نصـوص الإعجـاز القرآنـي (19)


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة (الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

(تمة نصوص أبي منصور الماتريدي (ت333هـ))

 

(8)

«وقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ (هود: 13) أي قالوا: إنه افتراه، أي محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه. ﴿قُلْ﴾ يا محمد إن كنت افتريته على ما تقولون ﴿فَأْتُوا﴾أنتم بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ (هود: 13)؛ لأنكم أقدر على الافتراء من محمد؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم التكذيب والافتراء، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط، ولا أظهر منه افتراء. فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر عليه ممن لم يعرف  ذلك قط. ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا﴾ أيضا شهداءكم من الجن والإنس﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعينوكم على إتيان مثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنه افتراء من عنده.

أو يقول: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ أي إن محمدا قد جاء بسور فيها أنباء ما أسررتم، وأخفيتم ما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء وإطلاع الله إياه.﴿فَأْتُوا أنتم بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ فيها أنباء ما أَضمَر هو، وأسرَ، واطلعتم أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ من تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من آلهة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنه افتراء.

أو يقول: إن لسانكم مثلُ لسان محمد، فإن قدر هو على الافتراء افتراءِ مثله من عنده، وتقدرون أنتم على الافتراء مثله، فأتوا به، وادعوا أيضا مَن لسانه مثلُ لسانكم حتى يعينونكم على ذلك ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنه افتراء، والله أعلم.

وقوله تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ وقوله تعالى في موضع آخر فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: 22) قال بعضهم قوله﴿بِعَشْرِ سُوَر نزل قبل قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، ولم يقدروا على مثله؛ دُعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قال لهم: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.

وقوله تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ… معناه: إن كان هذا مما يَحتمل الافتراء على ما تزعمون فأتوا بمثله أنتم؛ لأنكم أقدر على الافتراء من محمد، فإن لم تقدروا لم يقدر أحد على ذلك».

[تفسير الماتريدي، 2/513]

(9)

«ثم قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (الإسراء: 88) ما قدروا عليه، وقوله تعالى: بِمِثْلِهِ﴾ أي به، كقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى: 11) أي ليس هو شيئا، إذ لا مثل له.

فدل أن قوله:﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أي لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه، وعاينوه، فلأن لا يقدروا على إتيانه ابتداء قبل أن ينظروا فيه، ويعرفوا أمثاله أشد وأبعد؛ إذ نَظْمُ شيء وتصويره بعدما عاينوا الأشياء والصورَ أهونُ وأيسر من تصويرها قبل أن يعاينوها، ويشاهدوها.

وجائز أن يُسْتَدَلَّ بهذه الآية على أنه كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا حين قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ؛ لأنه لو لم يكن مبعوثا إلى الفريقين جميعا لم يكن لذكرهما معنى وفائدة.

وفيه دلالة أن في الجن مَن لسانه لسان العرب، إذ لو لم يكن ذلك لم يكن يذكر أولئك.

ثم جائز أن يكون قوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ الإنس مع الإنس، والجن مع الجن، أو الإنس مع الجن، أي: هؤلاء مع هؤلاء عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (الإسراء: 88).

وقال بعض أهل التأويل: إنما ذكر هذا لقولهم: إنه ﴿سحر﴾ وقولهم إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ (النحل: 103) وقولهم: مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى (سبإ: 43) وقولهم: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (المؤمنون: 38) ومثله. يقولون: إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا من هذين من الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ ما قدروا عليه.

والدلالة على أنهم عجزوا عن ذلك، ولم يطمع أحد منهم في ذلك إلا سفيه، أظهر الله سفهه وكذبه في القرآن حيث قال: قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنفال: 31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ (الأنفال: 32) لم يسأل التوفيق إن كان هو حقا، ولكن سأل العذاب أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (الأنفال: 32).

دل أنه كان سفيها أية السفه بقوله: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ثم ارتاب فيه، وشك بقوله: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ وإلا لم يطمع، ولم يخطر ببال أحد من الخلائق التكلف لذلك. دل أنه آية معجزة من الله تعالى.

