظ التقابل بين : الحسنة مع السيئة. والأجر مع الوزر…<. فالسنة أولاً هي الأصل وما خرج عنها فهو البدعة، فما هو مفهوم السُّّنَّّّّّّّّّّّة؟ وما هو مفهوم البدعة؟ وما هي العلاقة بينهما؟…

مفهوم السنة :

السنة في اللغة هي الطريقة قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن في مادة سنن ما نصه : >فالسنن جمع سنة وسنة الوجه طريقته، وسنَّةُ الرسول صلى الله عليه وسلم : طريقته التي كان يتحراها. وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته<.

وقال الإمام الشاطبي في “الموافقات” : يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز،بل إنما نص عليه من جهته عليه الصلاة والسلام، كان بياناً لما في الكتاب أم لا. ويطلق أيضا في مقابلة >البِدْعَة< فيقال : فُلاَنٌ عَلَى سُنَّةٍ إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أم لا. ويقال : >فُلاَنٌ عَلَى بِدْعَةٍ< إذا عمل على خلاف ذلك. وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة، فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة وإن كان العمل بمقتضى الكتاب<اه. ج 4 ص : 3، 4. إذن فالسنة هي طريقة الرسول ومنهجه في الحياة.

مفهوم البدعة :

جاء اللفظ المشتق من مادة (بدع) في القرآن الكريم في أربع آيات :

- (بديع السماوات والأرض) البقرة 117 والأنعام 101 ومعنى بديع أي : منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حَدٍّّّّّّّّّ ولا مثال. وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مُبْدِعٌ، ومنه أصحاب البدع. وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام< القرطبي ج 2 ص : 86.

- الثالثة قوله تعالى : >ما كنت بدعاً من الرُّّسُلِ< الأحقاف/9. والمعنى ما كنت صَاحِب بدع.

الرابعةقوله تعالى : >ورهبانية ابتدَعُوها< الحديد/27.

وعرفها الشاطبي في كتاب الاعتصام بقوله :

التعريف الاول : > إنها طريقة في الدين مخترعَةٌ تُضاهي الشريعة، يُقصد بالسلوك عليْها المبالغة في التعبد لله عز وجلَّ<

التعريف الثاني : > إنها طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية < نقلا عن مقال للدكتور البوطي أورده صاحب كتاب ادلة أهل السنة والجماعة أوالرد المحكم المنيع على شبهات ابن منيع ليوسف السيد هاشم الرفاعي ص : 150.

وعلق الدكتور البوطي على التعريفين بقوله : >وإنما رددها الشاطبي رحمه الله بين هذين التعريفين نظراً لرأي من حصر البدعة في العبادات، ولرأي من عممها في سائر أنواع السلوك والتصرفات على أنه مال فيما بعدُ إلى أن البدعةَ إنما تختص بالعبادات سواء منها القلبية وهي العقائد أو السلوكية وهي سائر أنواع العبادات الأُخرى<.

أقسام البدعة :

نُقِلُ عن الامام الشافعي أنه قال : البدعة بدعتان : مَحْمُودة ومذمومَةٌ فما وافق السنة فهو محمودٌ وما خالفها فهو مذموم< جامع العلوم والحكم ص : 224 والملاحظ أن التقسيم قائم على عنصُري الموافقة للسنة والمخالفة لها. وقد استحسن هذا التقسيم جمهور من العلماء كالامام النووي وسلطان العلماء العز بن عبد السلام والامام القرافي وابن العربي وابن حجر. قال ابن العربي في شرحه على سنن الترمذي :

السابعة : قوله وإياكم ومحدثات الامور اعلموا علَّمَكُم الله أن المُحْدَثَ على قسمين :

1- محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الارادة فهذا باطل قطعاً أي : وهو البدعة الضلالة.

2- ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والائمة الفضلاء. نقلا عن هاشم الرفاعي ص : 134 وعنه أيضاً قال : قَسَّم عز الدين بن عبد السلام في قواعده الكبرى البدعة باعتبار اشتمالها على المصلحة والمفسدة أوخُلُوّها عنهما إلى أقسام الحكم الشرعي الخمسة : الوجوب والندْبُ والحِرْمَة والكراهة والإباحةُ. ومثل لكل قسْم منها وذكر ما يشهد له من قواعد الشريعة وكلامه في ذلك كلام ناقد بصير أحاط خبراً بالقواعد الفقهية وعرَفَ المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارِعُ في ترتيب الأحكام على وَفْقِها< ا هـ ص.145 وقد أنكر الامام الشاطبي في الاعتصام على العز بن عبد السلام هذه التقسيمات وحسْبُنا الاشارة إلى أهم المصادر التي تناولت هذا المَوْضوع وَلِمن أراد التَّفاصيل فعليه بهذه الأمهات ونجد من بين المحْدَثين الذي أنكروا تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة الدكتور رمضان البوطي يقول : >واذا استوعبنا هذه الحقيقة أدْركنا أنه ليس ثمة ما يسمى بالبدعة الحسنة، كما تَوَهَّمَ بعض الباحثين بل البدعة لاتكون إلا ضلالةً قبيحة، وذلك لضرورة أنها تعني التَّزَيُّدَ على الدين والإضافة إليه. وهو لا يمكن أن يكون حسناً بحال من الأحوال. وإنما يدْخُلُ هذا الذي تَوَهَّموهُ (بدعة حسنة) فيما سَمَّى النبي صلى الله عليه وسلم بالسنَّةَ الحسَنَةَ، وهو ما اصْطَلَحَ الأصوليُّون على تسْمِيَّتهِ بالمصالح المُرْسَلَةِ< هاشم الرفاعي ص : 152.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>