إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها صحة الأمة ومرضها وموتها


 

مرحلة وفاة الأمة : الدوران في فلك الأشياء

الأمم بشكل عام كالأفراد، تنتابها حالات الصحة والمرض والوفاة، ولها أعمار وآجال، وحين تمضي الأمم في مراحل الصحة والمرض والموت، فإنها تسير طبقا لقوانين محددة ومراحل مقدرة تحكمها (الأسباب والنتائج) وتصاحبها (الأعراض والمضاعفات) حتى تنتهي الأمة إلى أجلها ومصيرها المحتوم. وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى : {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لايستاخرون ساعة ولا يستقدمون}(الأعراف : 34).

{وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم، ما تسبق من أمة أجلها وما يستاخرون}(الحجر : 4-5).

الصفة الثانية للأمة الميتة :

إتباع الهوى

المحور الذي يدور حول (الهوى) هو مجانبة العدل في السلوك، والتفكير، والشعور. ثم الانطلاق في ذلك كله من الحمية العصبية، والشهوات النفسية. ويذكر الرازي في تفسيره، أن الله وضع الهوى في مقابل العدل عند قوله تعالى : {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا}(النساء : 135) . ثم يعلق على ذلك فيقول : (المعنى اتركوا متابعة الهوى، حتى تصيروا موصوفين بالعدل .. وتحقيق الكلام، أن العدل عبارة عن ترك الهوى، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر. فتقدير الآية : فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا).

ومن تحليل الآيات والأحاديث التي عالجت  -الهوى الصفة الثانية للأمة الميتة- يتضح أنه يتمثل فيما يلي :

أ- الظلم : فالذين يمارسون الظلم، إنما يقترفونه بسبب الهوى، تلبية لحمية عصبية، أو شهوة نفسية، كما أن المظلومين الذين يخنعون أمام الظالم، ويرضون بظلمه، إنما يفعلون ذلك بسبب الهوى، ولذلك قال  : >إذا رأيت أمتي يقولون للظالم منهم أنت الظالم فقد تودع منها<.

فالأمة الميتة، تسكت أمام سياسات الظلم، وتطبيقاته في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة والفنون والتربية، وتتسابق لتملق الظالم، طلبا لما عنده من شهوات، أو لما تربطهم به من عصبيات، فالتاجر في الأمة الميتة يخشى على تجارته، والموظف يخشى على وظيفته، والعامل يخشى على عمله، وصاحب الشهوة يخشى فقدان شهوته، وهكذا.

و لا يعني هذا أن الأمة تخلو من العناصر الصالحة، وإنما معناه أنها تفتقر إلى العناصر (الصالحة – المصلحة) التي تقف أمام الظلم، وتحول دون انتشاره واستشراء مضاعفاته. والتمييز بين الفريقين واضح تمام الوضوح في القرآن الكريم والحديث الشريف. فالقرآن يؤكد على أن العناصر (الصالحة – المصلحة) هي الضمان الواقي للأمة من الهلاك ومن العقوبات الإلهية. من ذلك قوله تعالى : {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}(هود : 117).

أما العناصر الصالحة غير المصلحة فهذه لا تنجو من الدمار الذي ينزل بالأمم المعذبة : {وقطعناهم في الأرض أــمما منـــهم الصالحون ومنهم دون ذلك} (الأعــراف : 168).

وينبه الرسول  إلى أن مساعدة الظالم على ظلمه، تخرج من الإسلام : (ألا إنه سيكون بعدي أمراء يظلمون ويكذبون، فمن صدقهم بكذبهم، ومالأهم على ظلمهم، فليس مني، ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ومن لم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه).

والسكوت على الظلم ينتهي بالأمة إلى الكوارث والعقوبات الإلهية :

<  >إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب<.

<  >لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم<.

ب- انطفاء العلم وشيوع الجهل : و لا يعني ذلك شيوع الأمية وإغلاق معاهد العلم، وإنما المقصود تعطل فاعلية العلم الناتج عن التربية والتعليم، اللذين يوجهها الهوى بحيث يصبح وجود العلم شبيها بالجهل، لأن أصحاب الأهواء يستثمرون العلم والمعرفة استثمارا يجعل فقدهما أنفع من ضررهما، وهم يتخذون من العلم حلية اجتماعية، يتطاولون بها على الناس، ويظلمونهم، بدل مساعدتهم وإنصافهم. وإلى هذا يشير قوله تعالى : {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين}(البقرة : 145).

ج- انطفاء فاعلية الحقيقة : وشيوع الهوى معناه : الاحتكام إلى النزعات والحمية والشهوات، مما يبطل فاعلية الحقيقة، رغم وقوف الناس عليها. وإلى ذلك يشير قوله تعالى : {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} (المائدة : 48).

د- انطفاء الخير والصلاح وشيوع الشر والفساد : في الأمة الميتة التي يشيع فيها الهوى، يتحول الناس إلى أكوام بشرية تتصارع من اجل الشهوات والعصبيات، والحصول على المنافع والمكاسب،فتذهب الأخلاق، وينعدم النظام، ويفشو الفساد في السلوك والمعاملات، وتنعدم روح المسؤولية، وتدب الفوضى، ويشيع الغش والخيانة والرشوة، وألوان الخداع والكذب .. وما إلى ذلك. وإلى كل هذه المضاعفات يشير قوله تعـــالى : {ولـــــو اتبع الحـــق أهـــــواءهم لفسدت السمــــاوات والأرض ومــن فيهن}(الـمؤمنون : 71).

هـ- شيوع الصنمية واختفاء التوحيد : ويكون من نتائج ذلك شيوع الرق النفسي والفكري، واختفاء حريات التفكير والتعبير والعمل والاختيار، وتلغى شخصية الإنسان، فيصبح متقلبا حسب المواقف التي تقررها الرغبة أو الرهبة، والخوف، أو الطمع، أو الحرص، وإلى هذا يشير قوله تعالى : {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا}(الفرقان : 43 – 44).

و- شيوع الفرقة وتحطم الوحدة : وإلى ذلك يشير قوله  : >ألا إن مَنْ كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهيالجماعة، وسيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله<.

ز- في الأمة الميتة  التي يتبع فيها الهوى، تشيع الدناءة والصغار، وينعدم الطموح والترفع، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {لو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه}(الأعراف : 176).

ح- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى، يشيع الخطأ في الأحكام، والقرارات، والسياسات، والمواقف، وإلى هذا يشير قوله تعالى : {ومن أضل ممن اتبع هواه} (القصص : 50).

ط- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى، يشيع الحمق، والقصور العقلي، وقلة الحكمة، وعدم الاستفادة من الخبرات الاجتماعية والكونية التي يقرؤها الناس، أو يمرون بها، أو تراها أعينهم، أو تسمعها آذانهم، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا أولئكالذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم}(محمد : 16).

د.عرسان الكيلاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>