السقـوط والـوهـن الحـضـاري لـلأمة الإسـلامية أية أسباب


لاشك أن السقوط الحضاري أو الوهن الذي أصاب الأمة الإسلامية منذ عقود تاريخية إلى الآن، له أسباب وعوامل عدة، يتداخل فيها ماهو تاريخي قديم، بما هو حادث ومعاصر، وما هو داخلي ذاتي في الأمة، بما هو خارجي وعدواني عليها، والموضوع لا يتسع لاستيفاء هذه الأسباب والعوامل من كل الزوايا- فذلك من شأن الأبحاث المتخصصة في التاريخ والحضارة- وحسبنا الاقتصار على الأسباب العقدية والخلقية المرتبطة بالتقوى و التي هي من صميم موضوعنا، وأهمها مايلي :
< الانحراف عن منهج الرسول والصحابة في تدبير شؤون الأمة :
إن أهم سبب في انحراف مجموع الأمة عن منهج الإسلام في نظام الحياة هو انحراف روادها وزعمائها -ولاة وعلماء- عن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في الفهم والعمل، فمذ أيام الفتنة الكبرى، وظهور الخلافات، وطغيان المناهج الكلامية التي أفرزتها الفلسفات الوافدة على الثقافة العربية الإسلامية، ظهرت بوادر الفساد تتجلى في اتباع الأهواء وانتشار البدع والضلالات من جهة، وفي تعميق الخلافات العقدية والمذهبية من جهة أخرى، وقد أدى ذلك -بمرور الزمن- إلى التمكين لأنظمة سياسية خارجة عن نهج الشورى والولاية الشرعية في الأمة، فانحرف الولاة عن الاستقامة والعدالة، واتخذوا بطانتهم من أعداء الإسلام -أهل الكتاب والمنافقين والشعوبيين- لحماية عروشهم من أطماع المنافسين وأبناء العمومة، فصار الولاء للأشخاص والمذاهب أو للنزعات العرقية والقبلية، كما انحرف العلماء (علماء البلاطات خاصة) بسبب الأطماع والأهواء فوقعوا في أيدي الولاة -بل وفي أيدي القواد والأجناد أحيانا- فصاروا يزكون أعمالهم ويشهدون لهم بالكمال والفضل، ولا أضر على الأمة من أشباه العلماء المضلين، والقواد والأمراء المتسلطين ولو كانوا تحت راية الإسلام، وهم فاقدوا التقوى والصلاح، وكان من نتائج انحراف الولاة والعلماء مايلي :
- الاهتمام بجباية الأموال من العامة دون العناية بتعليمهم وإصلاح عقائدهم.
- غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
- انصراف الأمة عن الجهاد ونصرة الإسلام،
- شيوع ظاهرة التنافر والتفرقة والتباغض بين المسلمين وربما التناحر والاقتتال على الزعامات والمناصب.
فحق على مجموع الأمة ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : ((…ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله،إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم))(8).
ورحم الله العلامة المصلح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، إذ يقول : ((…ولما صارت ولاية أمر المسلمين في أيدي القواد والأجناد وخرجت من يد الخلفاء والعلماء معا، تولى أمر الأمة قادة متسلطون ماكرون اتخذوا أشباه العلماء، ومشايخ يلبسون لبوس الدين والعلم، (وليس لهم من العلم والتقوى نقير ولا قطمير)، بل هم في العلم زاهدون لأنهم ليسوا من أهله وإنما استمدوا قوتهم من قوة الأمراء والقواد، فتقارض الفريقان الشهادات بالتزكية والتراضي على المنافع الدنيوية، والسكوت عن المنكر،..)). نستنتج من النص أن القضية الأساس في انحراف الولاة والقواد وصنائعهم من العلماء هي ضعف الإيمان والوازع الديني وبعبارة أخرى هي غياب التقوى إذ التقوى والعدل هما مناط صلاح الراعي والرعية، الراعي وجب عليه العدل وتقوى الله في أموال المسلمين ودمائهم وأعراضهم، والرعية وجب عليها الطاعة والنصح لولاة الأمور، وقدوة العامة وقلب الأمة هم علماؤها فإذا فسد هؤلاء فسد ت الأمة.
< ضعف الوازع الديني واتباع الأهواء لدى العامة :
لقد نتج عن انحراف رواد الأمة وعلمائها أن انحرف العامة بدورهم إلا من رحم الله- لأن الناس على دين ملوكها كما يقال- فشاع الجهل، وضعف الوازع الديني وغابت التقوى، فاتبع الناس أهواءهم وانصرفوا عن أمور الدين وانشغلوا بأمور الدنيا، وكان همهم الأكبر هو كسب الرزق والتنافس على متاع الدنيا، فعم بذلك الظلم والفساد الخلقي والاجتماعي في أوساط المجتمعات، وشاعت التفرقة بين شعوب الأمة الإسلامية، وغاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانصرفت الأمة عن الجهاد ونصرة الإسلام، فصارت ذليلة ولقمة سائغة للمحتل الأجنبي.
< تكالب الأمم الكافرة منذ القديم على أمة الإسلام :
ولقد كان الكفار والمنافقون بالمرصاد لأمة الإسلام منذ تأسيسها، وبالأحرى منذ وقوع الفتنة الكبرى بسبب الخلافة، فكلما سنحت الفرصة للكفار وأعوانهم من المنافقين والشعوبيين، استغلوها وزرعوا الفتن بين المسلمين، أو أججوا نيرانها، فكانوا يحيكون المؤامرات ويكيدون المكايد للقضاء على الخلافة الشرعية الإسلامية حتى تمكنوا من ذلك لما أسقطوا الخلافة العباسية في بغداد، وبذلك مهدوا الطريق للغزو الصليبي لديار الإسلام، ثم العمل على إسقاط الخلافة العثمانية الإسلامية ، ثم تقسيم البلاد الإسلامية إلى دويلات، في العصر الحاضر، وغرس الكيان الصهيوني الخبيث في قلب الأمة الإسلامية كالسرطان ليمزقها، فأذكوا نار التفرقة بين المسلمين بإثارة النعرات والنزعات القومية والطائفية والقبلية في كل الأقطار الإسلامية..ثم الغزو الثقافي الذي كان من آثاره المدمرة ؛ تحكيم القوانين الوضعية، وإحلال الأنظمة التعليمية العلمانية، محل نظام التعليم الإسلامي مما أشاع ثقافة الفساد والإباحية والانحلال الخلقي والقيم المادية البراگماتية وكل ما ينافي التقوى وأخلاق المتقين.
د. محمد البوزي
——
8- سنن ابن ماجة كتاب الفتن وهو حديث صحيح.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>