لآلئ وأصداف – محمد إقبال.. وفلسطين.. والحب (2)


كان الشاعر الحكيم، محمد إقبال، يرى أن على الأمة استرجاع عنصر هام من عناصر وجودها لتسترجع هيبتها ومكانتها، ألا وهو عنصر الحب. لا خلاص للأمة من أزماتها إلا بالحب، الحب الذي أنعم الله به على الأنبياء والمرسلين، وجعله صلة وصل بينه وبين المومنين، الذين وصفهم بأنه (يحبهم ويحبونه). وحتى لا تذهب الظنون بالناس كل مذهب، كان يشرح حقيقة الحب، ويدفع الأوهام التي قد تكون أغلالا على البصائر والأبصار. فهو يقول:

“أنا غريب هذه المدينة، فاستمع إلى عويلي

لكي تقوم القيــامـــــات في صدرك أيضـــــــا.

أغنياتي الممزوجة بالغم والحزن متاع عزيـــز

ونغمةُ القلبِ الحزين ليست عامة في هذه الدنيــا.

أنوح وأشكو من ذوق هذا الزمــــــان الأعمى

الــذي فهم محنتــي على أنهـــا محنة فرهــــاد”.

فهو هنا يوجه أنظار الناس إلى حقيقة الحب الذي يملأ شعره، ويراه سر الخلاص من كل المشاكل والعراقيل التي تواجه الأمة. فحزنه نابع من أن أبناء زمانه وهم يقرأون شعره يربطونه بقصة فرهاد. وفرهاد عند الفرس بمنزلة قيس بن الملوح، المجنون، عند العرب. فكما ارتبط اسم المجنون عند العرب بليلى، كذلك ارتبط اسم (فرهاد) عند الفرس بــ (شيرين). لكن إقبالا ينكر أن يكون حبه طينيا محصورا، ضيقا، وقفا على امرأة. إنّ حبه أعظم من ذلك، وهو قد يرمز لحبه بقصة البلبل والوردة، كما فعل بعض شعراء الهند والفرس والترك والعرب، وبعض الغربيين، أو بالشمعة والفراشة، على شاكلة من سبقه، إلا أنه يتوجه بأسلوبه الرمزي وجهة خاصة، لا يماثله فيها أحد. أولئك يجعلون كل ذلك رمزا لعالم الملكوت الأعلى، وهو يظل مرتبطا بالناس في عالمهم الأرضي، ليصلح من شأنهم. ولذلك عندما سمع شاعرا متصوفا يقول: (وصل محمد  إلى سدرة المنتهى، ثم رجع. قسما، لو أدركت تلك المنزلة ما رجعت إلى الأرض). وقد أنكر محمد إقبال هذا الكلام وما ينطوي عليه من تصور، مبينا أن هذا هو الفرق بين الصوفي الذي يلتمس خلاصه الفردي، وبين النبي الذي يجعل وكده خلاص البشرية كلها، فلذلك رجع محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض، ليبلغ الناس ما رأى، ويهديهم بإذن ربه سواء السبيل.

وقد بين الشيخ أبو الحسن الندوي حقيقة الحب عند إقبال، فقال في كتابه (روائع إقبال)، في كلمة عنوانها (في أرض فلسطين): “تحركت السيارات التي كانت تقلّ ضيوف المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس عام 1350هــ، (1931م)، ودخلت في الفضاء الواسع، وطلعت الشمس، وأرسلت خيوطها الذهبية، كأنها جداول نور نبعت من عين الشمس، ولم يزل الشروق مصدر سرور وإلهام للشعراء، يجدون فيه الحياة للقلب والنشاط للفكر، والتقى جمال المكان بجمال الزمان، فأثرت تلك الشاعرية في الشاعر العظيم، والفيلسوف الكبير الدكتور محمد إقبال، الذي جاء من أوربة يمثّل الهند الإسلامية في المؤتمر الإسلامي، وبدأ يتمتع بهذا المنظر الخلاب، ويسخو بنظراته -التي يحتفظ بها الشعراء- في سبيل القلب، فكل نظرة تضيع في جمال الطبيعة ترجع إلى القلب بالربح العظيم، لأنها تشحن “بطاريته” بالنور الجديد، والقوة الجديدة.

