ملامح تطور مبحث المكي والمدنيّ في موافقات الإمام الشاطبيّ


لاتخفى أهمية كتاب الموافقات للإمام الشاطبي (790 ه) رحمه الله، على كل باحث ومهتم في مجال الدراسات الإسلامية، وذلك لما في الكتاب من النظرات المبتكرة والإشارات المستحدثة؛ فالكتاب يعد لبنة أساسية في علم المقاصد، وخطوة متقدمة في تطور عدد من مباحث العلوم.

وإن من تلك المباحث التي طورها الإمام الشاطبي، مبحث المكي والمدني؛ فإنه قد أخذ عمن سبقه من علماء علوم القرآن، وأضاف إليه مفاهيم جديدة، تنسجم ومقاصد الشرع من تنزل القرآن في المرحلتين.

وقبل استعراض أهم ملامح هذا التطور، لابد من استعراض موجز لمبحث المكي والمدني عند علماء علوم القرآن لتتضح المقارنة.

1 – مبحث المكي والمدني عند علماء علوم القرآن:

يمكن بإجمال شديد استعراض مبحث المكي والمدني عند علماء علوم القرآن في تعريفهم للمصطلحين  باعتبار الزمان: (المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة)؛ والمكان: (المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة)؛ والإنسان: (المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة)(1)، ووقوفهم عند ضوابط كل منهما، كقولهم مثلا: كل سورة فيها يا أيها الذين آمنوفهي مدنية؛ وكل سورة فيها يا أيها الناس، وليس فيها يا أيها الذين آمنوأويابني آدم بصيغة النداء فإنها مكية(2)؛ مع إشارتهم إلى:

• بعض الخصائص اللفظية كقولهم مثلا: كل سورة فيها (كلا) فهي مكية، حتى أنشد الإمام الديريني:  (وما نزلت “كلا” بيثرب فاعلمن…) البيت(3).

• أو بعض الخصائص الأسلوبية المستمدة من طبيعة المرحلتين، كالإيجاز والقصر في السور المكية، والتفصيل والطول في السور المدنية.

2 – ملامح تطور مبحث المكي والمدني عند الإمام الشاطبي:

بنى الإمام الشاطبي (790 ه) رحمه الله في “موافقاته” على ما ذكره علماء علوم القرآن عن المكي والمدني، وأضاف أمورا يمكن اعتبارها ملامح في تطور هذا المبحث عنده؛ وهي كما يلي:

المكي والمدني علم معين على فهم القرآن الكريم:

لما كان فهم القرآن واستخراج ما فيه من الفوائد يحتاج لمعارف علمية خاصة؛ فقد نبه إليها الإمام الشاطبي، وجعل من بينها علم المكي والمدني فقال: “العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم على أقسام: قسم هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد، والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه؛ كعلوم اللغة العربية التي لا بد منها … فإن علم العربية، أو علم الناسخ والمنسوخ، وعلم الأسباب، وعلم المكي والمدني، وعلم القراءات، وعلم أصول الفقه، معلوم عند جميع العلماء أنها معينة على فهم القرآن”(4).

منهج التعامل مع علم المكي والمدني لفهم القرآن:

وبما أن علم المكي والمدني من العلوم المعينة على فهم القرآن، فإن الإمام الشاطبي يرشدنا إلى رؤية منهجية لها أثرها البالغ في فهم القرآن وهي قوله: “الْمَدَنِيُّ مِنَ السُّوَرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا فِي الْفَهْمِ عَلَى الْمَكِّيِّ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، وَالْمَدَنِيُّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِ فِي التَّنْزِيلِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْخِطَابِ الْمَدَنِيِّ فِي الْغَالِبِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَكِّيِّ، كَمَا أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُتَقَدِّمِهِ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ…”(5).

 ترتيب النزول سبب في فهم هدايات وأسرار القرآن الكريم:

وهذه الرؤية المنهجية لترتيب النزول، وتنزيل اللاحق في الفهم على السابق من أهم أسباب معرفة هدايات القرآن وأسرار تفسيره، فيقول: (فَلَا يَغِيبَنَ عَنِ النَّاظِرِ فِي الْكِتَابِ هَذَا الْمَعْنَى؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَارِ عُلُومِ التَّفْسِيرِ، وَعَلَى حَسَبِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ تَحْصُلُ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بِكَلَامِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ)(6).

