اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني ومعاني


2 – أصالة الحرف في بناء دلالة الكلمة (13)

ختمنا الحلقة الماضية 12 المحجة العدد 492 بمناقشة الدلالة المجالية العامة للكلمات الثمانية: ( 6 – ب – ج – د – هـ – و – ز – ح – ط ) المتفقة في الحرفين الأولين (الهمزة والباء). واتضح أنها متطابقة في دلالة المجال الواحد – الذي هو التباعد والنفور أو ما يؤدي إلى ذلك – وإن تنوعت ألفاظها، والملاحظ أن ابن فارس ينسب دلالة الكلمة لأحرفها الثلاثة، وهذا ما يفيد أنه لا يعتبر دلالة المجال التي تستفاد من الحرفين الأولين من الكلمات المتفقة فيها، وهذا الإجراء سائد في أغلب معاجم اللغة العربية حسب علمنا.

ولأجل مناقشة هذه المسألة أي دلالتي المجال والمحورية بخصوص الأمثلة الثمانية من بين التسعة (6 – ب – ج – د – هـ – و- ز – ح – ط ) التي نحن بصدد مناقشتها، نعرض صفات  الحروف الأخيرة منها لأجل المقارنة بينها من حيث القوة والضعف أو التوسط بين الصفتين، وذلك لأجل ترتيب دلالة القوة المجالية التي تشترك فيها الكلمات الثمانية رغم اختلاف ألفاظها في هذا المجال. وذلك كما يلي:

صفات المحورية في  أحرف الكلمات الثمانية ( 6 – ب – ج – د – هـ … ألخ

6 – ب – أبت: صفات حرف التاء

+مهموس + شديد + منفتح + مستفل

6- ج – أبد: صفات حرف الدال

+ مجهور + شديد + منفتح + مستفل + القلقلة

6 – د – أبر:  صفات حرف الراء

+ مجهور + مكرر + منفتح + مستفل

6 – هـ – أبز: صفات حرف الزاي

+ مجهورة + رخو + منفتح + مستفل + الصفير + ذلقى

6 – و – أبق: صفات حرف القاف

+ مجهورة + شديد + منفتح + مستعل + القلقلة + لهوى

6 – ز – أبل : صفات حرف اللام

+ مجهور + متحرف + منفتح +   مستفل + ذلقى

6 – ح – أبن: صفات حرف النون

+  مجهور + منفتح + مستفل + الغنة + ذلقى

6 – ط – صفات حرف الهاء

حرف الهاء: مهموس + رخو + منفتح + مستفل + خفي.

وتتنوع صفات الحروف المذكورة في آخر هذه الكلمات حسب مصطلحاتها إلى خمس عشرة صفة تتدرج في وصف الحروف المحورية من الكلمات الثمانية :   ( 6 – ب … الخ ) ما بين صفة واحدة خاصة بحرف معين، وأخرى تتصف بها كل الحروف المحورية. إلى صفات متنوعة يشترك في كل منها عدد من الحروف المذكورة. ونذكر هذه الصفات بمصطلحاتها مفصلة مع مقارنة كل صفة بالحروف التي تتصف بها أحادية كانت أم ثنائية أم أكثر من ذلك وهي كما يلي:

1 – الهمس ويتصف به حرفان هما: التاء، والطاء.

2 – الشدة ويتصف بها ثلاثة أحرف هي: التاء، والدال، والقاف.

3 – الانفتاح وتتصف به كل الحروف الواردة في أواخر الكلمات الثمانية رقم( 6 – ب … الخ).

4 – الاستفال وتتصف به سبعة أحرف هي: التاء، والدال، والراء، والزاي، واللام، والنون، والهاء.

5 – الجهر وتتصف به ستة أحرف هي: الدال، والراء، والزاي، والقاف، واللام، والنون.

6 – القلقلة ويتصف بها حرفان هما: الدال، والقاف.

7 – التكرار، وهو خاص بحرف الراء.

8 – الرخاوة ويتصف بها حرفان هما: الزاي والطاء.

9 – الصفير وهو خاص بحرف الزاي ( في هذه المجموعة).

10 – الذلاقة ويتصف بها ثلاثة أحرف هي: الراء، واللام، والنون.

11- الاستعلاء وهي صفة خاصة بحرف القاف.

