إشراقة – ضوابط رواية الضعيف في الفضائل


إن الاستدلال بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال له قواعد وضوابط، قررها العلماء، فلا بد للواعظ أن يراعيها أثناء روايته للضعيف، لأن هذا باب خطير ينسب فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم

ما هو مشكوك في صحة سنده وسلامة طريقه، وفضائل الأعمال أي فضائل الأعمال الثابتة، والمندوبات التي يثاب فاعلها، ولا يذم تاركها، فإنه يجوز فيها أخذ الحديث الضعيف والعمل به، لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم، ولا ضياع حق الغير، لكن يشترط للعمل بالحديث الضعيف ثلاثة شروط :

1- عدم شدة الضعف بحيث لا يخلو طريق من طرقه من كذاب أو متهم بالكذب.

2- أن يدخل تحت أصل عام.

3- أن لا يعتقد سنية ما ثبت بذلك الحديث، بل يعتقد الاحتياط.

وقال الزركشي : الضعيف مردود ما لم يقتضترغيبا أو ترهيبا، أو تتعدد طرقه. وقيل : لا يقبل مطلقا. وقيل يقبل إن شهد له أصل واندرج تحت عموم، ويعمل بالضعيف ـ أيضا في الأحكام إذا كان فيه احتياط.

فإذا تحققت هذه الشروط فحينئذ يجوز التساهل في رواية الضعيف. قال الإمام أحمد رضي الله عنه

وغيره من الأئمة : إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا. والذي ذهب إليه كثير من أهل العلم : الترخص في الرقائق، وما لا حكم فيه من أخبار المغازي، وما يجري مجرى ذلك، وأنه يقبل فيها ما لا يقبل في الحلال والحرام، لعدم تعلق الأحكام بها.

وممن نص على قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال أحمد بن حنبل وغيره، واختاره جمع عظيم من المحدثين وصرح به ابن سيد الناس في سيرته المسماة ب “عيون الأخبار” وعلي القاري في “الحظ الأوفر في الحج الأكبر” والسيوطي في رسالته “المقدمة السندسية” ورسالته التعظيم والمنة في أن أبويالرسول في الجنة” والسخاوي في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، والنووي في الأذكار.. وابن حجر وابن همام.. وغيرهم ممن تقدم عليهم أو تأخر، وابن الصلاح في علوم الحديث وغيرهم كثير.

وضعف الحديث ليس على مستوى واحد، فهناك الضعيف المقبول الذي يستأنس به في العمل الصالح، وهناك الحديث المرفوض المردود لشدة ضعفه. قال شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله تعالى : الضعيف عندهم نوعان : ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي.

وضعيف ضعفا يوجب تركه، وهو الواهي(1).

وذهب فريق آخر إلى منع الاستدلال بالضعيف، لأنه استحسان عبادة بدليل ضعيف، والمعتبر في العبادات النص الصحيح. فلهذا قالوا : إن الفضائل تلقى من الشرع، فإثباتها بالحديث الضعيف اختراع عبادة والقائل بذلك شرع من الدين ما لم يأذن به الله.

وجاء في الرد على هذا : هو أن ذلك ليس من باب الاختراع في الشرع، وإنما هو ابتغاء فضيلة ورجاؤها، مع أمارة ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه كما تقرر. وقال جلال الدين الدواني، في رسالته “أنموذج العلوم” : اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا يثبت به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال.

وعلى هذا رجح كثير من الفقهاء الحديث الضعيف على الرأي قال الإمام أحمد : ضعيف الحديث أحب إلينا من رأي الرجال. وذكر ابن حزم الإجماع على أن مذهب أبي حنيفة، أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي والقياس، إذا لم يجد في الباب غيره. وقال شريح(2) : إن السنة قد سبقت قياسكم، فاتبع ولا تبتدع، فإنك لا تضل ما أخذت من الأثر.

>  ذ. عبد الحميد صدوق

——-

1- الفتاوي الكبرى ج 18 ص 18.

2- هو شريح الفقيه أبو أمية قاضي الكوفة، وكان ممن أسلم في حياة النبي(ص) حدث عن عمر وعلي وغيرهم وهو قليل الحديث مات 8 هـ.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>