حــالة الأدب


على غرار دراسة الحالة الدينية في مجتمع من المجتمعات أو الحالة العلمية، على سبيل المثال، في مدى زمني معين، وذلك بتشخيص ظواهرها وتحديد مستواها، وحصر مواطن القوة والضعف فيها، يمكن دراسة الحالة الأدبية أو حالة الأدب، برصد ظواهره، ووصف ألوانه وتجلياته، وتصنيف اتجاهاته، وتحليل مصادره وروافده على مستوى ما يحكمه من رؤى فلسفية، وما يرتبط بها من معايير نقدية، والقيام بتقويم ما يتم إبداعه من إنتاجات وآثار، في ضوء معياري الجمال والأخلاق، أو بتعبير آخر: وضعها في ميزان الفن وميزان الخلق، ليتم الخلوص بعد ذلك إلى إصدار حكم على المشهد الأدبي بجميع عناصره ومكوناته، إما بغلبة التميز والارتقاء، أو غلبة الإسفاف والانحطاط. ودرءا لأي مزايدة في هذا المقام، بزعم اتسام الحكم بهذا أو ذاك بالذاتية أو المعيارية، والبعد عن أي قاعدة موضوعية نقول بأن الفيصل في ذلك إنما هي الفطرة التي تحتكم إلى رصيد الواقع والتاريخ، بكل مشاهده الإنسانية المليئة بالمعاناة، وتجليات المأساة، التي تدل بشكل قاطع وبليغ، على كونها نتاجا وبيلا لمعاندة تلك الفطرة، والكفر بقيمها وقواعدها.

إن الحاجة ملحة أيما إلحاح، إلى متابعة حالة الأدب في المجتمع الذي تكتنفنا أوضاعه وتياراته، وتغمرنا أجواؤه وأمواجه، ففي خضمها نتنفس، وعلى عناصرها نتغذى، فبقدر ما تكون عليه تلك الأطر والمقومات من النقاء والصفاء، ومن البراءة من الغرابة والشذوذ، يكون حظنا (أي حظ المجتمع) من السلامة والانسجام، على مستوى الأذواق والأشواق، ومن سمو الأرواح، والاستعداد لعظائم الأمور ومكارم الأخلاق. وبناء على ذلك نستطيع أن نقدر مدى الخسارة التي نتجرعها جراء تعرض الأدب للسقوط في فوضى المعايير، بترك الحبل على الغارب في مجال القول الأدبي، فيقول من شاء ما شاء، من دون وازع ولا رادع، استنادا إلى المفهوم المجاني للحرية في القول والفعل، أو المفهوم المبتذل للتجريب، الذي يفضي لا محالة إلى الإسفاف، ومن ثم إلى الإفساد والتمييع والتخريب.

أليس من الحق أن نقول بأن ما عرف في العصور الحضارية الإسلامية الزاهرة بنظام الحسبة الذي لم يكن يند عنه أي فعل أو نشاط، ينبغي أن يبسط سلطانه بشكل من الأشكال على مجال الأدب؟ ولكن من أين لهذا المطلب أن يتجسد في الواقع، والحال أن كثيرا ممن يعتلون منصات الأدب، أو ممن ينتصبون للزعامة في مؤسساته ومحافله يشبهون في صنيعهم صنيع الذئاب إذا ما خلي بينها وبين حظائر الأغنام؟

إن حالة الرداءة والإسفاف تزحف بلا هوادة إلى مجال الأدب، فيترتب عنها شر مستطير على مستوى فساد الأذواق وفساد الأخلاق على حد سواء، وضمن هذا الشر المستطير تتعرض اللغة العربية لمجازر رهيبة، تطمس معالم الجمال فيها وتلفها بسرابيل من القبح الذي هي بريئة منه براءة الذئب من دم يوسف.إنها حرب ضروس، تستهدف الإنسان، وتستهدف اللسان، وتمكن لفصيلة الغربان.

وإنه لحري بدعاة حماية البيئة لو كانوا يعقلون أن يجعلوا من مجال همهم وانشغالهم حماية حمى الأدب من أن يرتع حوله الأدعياء والمتطفلون، بله أن يقعوا فيه، ويمعنوا في تلويثه وزرعه بالألغام، وحقن ربوعه بشتى الأباطيل والأوهام.

قد يقول قائل: وما دخل الحسبة في هذا المجال، والحال أن من لوازمه التحرر والانطلاق من القيود، وأن المعول في صيانة الأدب من الإسفاف والابتذال، على مناعة المتلقين لنصوصه ومآثره، وسلامة أذواقهم. والجواب على هذا الاعتراض، هو: من أين لنا بهذه السلامة، وتلك المناعة، والحال أن شروط بنائهما غير متوفرة بالقوة الكفيلة بالطمأنة والإقناع. وإن من يطلع على هول الانحدار الذي يضرب بعنف جماهير المتعلمين في مستوى تكوينهم اللغوي والأدبي، بسبب هشاشة المناهج التعليمية، وانعدام الصرامة في تعهد هؤلاء المتمدرسين  عبر المستويات والمراحل الدراسية المتتالية، بالبناء المتين، يتبين له بكل سفور وجلاء، عبثية التعويل على أمثال هؤلاء ممن قل زادهم، واختل ميزانهم، وفقدوا بوصلة الاتجاه، مما يجعلهم أبعد ما يكونون عن أهلية الاستئمان على تراث الأمة اللغوي والأدبي، ففاقد الشيء لا يعطيه كما هو معلوم.

ويعلم العارفون بحقائق التربية والتعليم عندنا أن تحييد أعلى وأرفع نص لغوي وأدبي عن أن يكون في الصدارة، وأن ينسج على منواله، ويستقى من معينه، وتستلهم بصائره في صياغة الشاكلة الفكرية والثقافية، وإقامة الصرح المنهاجي، يعتبر أكبر خطيئة تقترف في حق الأدب الرفيع، وحق الأجيال التعليمية في الحصول على نصيبها من القول البليغ والأدب الرفيع.

ويأتي في المقام الثاني على صعيد الشروط المهدورة، شرط انتقاء الآثار الأدبية الممتازة من تراث الأمة الزاخر في القديم والحديث، مما هو كفيل بتنمية الحس الأدبي لدى الناشئين، وتأهيلهم لاكتساب القدرة على تمييز الجميل من القبيح، فيكونوا  أهلا للمرابطة على ثغر الحق والخير والجمال، فذلك وحده هو الكفيل بجعلهم حقا أهلا لأن يساهموا بفعالية في بناء صرح الأدب الجميل، ودرء الغثاء الذي يحوم حول الحمى، ويكون ذلك أبلغ حسبة ينتصب روادها في ساحة الأدب، ويكون إيذانا بتفتح أزهاره، ونضج ثماره، وانطلاق أطياره، لتصدح فوق دوحة الفن العصماء، وتشدو بأعذب الألحان.

وصدق الله العظيم القائل: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ(الأنبياء: 18) والقائل سبحانه: وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَافِكُونَ(الأعراف: 116).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *