مفهوم التقوى في القرآن الكريم: دلالات وأبعاد


تقديم :

قد يعتقد البعض أن كلا من التقوى والحضارة نشاطان مختلفان للإنسان ومتباينان، على اعتبار أن التقوى عبادة خالصة لله تعالى معتمدها النصوص الشرعية، ولا يرجى من ورائها إلا النجاة من النار ودخول الجنة، بينما الحضارة انعكاس لجهود الإنسان ونشاطاته وأعماله الدنيوية القائمة على التسابق المادي، والتفوق التكنولوجي، ومعتمدها العلوم المادية والاستفادة من تجارب الآخرين واختراعاتهم ولو كانوا كفارا، وهذا الاعتقاد أوالظن مرده إلى الفهم القاصر والشائع عن مفهوم التقوى، والذي يعتبرها من أخلاق الزهاد أوالمؤمنين المتورعين عن المسؤوليات الدنيوية، مما حرف مفهوم التقوى عن حقيقته وحمولته القرآنية الفعالة كما وقع لكثير من المفاهيم القرآنية بتأثير الفكر الدخيل على القرآن.

غير أن من تتبع آيات التقوى ودرس مفهومها في نصوص القرآن والحديث، واطلع على سيرة الرسول  وهو إمام المتقين، وعرف سير صحابته الكرام  الذين شهد لهم القرآن بالتقوى، وشهد لهم التاريخ بإرساء أسس الحضارة الإسلامية النموذجية،  سيدرك مدى فعالية التقوى وإيجابيتها في بناء حضارة إيمانية قائمة على تحقيق التوازن المادي والروحي للإنسان، وهي الكفيلة بإنقاذ إنسان الحضارة المادية المعاصرة من متاهات الضياع والصراع، ومن الأزمات النفسية التي يعيشها. ولا يخفى أن ما أصاب الأمة الإسلامية في تاريخها من السقوط والنكوص الحضاري،  سببه الأساس هو الانحراف عن منهج المتقين؛ منهج الرسول  وصحابته الكرام، في العلم والعمل وفي السياسة والاقتصاد…

وما زالت الأمة المسلمة تعيش مرحلة الضعف والوهن الحضاري لأسباب عديدة أهمها ضعف التقوى وغياب دور المتقين في تسيير شؤونها، لأن من يقوم بتسيير دواليب الدول الإسلامية في العصر الراهن، لا يهمهم من الشعوب إلا الخضوع والإسلام الظاهري، وحظ غالب المسؤولين أنفسهم من الإيمان لا يعدو إيمان المرجئة قديما، أوإيمان العلمانيين وأشباههم حديثا، وقد صدق  المفكر الغيور الدكتور عبد المجيد النجار في قوله : >وقد كان الخلل الذي أصاب الأمة الإسلامية في تحملها لعقيدتها عاملا حاسما في انحسارها الحضاري، سواء ما آل إليه الأمر من انحراف في التصور العقدي، أومن سطحية في التحمل الإيماني تراخى بها الدافع الإرادي للعمل الحضاري، وهذا الخلل بمظهريه هونفسه الذي يعوق الأمة اليوم عن الانطلاق من جديد للنهوض الحضاري..<(1).

وعليه فحاجة الأمة الإسلامية حاليا إلى الأمناء الأتقياء لا تقل أهمية عن حاجتها إلى العلماء المخترعين والتقنيين،

ومدار هذا البحث هو بيان موقع التقوى وقيمتها ضمن مقومات العمران الحضاري القرآني، وبيان مدى فعالية التربية على التقوى لإعداد المسلم القوي والفاعل في إصلاح حال الأمة، حتى تتمكن من استرداد عزها ومكانتها، والقيام بدورها في ترشيد الحضارة المعاصرة وتسديد مسارها المادي المنحرف حاليا.

أ- مفهوم التقوى في القرآن :