هذا وقد تهيأ الجو، وتوفرت الأسباب لإمتاع الشاعر العظيم وإثارة قريحته، فقد غطت الجوَّ سحائب ذات الألوان، واكتست جبال فلسطين بطيلسان جميل زاهي اللون، وهبّ النسيم عليلا بليلا، وهفت أورق النخيل مصقولة مغسولة بأمطار الليل، وأصبحت الرمال في نعومتها وصفائها حريرا.

ورأى الشاعر العظيم آثار نيران انطفأت قريبا، وأثافيَّ منثورة هنا وهناك، وبقايا من خيام وأخبية، ضربت في هذه الصحراء بالأمس القريب، وتخبر بالقوافل التي أقامت وظعنت.

وطاب المكان والزمان للشاعر، وسمع كأن مناديا من السماء يحثه على أن يلقي عصا التسيار، ويؤثره بإقامته.

وقد لخص أبو الحسن، بأسلوبه الخاص، أهم ما ورد في القصيدة، وهو أسلوب يجلي مقاصد إقبال، وحفاظا على روح الكلمة ورونقها ننقل إلى القارئ بعضا معها، فإن لنا وقفة خاصة مع القصيدة، أصلا وترجمة.

ثارت في إقبال العواطف والخواطر، ورأى أن ركب الحياة بطيء، لا يسايره في أفكاره الجديدة، وخواطره الوليدة، ورأى أن العالم عتيق شائب، وفكره “الإسلاميّ” جديد فتيّ، ورأى أن العالم قد تجددت فيه أصنام وأوثان، وبنيت هياكل جديدة، يعبد فيها صنم “القومية”، و”الوطنية”، واللون، والجنس، والنفس، والشهوات. وقد تسربت هذه الوثنية إلى العالم الإسلامي والعربي، أفليس العالم في حاجة إلى ثورة إبراهيمية جديدة، إلى كاسر أصنام، يدخل في هذا الهيكل فيجعل هذه الأصنام جذاذا؟

وسرح طرفه في العالم الإسلامي، فوجد إفلاسا محزنا في العقل والعاطفة. رأى العالم العربي قد ضعف في إيمانه وعقيدته، وفي لوعته وعاطفته، ورأى العالم الجمي قد فقد العمق والسعة في التفكير، ورأى أن النظام المادي، والحكم الجائر المستبد، ينتظر ثائرا جبارا جديدا، يغضب للحق، ويثور كالليث، ويمثل الحسين بن علي في حميته وفروسيته. ورجا العالم الإسلامي أن يطلع هذا الثائر من ناحية بلد عربي، ويفاجئ العالم بصراحته وشجاعته، وتطلّع العلم إلى الحجاز -معقل الإسلام وعرين الأسود-فما كان منه إسعاف وإنجاد، ولم تتجدد معركة كربلاء، على ضفاف دجلة والفرات، مع شدة حاجة الإنسانية إلى ذلك، ورغم شدة العالم الإسلامي إلى بطله الجديد.

وهنا شعر محمد إقبال أن السبب في هذا التحول العظيم، هو ضعف العالم الإسلامي في العاطفة والحب، الذي هو مصدر الثورات والبطولات، فانطلق يشيد بفضل الحب وتأثيره، ويقول: “لابد أن يعيش العقل والعلم والقلب في حضانة الحب، وإشرافِه وتوجيهه، ولابد أن تسند الدّينَ وتغذيه عاطفة قوية، وحبّ منبعه القلب المؤمن الحنون، فإذا تجرد الدين عن العاطفة والحب، أصبح مجموعة من طقوس، وأوضاع، وأحكام لا حياة فيها ولا روح، ولا حماسة فيها ولا قوة، هذا الحب الذي صنع المعجزات، هو الذي ظهر في صدق الخليل، وصبر الحسين، وهو الذي تجلى في معركة بدر وحنين”.

وللحديث صلة، إن شاء الله.

جاء في الهامش: الوصف للمكان والمنظر لإقبال، نقلناه إلى العربية في لفظنا.

أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *