ندوة علمية دولية بوجدة في موضوع: علاقة العلم بالإيمان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة بين الواقع المشهود وأفق الإصلاح المنشود


نظمت جمعية أساتذة كلية الطب والصيدلة بوجدة، بتعاون مع كل من المجلس العلمي المحلي، ومركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، برحاب كلية الطب والصيدلة بوجدة، ندوة علمية دولية في موضوع علاقة العلم بالإيمان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة بين الواقع المشهود وأفق الإصلاح المنشود وذلك يومي: 15 و 16 أبريل 2016 تحت شعار: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّـهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (الحج: 54).
وقد نبع اختيار هذا الموضوع للندوة من قناعة راسخة بأن ثمة حاجة ملحة لدى إنسان اليوم إلى استعادة التوازن بين جانب الطين فيه وجانب الدين، وذلك في عصر تطور فيه العلم بشكل مُطْغٍ للمادة على الروح بما حقق من إنجازات ومكاسب لصالح الإنسان قد تعمي عن رؤية مفاسده وأخطاره، و إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (العلق:6-7).
ولقد أدى انبهار العالم الإسلامي بالغرب إلى إفراز تصورات خاطئة منها علاقة العلم بالإيمان، فرأى بعضهم أن الإيمان يتعارض مع العلم، وظنّ أن السبيل الوحيد للتقدم العلمي هو التخلّص من الدين، والدعوة إلى العلمانية، وهم يحسبون أن بينها وبين العلم نسبا وصهرا، فضلوا في ذلك وأضلوا كثيرا.
والواقع أغلب المفكرين المنصفين أصبحوا يدركون اليوم أن هذا الاتجاه العلمي المحض عاجز عن صنع الإنسان، وأنّ التربية العلمية المحضة تصنع نصف إنسان لا الإنسان الكامل.. تصنع الإنسان المادي الشره لا الآدمي صاحب الخلق والفضيلة، ولم يعد يخفى على أحد اليوم أن عصر العلم المحض قد انتهى، وأضحت المجتمعات يتهدّدها الفراغ الروحي، فراح بعضهم يحاول ملء هذا الفراغ بالفلسفة المحضة، وبعضهم لجأ إلى الآداب والفن والعلوم الإنسانية.
في هذا السياق العام أتت هذه الندوة لتثير إشكالات عن علاقة العلم بالإيمان طالما أشيعت بشأنها أغاليط روجت بوصفها مسلمات، ولتقدم محاولات إجابة عن أسئلة يطرحها الواقع، وتشتد حاجة إنسان العصر لإجابات شافية عنها، منها:
- ما حدود العلاقة بين العلم والإيمان في واقع الأمة المشهود وفي الموقع المنشود؟
- كيف تنظر العلوم الإنسانية إلى قضية العلم والإيمان؟ وكيف تتفاعل معها؟ وكيف ترسم أهدافها ومشاريعها وفقها؟
- كيف تبلورت علاقة العلم بالإيمان في مناهج المصلحين منذ عهد الأنبياء إلى اليوم؟
- ما صلة العلم بالإيمان في برامج التعليم بالعالم الإسلامي؟
- كيف يتمثل الخطاب الإسلامي هذه العلاقة وكيف يبلور تصوره وفقها؟
وقد تصدى للإجابة عن هذه الأسئلة ثلة من كبار العلماء وزمرة من الباحثين تنوعت تخصصاتهم بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، كعلم الاجتماع وعلم النفس والعلوم الحياتية كالطب، واستغرقت يومين كاملين تم خلالهما تدارس أهم الإجابات عما يثيره من إشكالات، وحضر الندوة كم كبير من المهتمين والطلبة الباحثين وعموم محبي العلم والمعرفة.
وقد افتتحت الندوة بعد الجلسة الافتتاحية بندوة افتتاحية للعلامة الأستاذ الدكتور مصطفى بنحمزة في موضوع: علاقة الأمن بالإيمان، بين من خلالها أن الأمن الحقيقي رهين بتحقيق الأمن الروحي وبتأمين الإيمان، وأن رسوخ الإيمان من أعظم ما يحقق الأمن للأمة.
كما تميزت الندوة بمحاضرة هامة للدكتور راغب السرجاني تتبع فيها علاقة العلم بالإيمان في تاريخ الأمة، كشف من خلالها أثر الإيمان في حركة العلم بالأمة، مقارنا بين الفترة التي كانت الشهادة العلمية فيها للمسلمين في مختلف العلوم والميادين، كالفزياء والميكانيك والكمياء والعلوم الشرعية، وبين تعامل الغربيين آنذاك، واليوم هذا التعامل الذي تميز بعدم الحفظ على الأمانة العلمية وهيمنة المقاصد المادية على البحث العملي وغياب الأخلاق عنه، مستنتجا أن إعادة القرآن إلى موقعه من الأمة إعادة للأمة إلى موقعها العلمي الشاهد.
وتخللت الندوة محاضرات منها محاضرة متألقة للطبيب المختص في القلب الدكتور بزيد زكرياء قارن فيها أمراض القلوب بين الطب الحديث والمصطلح القرآني. ومحاضرة لرئيس مركز الدراسات والبحوث الدكتور سمير بودينار في علاقة العلم بالإيمان من منظور علم الاجتماع المعاصر، ومحاضرة في موضوع علاقة العلم بالإيمان في مناهج الأنبياء عليهم السلام من خلال القرآن الكريم للدكتور حسني خاليد.
وتوجت الندوة بمحاضر ختامية لمربي جيل العلماء الراسخ الناسخ فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي تتبعت مفهوم العلم والعلماء في القرآن الكريم مبرزة شدة حاجة الأمة إلى المعجم المفهومي للقرآن الكريم، وموضحة طبيعة العلم مميزة فيه بين الوحي وعلم الحياة وعلم المادة وكاشفة عن مصدره في القرآن الكريم وموقع العلماء في القرآن الكريم، وبيان شدة حاجة الأمة إلى العالم القرآني. فكانت بذلك مسك الختام.
وقد انتهت الندوة بتوصية وحيدة أساسية تمثلت في دعوة أهل كل تخصص علمي إلى محاولة قراءة تخصصهم في ضوء القرآن الكريم، بهدف إعادة بناء تخصصهم تصورا وحالا ووظيفة انطلاقا من رحم الأمة ومن خصوصياتها.

إعداد: د. حسني خاليد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>