النظر إلى التقوى من زاوية الدلالة المعجمية يجعل مفهومها محصورا في معاني : الوقاية، أوالحذر والزهد، والإمساك عن الفعل، وهوالمفهوم المتوارث عن عهد الانحطاط حيث سيادة العقيدة الإرجائية والفكر الصوفي الجامد، فضلا عن الاستبداد السياسي والوصاية الدينية، وغيرها من أنماط التفكير المنحرف عن منهج القرآن والسنة الصحيحة،  والتي صرفت التقوى إلى معاني: الذل والانكسار والزهد في الدنيا وشدة الخوف من الله -أو حتى ممن يدعي تمثيل سلطانه في الأرض-  وبذلك يترجح جانب الترك والإمساك على جانب الفعل والمبادرة في دلالة التقوى، وهو عكس ما تثبته الدراسة الاستقرائية (المصطلحية) لنصوص التقوى وألفاظها في القرآن والحديث، إذ  تفيد هذه الدراسة أن مفهوم التقوى مفهوم إيجابي عملي، وليس تجريدا مثاليا، ولا هو مفهوم سلبي يرتبط بالزهد والكف عن العمل، تورعا عن اقتحام أمور الحياة وتحمل المسؤوليات، فالتقوى وإن كانت تقوم في جوهرها على خشية الله تعالى، إلا أن هذه الخشية في القلب تجليها العبادات والأعمال الصالحة، وليست سرا مكنونا في القلب بل هي إيمان وعمل قائمان على العلم بالله تعالى ومعرفة شرعه والعمل به، ويستفاد من تتبع أعمال المتقين وأوصافهم في القرآن الكريم -وهي أوصاف تشمل كل خصال البر والعمل الصالح- أن جانب الفعل أقوى من جانب الترك في مفهوم التقوى، ويؤكده أيضا اقتران صيغ فعل الأمر بالتقوى (اتق، اتقوا، اتقون) في القرآن، بالأوامر أكثر من اقترانها بالنواهي، فضلا عن ارتفاع نسبة المشتقات الفعلية عن المشتقات الاسمية،  في ألفاظ التقوى في القرآن والحديث معا.

ب- التقوى أم القيم الخلقية والحضارية :

نعم إن التقوى عقيدة راسخة في القلب والعقل تجسد صدق الإيمان والعمل الصالح  وتمد السلوك المتخلق بماء الحياة، وبروحها الذي هو الإيمان بالله وخشيته، فتجعل الخلق خلقا حسنا، نقيا من شوائب الرياء والنفاق،  أومن قصد المنفعة الذاتية التي بمجرد تحققها يتغير الخلق النفعي أو يزول، كما هو حال أخلاق الماديين والوضعيين، وغير المتقين بصفة عامة، وحيث إن التقوى شعبة كبرى من شعب الإيمان فهي أساس التزكية النفسية وأم الفضائل الكبرى التي تتفرع عنها القيم الخلقية الإيمانية، كالصدق والوفاء والكرم والعفة والعدل والأمانة وغيرها، وذلك أمر يلمسه كل دارس لأخلاق القرآن، والباحثون في أصول التزكية النفسية في الإسلام، يقول المرحوم مصطفى صادق الرافعي مثلا : “فكان الأصل الأول فيه لهذه الأخلاق (أخلاق القرآن) هوالتقوى، وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه،…. ولا يفسر التقوى بالتحديد إلا الخلقُ الثابت ولا شك أن هذا الخلق الثابت هو أصل الاجتماع الذي انشعبت منه كل فضائل المساواة والحرية، وإنه (التقوى) لذلك  مقدم على الإيمان، إذ لا إيمان لمن لا تقوى له”(3).

كما يؤكده د. محمد عثمان نجاتي بقوله : “يتضمن مفهوم التقوى أن يتوخى الإنسان دائما في أعماله الحق والعدل والأمانة والصدق، وأن يعامل الناس بالحسنى، ويتجنب العدوان والظلم، ويتضمن مفهوم التقوى كذلك أن يؤدي الإنسان ما يوكل إليه من أعمال على أحسن وجه، لأنه دائم التوجه إلى الله تعالى في كل ما يقوم به من أعمال ابتغاء مرضاته وثوابه، إذ التقوى بهذا المعنى تصبح طاقة موجهة للإنسان نحوالسلوك الأحسن والأفضل، ونحو نمو الذات ورقيها”(4).

ج- أبعاد التقوى ودورها في العمران الحضاري:

إنه بالنظر إلى العناصر المكونة لمفهوم  التقوى في القرآن، التي هي : الإيمان، والعلم بما يتقى، وخشية الله ومهابته، مع دوام الطاعة والتزام العمل الصالح،  نجد أنها تكون  مرتكزات التقوى وأبعادها؛ المعرفية، والنفسية /السيكولوجية، والاجتماعية/ الحضارية، الضامنة لبناء شخصية مسملة متوازنة وفاعلة، والقمينة بتأسيس مجتمع سليم وقوي، والكفيلة بالإسهام في حضارة إنسانية كونية قائمة على قيم الخير والتعاون عليه.

———-

1- في مقال : دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية  مجلة (إسلامية المعرفة( العدد الأول المحرم 1416 ص:57.

2- مفردات ألفاظ القرآن  تحقيق صفوان عدنان داوودي  ط دار القلم  دمشق ، الدار الشامية بيروت 1992  ص : 881.

3- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ط دار الكتاب العربي   الطبعة التاسعة ص 100- 102  بتصرف

4- القرآن وعلم النفس، ط 5 دار الشروق 1993، ص :262

د. محمد البوزي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>