12 – لهوى ويتصف بها حرف القاف.

13 – الانحراف: وهي صفة خاصة  بحرف اللام.

14 – الغنة: ويتصف بها حرف النون.

15 – وأخيرا صفة الخفاء، ويتصف بها حرف الهاء.

وفي تعدد صفات الحروف التي تنوع قوة تأثيرها في بنية الكلمة يقول صاحب الرعاية لتجويد القراءة: «وربما اجتمع للحرف صفتان وثلاث وأكثر، فالحروف تشترك في بعض الصفات وتفترق في بعض، والمخرج واحد. وتتفق في الصفات والمخرج مختلف، ولا نجد أحرفا اتفقت في الصفات والمخرج واحد، لأن ذلك يوجب اشتراكها في السمع فتصير بلفظ واحد فلا يفهم الخطاب بها.

وهذه الصفات والألقاب إنما هي طبائع في الحروف خلقها الله –جل ذكره– على ذلك فسميت تلك الطبائع التي فيها بما نذكر من الألقاب اصطلاحا، ولقبت به اتفاقا مع ما يستمد ذلك من معنى الاشتقاق الذي [22] نذكره إن شاء الله تعالى. أنظر الرعاية لتجويد القراءة… 216.

هكذا يتضح من النص قبله أن الصفات قيم خلافية لأنها تميز بين الحروف، ولو كانت من مخرج واحد كما تتفق في بعضها مع اختلاف المخرج، وهذا ما يثبت لكل حرف خصوصيته في دلالة الكلمة.

وقد تفرعت صفات الحروف الأخيرة للكلمات الثمانية التي نحن بصدد مناقشتها إلى خمس عشرة صفة يمكن تصنيفها حسب  تنوع دلالاتها في  ثلاثة محاور هي:

أ – القوة: وهي من صفة الأحرف المجهورة، والشديدة، والمستعلية، والمنطبقة.

ب – التوسط : بين بين ولا وجود لمثال هذا النوع في هذا السياق.

ج – الضعف: وهو من صفة الأحرف المهموسة والرخوة والمستفلة والمنفتحة. وكل مجموعة من بين المجموعتين الرباعيتين (أ – د) تتدرج في مجالها. فالقوة درجات.

والضعف درجات، وثمة صفات خاصة تميز كل واحدة منها أو أكثر دلالة حرف معين، وهذا ما تؤكده عبارة صاحب الرعاية في النص أعلاه: «ولا نجد أحرفا اتفقت في الصفات والمخرجُ واحد».

ومن صفات الحروف تستنتج قرائن التمايز بينها بصفة عامة أو التفاوت في القوة التي تشترك فيها في مجال معين،  فقد لاحظنا أن الجهر والشدة والانطباق تشترك في مجال الدلالة على القوة، ولكن لكل واحدة من هذه الصفات مستواها الخاص. وفي هذا السياق نقارن بين تعاريف سيبويه لها حيث يقول: «فالمجهورة: حرف أشبع الاعتماد في موضعه، [و] الشديد هو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه…» (ل 4/434). ولا شك أن الحرف الموصوف بإشباع الاعتماد في موضعه أقوى من الذي يمنع الصوت أن يجري، ويقول: «ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا، والصاد سينا والظاء ذالا. ولخرجت الضاد من الكلام…” (4/436)

وفي تفريع «صفات الحروف وألقابها وعللها» يقول صاحب الرعاية لتجويد القراءة: «قال أبو محمد: لم أزل أتتبع ألقاب الحروف التسعة والعشرين وصفاتها وعللها حتى وجدت من ذلك أربعة وأربعين لقبا صفات لها وصفت بذلك على معان وعلل ظاهرة نذكرها مع كل قسم –إن شاء الله– في أربعة وأربعين بابا» (كتاب الرعاية لتجويد القراءة للقرطبي 216-).

بضبط صفات الحروف ووظائفها يمكن تصنيف دلالات الكلمات المتفقة في دلالة المجال لاتفاقها في الحرفين الأولين ثم تصنيف هذه الدلالة باعتماد دلالات أحرفها المحورية التي ينبغي التميز بين دلالاتها وفق صفاتها. وهذا ينبغي أن يطبق على أمثلة المجموعة (6. ب- ج …الخ) يتبع.

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *