نصوص الإعجاز القرآني – 16


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة

(الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

 

(تتمة نصوص أبي حاتم الرازي (ت322هـ))

(2)

«… ولولا القرآن الذي ورّثه محمد  أمّته وما فيه من القوّة الشّديدة التي قد جمعت قلوب البشر على قبوله وقبول أحكامه، لما استقام أمر الأنام ولا اعتدل أمر العالم.

ولولا ما أثّرت تلك القوى الرّوحانيّة في أنفس البشر لما قبلوه، ولم ابقى أثره في العالم إلى هذا اليوم. ولكنّه يزداد ويقوى على مرور الأيّام؛ لأنّها قوة إلاهيّة مقدّسة من كلام اللّه … ومن أجل هذه القوّة التي في القرآن سمّوه سحرا، لأنّ محمّدا  كان يتلوه على النّاس، فيقع في أسماعهم وتؤدّيها لأسماع إلى القلوب، فيجذب القلوب إلى طاعته بتلك القوة الرّوحانيّة الإلهيّة التي هي مستترة كامنة فيه…

وكانوا يقعدون بكل سبيل ويصدّون عنه النّاس، مخافة أن يسمعوا كلامه فيؤمنوا به…وكانوا يصّدون كلّ من ورد مكة من أهل الوبر والمدر عنه، وينهونه عن الاستماع منه… وكان رسول اللّه  يعرض عليهم الإسلام ويتلو عليهم القرآن، فيؤمنون، وتخبت له قلوبهم، وينقادون له، ويرجعون إلى قبائلهم فيدعونهم إلى الإسلام…

وهكذا سبيل هذه القوّة المستسرّة في القرآن التي وقعت في أنفس النّاس وألفّت بين قلوبهم بتأييد من اللّه . وهكذا قال الله تعالى ذكره: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ.وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (الأنفال: 63-64).

ولولا أنّ القرآن وما فيه من القوّة التي ألّفت بين قلوب النّاس وجمعتهم على قبوله وقبول أحكامه ثم اجتمع أهل الأرض على أن يفعلوا ذلك، لما قدروا عليه…

وعلى هذا تابعه من آمن به في دار هجرته لمّا سمعوا القرآن وأثّر تقوته في قلوبهم، فآووه ونصروه، وأحبوا من هاجر إليهم، واتّخذ بعضهم بعضا إخوانا، وواسوهم بأموالهم وآووهم في ديارهم، ونابذوا آباءهم وأبناءهم وعشائرهم… وآثروا محمدا  ومن هاجر معه إليهم، على جميع من ذكرنا من القريب والبعيد، ونزلوا على حكمه، ولم يقبل إيمانهم حتى حكّموه في أنفسهم وأموالهم وذراريهم، ورضوا بذلك وسلّموا له، وهم مختارون غير مجبرين، وطائعون غير مكرهين… وهو رجل وحيد فريد لا سلطان له عليهم،  ولا عشيرة تعينه ولا قبيلة…

…وأثّرت قوّة كلام اللّه في قلوبهم، ولولا ذلك لما أجابوه إلى ما دعاهم إليه من ترك الشّهوات الدّنياويّة، ومن قطيعة من ذكرنا من الأحبّة، ولا تابعوه على بذل الأموال والمهجله في حياته، والتّمسك بما شرعه لهم بعد وفاته، والتّشديد فيه، وما ظهر منهم من استماتتهم في ذلك، واعتكافهم عليه، ومحبّتهم له، والتزامهم إيّاه طائعين غير مكرهين…

فهذا فعل القرآن العظيم بقلوب البشر، أعدنا القول به مرة بعد مرة لتعرف -رحمك اللّه- عظم شأنه، وما فيه من المعجز الكبير الدّالّ على نبوّة محمد ، وهو ظاهر قائم في العالم، يزداد قوة على مرور الأيّام، تشتد وتنمو في مشارق الأرض ومغاربها، وتثمر هذه القوة هذه الثّمرة الزّكيّة كما ترى في هذه الأمصار الكثيرة التي لا تحصى عددا في كل مصر… من المساجد ما يعجز الناس عن إحصائها، وكل مسجد يقوم فيه مناد ينادي في كلّ يوم في خمسة أوقات، يشهد بتوحيد اللّه ّ وبتصديق محمّد  وبنبوّته، ويدعو إلى إقامة شريعته بأعلى صوته مجدا مجتهدا.

فأي قوّة في العالم عملت في أنفس البشر ما عملت قوّة كلام اللّه الذي جاء به محمّد ؟ وأي دلالة أوكد من هذه؟ وأي معجزة أبلغ من القرآن؟ وأي كتاب في العالم أعظم نفعا للبشر منه في الدّين والدّنيا، به حقنت الدّماء، وحصّنت الأموال، ومنعت أيدي الخلائق -بعضهم عن بعض- من الفساد في الأرض؟ ولولا ذلك لهلك الحرث والنّسل، وفسدت الأرض وما فيها.

وهذا هو المثل الذي طالب به محمّد  النّاس أن يأتوا به، حيث بلّغ عن اللّه ، فقال: قل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء: 88)…

…وأي مثل يوجد للقرآن في العالم مع ما قد وصفناه به من هذه القوة الشّديدة، وهذا الفضل العظيم؟ هيهات هيهات !! لا يوجد ذلك أبدا.

هذا، سوى ما فيه من المنفعة الدّينيّة التي بها نجاة المؤمنين به، المقيمين لما فيه من الفرائض والسّنن، وما وعدهم اللّه عليه من الثّواب العظيم، وأعدّ لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون. وتلك هي النّعمة الكبرى، والمنفعة العظمى، والشّرف الأعلى، والجزاء الأوفى».

[أعلام النبوة: أبو حاتم الرازي، ص:244-256]

(3)

«وإنّما سمّيت المعجزة معجزة؛ لأنّ الناس يعجزون أن يأتوا بمثلها. فأمّا الأسباب التي يشترك فيها الصّادق والكاذب، ويشتبه الأمر فيها على النّاس حتى ينساغ لهم القول، ويشبّهوها بفعل السّحرة، وتبطل كما يبطل فعل السّحرة، فلا يقال لها معجزات؛ بل المعجزة على الحقيقة ما قد ذكرنا من شأن القرآن وشريعة محمّد ، وما قد ظهر من قوّته التي قد كبس بها الأرض تحت أحكامه وسننه، وهو يزداد حتى لا يبقى في الأرض إقليم ولا جزيرة ولا مصر ولا بلد إلا ويدخله الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فيتمّ آخره كما تمّ أوّله، وينجز اللّه وعده؛ إنّ اللّه لا يخلف الميعاد. فهذه هي المعجزة التي لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها.

فإن قال قائل: فلعلّ ما تدّعون لا يصحّ ولا يكون، قلنا: هذه الدّعوى هي لمحمد ، وهي فرع لدعواه التي ذكر أنّ اللّه ّ يظهر دينه على كلّ دين ولو كره المشركون. وقد صحّ ذلك الأصل، والفرع تابع الأصل؛ لأنّ اللّه  قد أظهر دينه على جميع الأديان. وأمارات هذه الدعوى التي هي الفرع قد ظهرت؛ لأنّ الإسلام يزداد، وظهور هي قوى على مرور الزّمان، كما قلنا».

[م.س، ص:266]

د. الحسين زروق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *