نصـوص الإعجـاز القرآنـي (18)


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة (الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

 

(تتمة نصوص أبي منصور الماتريدي (ت333هـ))

 (4)

«وقوله عز وجل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾(النساء: 81)، وقوله: لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ (ص: 28) دلالة بينة على وجوه:

أحدها: أن المقصود منه يُدرك بالتأمل والتدبر؛ إذ به جَرْيُ الأمر والترغيبُ قبل وقت العمل؛ بل إلزام القيام بما يعمل بالتدبر.

ثم فيه وجهان:

أحدهما: أن الأمر ليس على مخرج كلام عند أهل اللسان، ولا على حق الآية في اللغة، أو حق مثله أن يرغب في معرفة الموقع عند أهل اللسان من المَخرج، والوجهُ إليه لا يدَّبر فيه، والله أعلم.

والثاني: أن التدبر فيه حظ الحكماء وأهل البصر، لا حظ العوام. وما يُعرف من حيث اللسان فهو حظ الفريقين.

ثبت أن على العوام اتباع الخواص في ما فهَّموهم، والاقتداء بهم، والله أعلم.

والثاني: أنه جعل وجه معرفة الاختلاف والاتفاق بالتدبر فيه، لا يقرَع الكلامُ السمع، وإذا ثبت ذلك لم يلزم العمل بشيء من الظاهر حتى يُعرف المَوقع أنه على ذلك بالتدبر؛ لئلا يَلحق المتمسكُ به النقيضَ بالتدبر، والله أعلم.

والوجه الثالث: بما تضمنتِ الاختلاف أن ارتفاع الاختلاف جعله حجة على أنه عن الله؛ إذ عُلم أن الله مما جبل عليه الخلقَ أنه لا أحد يملك بحق الاحتراز لا عن علم السماع يُنْثَى(1) إليه عن الله خَبرُ الصادقين، ويملك تأليف الكلام ونظمَ مثله غيرَ متناقض ولا مختلف، يَنفي بنفي الاختلاف ما قُرن به من الكهنة؛ إذ كذلك كلام الكهنة يَخرج مختلفا، وما قُرن من تعليم البشر وأساطير الأولين والسحر نحو ذلك؛ إذ كلٌّ يخرج ذلك على الاختلاف.

وفي ذلك بيان خطر جعل المُخرج بحق اللسان من الاسم حُجة ودليلا لما يوجد من ذلك الوجه ﴿اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.ولو كان من ذلك الوجه الاحتجاج لوجد الاختلاف.

ومن رام أن يجعل القرآن، لولا بيان الخبر، موقعُه على جهة قد يقع فيه الاختلاف دونه، فهو وصَفَ القرآن مع اجتماع الخبر بنفي الاختلاف.

وأما هو، في نفسه مُختلف، فمَثَله لكل كاهن وبشر أريد ثَبْت التناقض؛ أمكن لِمن الندبُ عنه، إن كان عنه مترجَما معبَّرا، يجب ضم تأويله إليه، فيبطُل أن يكون على أحد وجود اختلاف في مكان، ويكون احتجاجُ العَوِين غنيا. جل عن ذلك.

ثم ما ذَكَر يَحتملُ الأحكام والحدود والأمور والنواهي؛ وذلك يوجب أن التناسخ والخصوص والعموم لا يكون مختلفا، ويحتمل الإخبار والوعد والوعيد ونحو ذلك. وأعني بالإخبار: الإخبار عن الغيب وعما كان، أخبر عز وجل عن شرك المنافقين، وعما إليه مرجع الأمور، وعما كان عنهم، ونحو ذلك مما خَرَج كذلك، والله أعلم».

[تفسير الماتريدي، 1/462-463]

  (5)

«وقوله تعالى: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾(الأنعم: 5) يحتمل ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ التوحيد. أو من آيات إثبات رسالة محمد ونبوته  في إثبات البعث والنشور بعد الموت لما أخبر أنه خلقهم من طين، فإذا ماتوا صاروا ترابا.

فإذا كان بدء إنشائهم من طين، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانيا، إذ ليس إنشاء الثاني بأعسر من الأول.

ثم تحتمل الآيات آيات القرآن، وتحتمل الآيات ما كان أتى بها رسول الله  من الآيات سوى آيات القرآن.

ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِين﴾(الأنعم: 5) فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها ليعلم الله أنه إنما ينتفع بالآيات من تأملها، ونظر فيها لا من أعرض عنها.

ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك. ولو لم يكن القرآن معجزا كانت سورة الأنعام معجزة؛ لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد والألوهية لله والبعث، فكيف وقد جعل الله القرآن آية معجزة أعجز البشر عن الإتيان بمثله؟ ولم يكن يومئذ يعرف التوحيد والبعث، كانوا كلهم كفارا عبدة الأصنام والأوثان، لا يحتمل أن يكون رسول الله ألف ذلك وأنشأ من ذات نفسه ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.

وفيه دلالة إثبات المحاجة في التوحيد والمناظرة فيه؛ لأن أكثرها نزلت في محاجة أهل الشرك، وهم كانوا أهل شرك، وينكرون البعث والرسالة، فنزل أكثرها في محاجتهم في التوحيد وإثبات البعث والرسالة».

[م.س، 2/95-96]

 (6)

«وقوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾(الأنعام: 131) اختلف فيه: قال بعضهم: لم يكن من الجن رسل…

وقال بعضهم: كان من الفريقين جميعا الرسل…

وقال بعضهم: كان الرسل من الإنس إلى الفريقين جميعا…

وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الآيات والحجج التي تأتي الرسل وعجز الخلائق جميعا عن إتيان مثل هذا القرآن كقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (الإسراء: 88) فقد أعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإن كان الجن أقوى على أشياء من الإنس. فدل أنه آية، ودل عجز الجن عن ذلك، وإن كانوا أقوى، على أن غيرهم أعجز. ألا ترى أنه أنزل هذا القرآن على لسان العرب، ثم عجزوا هم عن إتيان مثله؟ فدل عجزهم عن ذلك على أن العجم له أعجز».

[م.س، 2/175-176]

(7)

«وقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ (يونس: 38) يقول: إن كان محمد افتراه من عند نفسه فأتوا أنتم بمثله؛ إذ لسانه ولسانكم واحد، فأنتم قد عرفتم بالفرية والكذب، ومحمد لم يعرف به قط، ولا أُخذ عليه كذب قط، فأنتم أولى أن تأتوا بسورة مثله.

وقوله تعالى: اختلف فيه: قال بعضهم: ادعوا آلهتكم التي تعبدونها ليعينوكم على إتيان مثله، وقال بعضهم: ادعوا من استطعتم أي من لسانه مثل لسانكم ليعينوكم على ذلك، أو يقول: استعينوا بدراسة الكتب لتعينكم على مثله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (يونس: 38) أن محمدا افتراه من نفسه. فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس بمفترى وأنه سماوي».

[م.س، 2/480-481]

د. الحسين زروق

—-

(1) – نثا الحديث والخبر نثوا: حدث به وأشاعه وأظهره. اللسان/نثا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *