توسمات جارحة :ماذا بعد البكاء؟؟


تم تمرير استشهاد المجاهد الشهيد سليم خان ياندرباييف ببساطة وكأن الأمر يتعلق بخبر عابر وليس قتل إنسان وطني مخلص اغتالته المخابرات الروسية بعد خروجه من صلاة الجمعة في قطر، قتلته كما يقتل الجبناء كل صوت حر يريد أن يعيش بكرامة وحرية، لا لشيئ سوى لجهوده المستمرة في دعم الجهاد في موطنه ولمعارضته لأي مفاوضات مع الاحتلال الروسي لبلاده الشيشان. وتلقت الأمة الخبر مثلما تتلقى خبر استشهاد العشرات يوميا من أبنائها دون أن تحرك ساكنا، دون أن تسعى جديا لمؤازرة المجاهدين في جبهات القتال بالجهاد الأكبر من أجل التغيير، تغيير أعماق هذه المجتمعات وتطهيرها كي تصبح في مستوى ما يجري لها.وكدت أصدق نهائيا  “وما لجرح بميت إيلام”. ثم جاءت  الصدمة والذهول والألم الشديد وكل مشاعر الهوان التي انتابتني وملايين المسلمين فجر استشهاد القائد البطل شيخ الشهداء أحمد ياسين، جاءت تهزنا وتشعل ألوانا من الغضب في أعماقنا، وتُجري دموعا سهلة و عصية أنهارا. وقلت لا بد أن نفعل شيئا، لا بد أن يحدث شيء يعيد التوازن لنا، وأحاول أن أعزي نفسي بأنه لا مزيد من التحمل لدى  الأمة، وأنها فعلا قد بدأت تستيقظ، ولا أدل على ذلك من هذا الإلتفات حول  هذه الجريمة البشعة. لكن حين ألتفت حولي أرى أن الأمة ما زالت تعيش في استلاب واستبلاد مستمرين، بدليل استمرارية وشيوع ثقافة  العبث والضياع والميوعة وما شئت من مفردات السقوط الحضاري التي تبين أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن كل إصلاح وكل نهضة حقيقية تنبذ كل هذا الغثاء بعزم وإرادة، وإلا فبماذا نفسر اهتماماتنا واهتمامات شبابنا المنصبة على أشياء أبسط ما يعبر عنها بالتفاهة. فأغلبها إن لم أقل كلها  تحوم حول أشياء  تنبئ أن قطاعات واسعة من هذه الأمة لم تبلغ الرشد بعد، وأنها لم تبلغ  مرحلة النظر إلى الحياة والوجود بكرامةوشرف وعزة.وأسمع أن مسؤولية ما يجري من سفك لدماء المسلمين  مسؤولية الأنظمة، فيأخذني الألم أكثر، لأننا ما زلنا نعلق أخطاءنا على شماعات مختلفة، ولأننا نعلم علم اليقين أن أنظمتنا لم تفعل ولن تفعل شيئا لنا -إلا إذا مستها هداية الله- سوى تسليم رقابنا، وأن المشكلة الأساس هي مشكلة شعوب مسلوبة الإرادة في مجملها،  من أفرادها من يجنح للتطرف من أجل مقاومة الواقع المرير، سواء كان تطرفا نحو مزيد من التفسخ والانحلال أو نحو التشدد الديني الذي يبعدنا عن وسطية الإسلام وسماحته، ومنهم من يعيش لنفسه ولاغتنام مزيد من الشهوات والماديات ولا يهمه أن يأتي الطوفان لغيره، ومنهم من يتفرج ببلاهة أوبرودة على كل شيء. وينتابني إحباط وسكاكين الألم تنغرس في صدري دون توقف، وأشاهد مع مليار وأكثر من المسلمين الديمقراطية والحرية والعدل تُوزع بالأباتشي والقنابيل العنقودية على رؤوس إخوتنا وأبنائناوأطفالنا، أشاهد ديارنا وأراضينا وخيراتنا تُنتهب وتُوزع نيابة عنا، ألم أقل لكم أننا لم نبلغ الرشد بعد؟؟ ومن حق أي أفاق سفاك للدماء أن يتحكم في رقابنا ويغتصب نساءنا وييتم أطفالنا؟؟ ونحن نسبح بحمده وننبطح ساجدين من أجل أن يجود علينا بمزيد من الذل والهوان والتنكيل بدعاوى مختلفة، لعل أبرزها الإرهاب. معذرة إن كنت أنكأ جراحا تحاولون تضميدها بالتجاهل أو النسيان،معذرة، لكني فعلا أشعر بالحياء من مجرد ابتسامة تخرج من شفتي، وأشعر بوخزات في صدري كلما تذوقت متعة من متع الحياة، والملايين من أمتنا تعاني وتُقتل وتباد بتصميم واتفاق دولي، وعزائي وعزاء كل قابض على الجمر أن قتلانا في الجنة، لهم أشعة تصل إلى القلوب والعقول تعمل على تطهيرها وتثبيتها، وأن الصامدين يقدمون لنا دلالات مختلفة تكشف أن في أعماق الأمة يكمن الخير العميم، وأن كل بذرة تُسقى بالدماء لا بد أن توتي أكلها بإذن ربها، وتستنبت ملايين السنابل الصامدة في وجه الطوفان، المقتلعة لأعشاب الظلم والفساد. وهنيئا لأهلنا في فلسطين والعراق وفي كل  رباط صمودهم، وبشرى لاختيار الله تعالى لهم للذود عن حمى هذه الأمة،وعسى أن يطلق الله سراحنا لنلحق بكم في أرض الرباط أو في الجنان، {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة}..

ملاحظة : وأنا أعتزم إرسال هذه التوسمات للمحجة تلقيت نبأ استشهاد أخينا عبد العزيز الرنتيسي، فهنيئا له هنيئا ودعاؤنا أن نلحق به،ورجاؤنا في الله أن يرزقنا الشهادة مثله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل في حكامنا، حسبنا الله فيهم، ولا نملك إلا أن ندعو : اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، اللهم إليك نشكو فارحمنا وأيقظ هذه الأمة..

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>