المكي اشتمل على كليات الشريعة، والمدني تفصيل وتقرير له:

ومن هدايات القرآن وأسرار تفسيره كون القرآن المكي اشتمل على قواعد الشريعة وكلياتها، والمدني مكمل لتلك القواعد والكليات ومفصل لها؛ وقد نبه على هذا فقال: “اعْلَمْ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ هي الموضوعة أولًا، وهي التي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ عَلَى النَّبِيِّ  بِمَكَّةَ، ثُمَّ تَبِعَهَا أَشْيَاءُ بِالْمَدِينَةِ، كَمُلَتْ بِهَا تِلْكَ الْقَوَاعِدُ الَّتِي وُضِعَ أَصْلُهَا بِمَكَّةَ”(7)؛ ويضرب الإمام الشاطبي -رحمه الله- مثالا على هذا بسورة الأنعام (المكية) التي استوعبت أصول الدعوة المكية، وسورة البقرة التي نزلت بعدها تفصيلا وتقريرا لها؛ فيقول رحمه الله: “ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ   إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَهِيَ الَّتِي قَرَّرَتْ قَوَاعِدَ التَّقْوَى الْمَبْنِيَّةَ عَلَى قَوَاعِدِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ”(8).

أثر المكي والمدني في تربية الإنسان تربية قرآنية:

ثم إن فهمَ القرآن بهذه الرؤية المنهجية، وإدراكَ تضمن القرآن المكي لكليات الشريعة، وتضمن القرآن المدنيِّ لجزئياتها؛ له الأثر البالغ في تربية الإنسان تربية قرآنية؛ فإن المسلمين الذين عايشوا نزول القرآن المكي، وتربوا بهداياته كانوا أكثر اجتهادا ورسوخا لتعاليم الإسلام؛ وفي هذا يقول الإمام الشاطبي: “كان المسلمون قبل الهجرة آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أداهم إليه اجتهادهم واحتياطهم؛ فسبقوا غاية السبق حتى سموا “السابقين” بإطلاق، ثم لما هاجروا إلى المدينة… وكملت لهم بها شعب الإيمان ومكارم الأخلاق، وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم فكانت المتمات أسهل عليهم؛ فصاروا بذلك نورا حتى نزل مدحهم والثناء عليهم في مواضع من كتاب الله، ورفع رسول الله  من أقدارهم، وجعلهم في الدين أئمة؛ فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة، ولم يتركوا بعد الهجرة ما كانوا عليه، بل زادوا في الاجتهاد وأمعنوا في الانقياد لما حد لهم في المكي والمدني معا؛ لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم المكيات، ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما متعوا به من الأخذ بحظوظهم وهم منها في سعة والله يختص برحمته من يشاء (البقرة: 104) (9)”.

ويضرب الإمام الشاطبي رحمه الله لهذه التربية مثالا عن رجل سئل عن نصاب الزكاة، وهو قد تربى بالقرآن المكي، الذي كان يدعو ويشجع على الإنفاق في سبيل دعوة الإسلام بلا قيد ولا شرط؛ فيقول: “فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم، فقال: “أما على مذهبنا؛ فالكل لله، وأما على مذهبكم؛ فخمسة دراهم”(10).

هذه ملامح بسيطة عن تطور مبحث المكي والمدني عند الإمام الشاطبي (790 ه) رحمه الله في كتابه “الموافقات”، الذي نقله من مبحث يرصد مكي القرآن ومدنية، إلى منهج واضح المعالم له أثره في فهم هدايات القرآن، وتربية الإنسان.

الباحث: بلال البراق

———————-

1 – الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية، 1426ه، (1/45 – 46.

2 – المكي والمدني في القرآن الكريم، د: محمد بن عبد الرحمن الشايع، مركز تفسير للدراسات القرآنية، ط: 1، 1998م، 33.

3 – الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، (1/109).

4 – الموافقات، للإمام الشاطبي (ت: 790هـ)، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان، ط: 1، 1417هـ/ 1997م، (4/198).

5 –  السابق (4/256).

6 –  السابق (4/258).

7 –  السابق (3/335).

8 –  السابق (4/257).

9 – السابق (5/ 241).

10 – السابق (5/ 242).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *