مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم النصرة العادلة


مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

النصرة العادلة

مصطفى فوضيل

أخرج الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب أَعِنْ أَخَاكَ ظالما أو مظلوما، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا : يارسول الله هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما قال : تأخذ فوق يديه<.

قبل استخلاص مضامين هذا الحديث الشريف نقدم له بهذه المقدمة فنقول وبالله التوفيق :

لقد كان مجيءالإسلام إيذانا بقيام حياة جديدة، وكانت أهدافه العظيمة تستدعي منهجا متكاملا يتحقق به الانتقال بالإنسان الجاهلي من حال إلى حال أخرى مخالفة تماما.

وقد كان من أهداف الإسلام أن يتصدى لمجموعة من العادات الجاهلية لتقويمها وردها إلى الصواب.

ولعل من أخطر العادات التي كانت مستحكمة في الجاهلية، وكانت تؤدي إلى فساد كبير في الأرض ماعرف عن العرب من تشبتهم بالعصبية القبلية حتى بلغ بهم الأمر إلى الاعتزاز والتفاخر بالظلم، وحتى قال قائلهم :

إذا أنالم أنصر أخي وهو ظالم

على القوم لم أنصر أخي حين يظلم

ونقل ابن حجرفي فتح الباري 5/98 عن المفضل الضبي أن أول من قال : >انصر أخاك ظالما أومظلوما< جندب بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية لا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم

فكيف كان موقف الإسلام تجاه الظلم وتجاه تلك العادة الجاهلية المدمرة؟

يمكن أن نجيب عن ذلك من خلال مايلي :

1- أن نصرة المظلوم “فريضة شرعية وضرورة بشرية”، ويظهر ذلك من خلال تسليم الصحابة السامعين بها، وذلك أن الظلم عند العقلاء منكر شنيع، ولو أنه تمثل شخصا لكان قبيح الوجه منكر الصوت منتن الرائحة خبيث الطوية، من أجل ذلك كان من الواجب تغييره وإحلال العدل محله، ويتحقق ذلك بأن يعان المظلوم على ظالمه حتى يكف عنه أذاه ويأخذ حقه منه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر : >المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه….الحديث<راوه البخاري في كتاب المظالم].

2- أن الظاهر من المحاورة في الحديث هو أن الإشكال إنما هو حاصل في كيفية نصرة الأخ الظالم، وهو أمر يدعو -فعلا- إلى الاستغراب! والنبي صلى الله عليه وسلم قد بدَّدَ ذلك ببيان مفهوم النصرة ومقصدها الشرعي وذلك بأن يُؤخذ فوق يد الأخ الظالم ويمنع من مواقعه الظلم. وهذا ظاهر من خلال لفظ الحديث، وفي رواية أخرى للبخاري >قال : تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره<رواه في كتاب الإكراه]. وفي رواية مسلم : >إن كان ظالما فَلْيَنْهَهُ فإنه له نَصْرٌ<رواه في كتاب البر].

ومن مجموع ألفاظ الحديث ورواياته وما قيل في تفسيرها نستخلص أن الحجز يكون بحسب ما يناسب الظالم، فإن كان يكفيه النصح والتذكير بتقوى الله تعالى وتحذيره من عاقبة الظلم الوخيمة نصحناه وبالغنا في نصحه حتى يتراجع على الفور ويحصل له الندم الدافع للإعتذار من المظلوم والتحلل من المظلمة.

فإن لم ينفع معه ذلك كان من المشروع الأخذ فوق يديه وذلك أن نفسه غلبته فطغى جانب الشر فيه على جانب الخير حتى أفقده وعيه أو بعض وعيه ولم يعد يملك زمامه وتصدرت الجاهلية لتقوده في غياب الشرع والعقل. ولذلك جاء في رواية عن عائشة رضي الله عنها : >قال : إن كان مظلوما فخذ له بحقه وإن كان ظالما فخذ له من نفسه<فتح الباري 12/326] قال البيهقي : >معناه أن الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسا ومعنى<فتح الباري 1/326].

3- أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم للأخ الظالم بأنه “أخ” يدل على أن من كمال الأخوة والمحبة بل من لازمهما أن يعان الأخ الظالم على نفسه حتى ينتصر عليها ويستعيد توازنه الشخصي، ولاشك أنه حينئذ سيدرك فضل أخيه عليه إذ أنقذه من عاقبة الظلم الوخيمة في الدنيا والآخرة، مثله في ذلك مثل من يسقي حبيبه الدواء المر رغما عنه لعلمه بعاقبته المحمودة.

4- أن هذا الحديث الشريف يحمل بين ثناياه دعوة إلى المسلم إلى أن يكون مُوَطِّناً نفسه أي إيجابيا تجاه ما يجري أمامه فلا ينساق مع واجب الأخوة في ظاهره إلى الحد الذي يكون فيه معينا على الظلم، ولا يقف متفرجا على أخيه المظلوم وهو قادر على نصرته. وهذا الموقف الذي يمثل “خط الإعتدال” من شأنه إذا تحقق من جانب كل مسلم تجاه أخيه المسلم أن يحقق قسطا كبيرا من التوازن الإجتماعي وأن يحفظ على الأمة حيويتها ويقوي مناعتها الذاتية، وأن يوفر على القضاء جهودا وأوقاتا ثمينة، وأن يُحسم في كثير من المظالم في بداياتها قبل أن تتعاظم وتتوالد ويستعر أوارها، وتهدد الأمن الإجتماعي وتفسد العلاقات بين الأفراد.

5- أن موقف المسلم إزاء الظالم والمظلوم ينبغي أن يكون مبنيا على أساس من الإخلاص الذي يتحرى الحق ويدور معه حيث دار، وعلى أساس من الفقه أي فقه الحدود والحقوق وكيفية وضع الأشياء في مواضعها وكذلك فقه ملابسات المظلمة، وكل ذلك من أجل أن تتحقق النصرة العادلة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>