اتفاق غزة-أريحا : في سياق المعركة الحضارية


اتفاق غزة-أريحا : في سياق المعركة الحضارية

> د أبو يوسف

ليس هناك شك في أن الاتفاق الذي وقع بين بعض الفلسطينيين والإسرائيليين يوم الإثنين 13/9/1993 بواشنطن يشكل حدثا بارزاً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي عامة، وفي تاريخ العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية خاصة، ويجسد حالة الضعف التي تعيشها القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، والحكومات العربية والإسلامية، والأمة العربية والإسلامية عامة، وهو فوق ذلك يهدد الأمة العربية والإسلامية بما يحمله من مضامين ومبادئ ذات خلفية خطيرة هي : فرض الهيمنة السياسية وفرض الإرادة الصهيونية على البلاد العربية والعمل على تفتيتها وتمكين الكيان الصهيوني من تأمين مصالحه ومشاركته في ثروات المنطقة ومصادر الطاقة.

الخلفية الإستعمارية للإتفاق :

عملت الدول الغربية على تهيئة الأجواء لمشروع الإتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية والإسرائيليين، وتفانت أمريكا في خدمة هذا المشروع منذ نادى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش- بتاريخ 6/3/1991، بأن “الوقت قد حان لإنهاء النزاع الإسرائيلي-العربي”، لينعقد مؤتمر للسلام بمدريد بتاريخ 30/10/1991، وذلك بحضور “اسرائيل” والدول العربية لأول مرة منذ ثلاث وأربعين سنة، ثم لتبدأ المفاوضات العلنية والسرية، هاته الأخيرة أسفرت عن التوقيع على إتفاق بين “اسرائيل” والمنظمة بأوسلو عاصمة النرويج بتاريخ 19 أغسطس 1993، وبعد ذلك يتم الإعتراف المتبادل ليتوج كل ذلك بحفل يقام في البيت الأبيض بتاريخ (13/9/1993) بحيث يتم التوقيع على الإتفاق من الطرفين على نفس الطاولة التي وقع عليها أنوار السادات وبيغن سابقا معاهدة كامب ديفيد (26/3/1979) وهكذا يلاحظ مدى سهر الدول الغربية على إنجاح هذا المشروع وتَحَقُّقِهِ سياسياً أولاً، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى ارتباط المصالح الغربية بالإتفاق، فما هي مصالح الغرب من الإتفاق وما هي خلفياته؟

تسعى البلدان الغربية إلى أن تستمر علاقتها الإستعمارية مع مستعمراتها السابقة، ولقد زرعت الكيان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، لتضمن استمرار هذه العلاقة، فهي تريد وضعاً مرناً إجرائيا للوطن العربي لذلك لابد أن يبقى مشتتا مبعثرا لا يتمتع بدرجة تماسك عالية ولاتوجه حضاري واضح ولا يملك حق التحكم في ثرواته.

إن الوطن العربي يراد له أن يصبح (كما يشار إلى ذلك في الكتابات الصهيونية والغربية) رقعة بلا تاريخ ولا ذاكرة ولاهوية ولامصالح مستقلة، وذلك حتى تستمر العلاقة الكولونيالية التقليدية التي يستمد فيها الغرب من مستعمراته المواد الخام وقوة العمل، ويسوق للمستعمرات منتوجات مصنعة بنسبة تساهم كثيرا في تحسين ميزان الغرب التجاري .               تتمة …………ص 2 =>>>

إذن لابد أن يستمر البيع والشراء والإنتاج والإستهلاك، وعلى هذا الأساس فالعدو الأول للغرب هو كل من يقف ضد الإستهلاكية العالمية أي الإسلام كمشروع انساني عالمي ينشد تحرير الإنسان، ولذا يجب أن يتعاظم دور إسرائيل السياسي والإقتصادي والدبلوماسي لتتدخل في الوضع العربي عملا على تعميق الفجوة بين البلدان العربية وعلى إفساد شعوبها، وهكذا سيتحدد بوضوح دور “اسرائيل” كقاعدة للإستعمار الغربي الرأسمالي.

الإتفاق : مرحلة متطورة للمعركة الحضارية بين اليهود والمسلمين.

إن هدف الإتفاق بالأساس التطبيع مع البلدان العربية، نظراً لما تعانيه اسرائيل من حصار اقتصادي عربي، وفي هذا يقول رابين : “تكفي حكاية أريحا لكي تعترف الدول العربية بإسرائيل وتنهي المقاطعة الإقتصادية” ونظرا لما للإقتصاد في عصرنا الحالي من قوة وسلطان يعلو فوق سلطان السياسة نفسها، فقد أولت “اسرائيل” في اتفاقها مع المنظمة، هذا الجانب أهمية قصوى، ولقد عبر شمعون بيريز عن هذا التوجه بقوله : >من الضروري التخلي عن اسرائيل الجغرافية الكبرى “لمصلحة قيام” اسرائيل الإقتصادية الكبرى<.

إن اسرائيل تسعى في مشروعها الإقتصادي، إلى بسط نفوذها وسلطتها على البلاد العربية واستثمار خيراتها ومواردها وقوة عمل شعوبها لخدمة مشروع اسرائيل الكبرى، وهذا يتضح فيما قاله رئيس اتحاد الصناعات الإسرائيلي : إن السوق الإسرائيلي انتعش في أعقاب اتفاقية غزة-أريحا، وأضاف أنه يتوقع تشكيل كتلة اقتصادية شرق أوسطية، بها مائتا مليون مستهلك عربي تكون اسرائيل مركز عمل طبيعي لهم.

وهكذا يتضح أن الخطير في المسألة هو كون الإقتصاد بوابة للضغط والتحكم الذي سيصل إلى حد الضغط وفرض الوصاية، مما يؤكد بجلاء، أن التطبيع ليس هدفه اقتصادياً وسياسياً فقط، بل إن هدفه حضاري يتلخص في : “قتل روح الحذر من اليهود وقتل الرؤية القرآنية في نفوس المسلمين اتجاه اليهود، وخلق نفسية التعامل معهم وهو ما يمكنهم من التخريب والتحكم والغلبة.

وصدق الله العظيم حيث يقول : >ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين<سورة المائدة]، >ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم<سورة البقرة].

وأخيرا، فقد يبدو الأفق مظلما وقد يبدو أن الوضع لا يمكن تغييره، ولكن إن غداً لنا ظره لقريب.

علينا أن نتذكر التاريخ البعيد والقريب، وأقرب مثال حاضر في ذهن الجماهير الشعبية التي أخذت المبادرة عام 1987، فانتفضت في وجه العدو الغاصب، والإنتفاضة المباركة شاهدة بصدق على أن الإنسان ليس كائنا مطواعا ينسى الحق ويتكيف مع الظلم ويقبل الظالمين، وإنما هو كيان علمه الله الاسماء كلها فأصبح في مركز الكون يحمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، فحملها هو. إنه الكائن الذي يحمل إمكانيات تغيير واقعه عندما يغير ما بنفسه.

إن طبيعة المعركة الحضارية تقتضي أن تكون المواجهة حضارية يتم من خلالها مواجهة مخطط الغزو الفكري الثقافي بالجهاد الثقافي، ومواجهة خطة التجزئ والتعجيز بجهاد التوحيد واعداد القوة، ومواجهة الوجود اليهودي الصهيوني بإيجاد الإنسان الواعي لابعاد المعركة الطويلة الأمد، والمستعد لخوضها بكل ما يملك دون كلل أو ملل أو يأس وقنوط موقنا أن الله مع الصابرين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>