ثم اختلف في قوله: عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ (الإسراء: 88) قيل: مثل نظمه ورصفه، وقيل: مثل حقه وصدقه.

ويحتمل: مثل حججه وبراهينه. ويحتمل: مثل إحكامه وإتقانه. يحتمل قوله: عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (الإسراء: 88) هذه الوجوه الخمسة التي ذكرنا.

ثم قوله: بِمِثْلِهِ يحتمل ما ذكرنا أي بالذي رفع، وذهب به على التأويل الذي جعلناه صلة قوله: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ (الإسراء: 86) ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَن (الإسراء: 87) بالذي ذهب به، ورفع لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أي لا يقدرون عل إتيانه.

وإن كان هذا الابتداء فهو على المثل، أي لا يقدروا عليه بعد ما قرع سمعهم هذا. فلو كان في وسعهم هذا لفعلوا؛ ليخرج قولهم صدقا وقول الرسول كذبا. فإن لم يفعلوا ذلك، ولم يتكلفوا، دل أنهم عرفوا أن ذلك من الله، وأنه آية معجزة خارجة عن وسعهم».

[م.س، 3/191-192]

 (10)

«ثمّ الأصل عندنا في إعلام الرّسل وجهان:

أحدهما ظهور أحوالهم على جهة تدفع العقول عنه الرّيبة وتأبى فيه توهم الظنة، بما صحبوه في الصغر والكبر فوجدوه ظاهرا صفيا تقيا…

والثّاني مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البصر في ذلك النّوع، الممتنعة عن أن يُطمَع في مثلها أو يَبلغ بكنهها التّعلّمُ. مع ما لو احتُم لأن يبلغ أحدٌ ذلك بالتعلم والاجتهاد، فإن الرّسل بما نشأوا لا في ذلك، وربّوا لا به، يظهر أنهم استفادوه باللّه، أكرمهم بذلك؛ لما يجعلهم أمناء على وحيه…

وأيضا إنهم لم يقصّروا في شيء دعوا إليه اجتهادا، ولا رُوي في شيء من أمورهم هوادة، ولا عُرف في شيء من أخلاقهم نكير، ولا في شيء من الأسباب الّتي بكل واحد- ممّا فيها بُعد النّاس بذلك – ما يوصف بالتمام:

من السخاء والشجاعة ومكارم الأخلاق… وغير ذلك ممّا يحقّ الميل إلى كل مَن فيه خصلة  منها والتعظيم له لمكان ذلك؛ فكيف لمن جمع الخصال المعروفة في المكارم، مع حسن الأداء عن الله جلّ ثناؤه…

وكل الّذي ذكرتُ كان لمحمد ، مع غير ذلك من الآيات الّتي دامت له ممّا فيه إظهار نبوته، وأنه خاتم الأنبياء:

منها هذا القرآن الّذي تحدى به جميع الكفرة أن يأتوا بمثله، وأن يعينهم على ذلك الجنّ والإنس، فما طمع في ذلك إلا سفيه أخرق هجره قومه لسخفه.

وفيه أيضا بيان الحكم لجميع النّوازل الّتي تحدث إلى يوم القيامة، ليُعلم أنه جاء مِن عند مَن يعلم الغيب وما يكون أبدا؛ وبما جاء له من البشارات في فتح البلدان، وإظهاره دينه بين أهل الأديان، وما فيه من الأنباء عمّا كان ممّا يعلم الخلق أنه لم يكن اختلف إلى أحد ممّن يعلم ذلك، ولا نظر في كتاب قطّ لتبقى له تلك الآيات. مع ما ذُكر شأنه في الكتب السماوية وحاجّ أهل الكتاب فلم يمكنهم إنكاره إشفاقا على أنفسهم؛ بل قد باهلهم مباهلته اليهود  بقوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ (الجمعة: 6)، والنصارى بقوله: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ (آل عمران: 61)، والجميع بقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (هود: 55)، وإظهاره اشفاقا وإظهاره الأمن عنهم والثقة باللّه بقوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة: 67) مع ما له آيات في الخلق…».

[كتاب التوحيد للماتريدي، ط. دار صادر، ص: 260-263]

د. الحسين زروق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *